صفات المنافقين

الإمَّــــــــــــــعــــــــــــة مــــــــــــــن لا مــــــــــبــــــــــــــدأ لــــــــــــــــــــــه ولا رأي

ما أحوجَنا في هذه الأيام التي كَثُر فيها أدعياء المبادئ المنافقون - وعند أول اختبار لهم تظهر حقيقتهم - إلى التعرُّف على العيب الملازم لطباعهم، ألا وهو «الإمعة»، ونَعرِف هل كان في سلفِنا إمعة؟ وهل نحن في زماننا إمعة؟ وما هي أسباب كون الإنسان إمعة؟ وأخيرًا كيفية العلاج؛ حتى نصل بأوطاننا ومجتمعاتنا إلى برِّ الأمان وخُلوِّها من السلبية والتلون.
الإمَّعة هو الإنسان الذي ليس له مبدأ وليس له رأي، وأهلنا الجزائر يصفونه بقولهم: معهم معهم، عليهم عليهم، وهذا عيب خطير حذَّرَنا منه النبي - صلى الله عليه وسلم - ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تكونوا إمعةً تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا وإن ظلَموا ظلمْنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تُحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا».
 وما كان سلفنا الصالح في يوم من الأيام إمّعة؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يثبتون على الحق مهما خالفهم الناس؛ فها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ساومه المشركون كان ردُّه القويُّ الذي يدلُّ على ثقته في الله، وتوكُّله على الله: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يَميني والقمر في يساري على أن أَترُك هذا الأمر حتى يُظهِره الله أو أهلك فيه ما تركته»، وها هو أبو بكر - رضي الله عنه - في الإسراء والمعراج يُعلنها بكل ثقة للمشركين لما حاوَلوا تشكيكه في النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن كان قال فقد صدق»، وها هم الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يَلتفِتون إلى قول السفهاء عن تحويل القِبلة، بل يتحولون إلى القبلة وهم في الصلاة، كما ثبت في الحديث الصحيح.
إن الإمعة من صفات المنافقين؛ قال تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} البقرة: 14 – 16.
 ها هو موسى يوبِّخ قومه لما رآهم إمعات، ويُذكِّرهم بالله وأنه هو الذي يملك النفع والضرر؛ ففي سورة الأعراف يَحكي لنا القرآن إمَّعة قوم موسى بعد أن أنجاهم الله من فرعون وقومه، سألوا موسى أن يجعَل لهم إلهًا غير الله؛ لمجرَّد أنهم رأوا قومًا يَعبدون أصنامًا وحكى ردَّ موسى عليهم؛ قال تعالى:   {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} الأعراف: 138 – 140.
أسباب كون الإنسان إمعة

1 - ضعف الثقة في الله: فأطفالُنا لا ينشأ الواحد منهم ويُربَّى على أن الله هو النافع والضار، فيكون إمعة؛ فالفتى ينشأ على ما عوده عليه أبواه.
 وها هو رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - يُعلِّمنا كيفية تربية الأطفال وزرع ثقتهم بربهم - عز وجل - فيقول لابن عباس وهو طفل - في الحديث الذي أخرجه الترمذي وصحَّحه «يا غلام، إنّي أعلّمك كلمات، احفظ الله يحفظْك، احفظ الله تجده تجاهَك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم يَنفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يَضرُّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحُف».
2 - عدم وجود أسوة لنا: بالله عليكم مَن منّا يَجلس مع أبنائه يُعلمهم مَن هو محمد - صلى الله عليه وسلم - كثير مِن الشباب لا يَعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اسمه، فلا يَعرِف حياته وسنَّته حتى يتَّخذه أسوة وقدوة، وإنما قدوة شباب المسلمين الآن فلانٌ المُغني أو فلانة الراقصة، فهل تنتظر من شباب هؤلاء قدوتُهم إلا السلبية والإمعة.
3 - التغريب الحادث للمسلمين؛ فلقد تحقَّق فينا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الشيخان في الصحيحين: «لتتبعنَّ سنن مَن قبلكم شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحرَ ضبٍّ لسلكتُموه»، فما أوصلنا إلى ما فيه مِن تحزُّب وانهيار للدول الإسلامية إلا إمعة ليس له مبدأ اتَّبع طريق الغرب - حقًّا أو باطلاً - يُنفِّذ ما يُملى عليه منهم.
 إن الله لن يرفع عنا الذلة والمهانة إلا بالتغيير؛ قال تعالى:   {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الرعد: 11، فإذا أردْنا التغيير فما السبيل إلى العلاج من هذا العيب، فإنّه يتمثَّل في أمرين:
1 - الثقة بأن الله هو الرزاق فإذا حاولتَ أن تُطيع فلانًا؛ لأنه سيأتي لك بمصلحة ورزق تذكَّر قوله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} الذاريات: 22، وتذكَّر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} الذاريات: 58، وتذكر قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} الشرح: 5، 6.
2 - الحفاظ على هويتك الإسلامية؛ تكون مسلمًا في ملبسك، افخر بكونك مسلمًا دون أن تتعدى على غيرك؛ فمِن صفات الصحابة الأبرار: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} الفتح: 29، قال الفاروق عمر - رضي الله عنه - إنا قوم أعزّنا الله بالإسلام، فإن طلبنا العزّة بغيره أذلّنا الله».

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18027

العدد 18027

الإثنين 19 أوث 2019
العدد 18026

العدد 18026

الأحد 18 أوث 2019
العدد 18025

العدد 18025

السبت 17 أوث 2019
العدد 18024

العدد 18024

الجمعة 16 أوث 2019