أدب الحوار في الإسلام

محاورة جبريل عليه السّلام للنّبي محمد صلى الله عليه وسلم منهج تربوي متكامل ومثالي

لقد شاء الله تعالى أن يجعل القرآنَ الكريم المعجزة الخالدة؛ ليكون هذا الكتاب المبين هدًى للمتقين، ومنهاجًا للمصلحين، وهداية للحائرين، وتقويمًا لأخلاق المعوجين، وإرشادًا للضالين؛ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ الإسراء: 9.
 باتباعه تتسامى النفوس عن الخضوع المذل للنزوات الطائشة، وتترفع عن ارتكاب الذنوب والعيوب؛ لأن القرآنَ أنزله الله -تعالى- ليكون شرعةً للناس ومنهاجًا، وجعله محفوظًا ثابتًا لا يتبدل ولا يتغير؛ لكيلا يتبدل الناس ولا يتغيروا؛ فهو الذي ينقذ الحيارى من الجهالات والمتاهات: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ إبراهيم: 1﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ الفتح: 28].
 (قل: آمنتُ بالله، ثم استقِمْ):
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام: فقال له: ((قل: آمنتُ بالله، ثم استقم))، ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه قد أوتي جوامعَ الكلم، ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾النجم: 3، 4، وقد جعل الله تعالى طاعتَه من طاعته؛ فقال عز وجل: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ النساء: 80.
 قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: ((قل: آمنتُ بالله، ثم استقم)) قد جمع الإسلام في جملة واحدة، وهي أن الإسلام إيمانٌ بالله، واستقامة في الحياة؛ فلا انحراف ولا فساد ولا عيوب، ولا ضلال ولا إلتواء، ولا غل ولا رياء، لكنه إيمان بالله، واعتصام بحبل الله، وتراحم وتعاطف، وتعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان؛ لأن المؤمنين إخوة: ربهم الله، ورسولهم خاتم رسل الله، سيدنا محمد بن عبد الله، الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، وقال له: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ الأنبياء: 107.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخِذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلاً))، قال: صدقتَ، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ((ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل))، قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: ((أن تَلِدَ الأَمَةُ ربَّتَها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان))، قال: ثم انطلق، فلبثت مليًّا، ثم قال: ((يا عمر، أتدري من السائل؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنه جبريل، أتاكم يعلِّمكم دينكم)).
 هذا هو الأدب الرفيع بين السائل والمجيب، كما في هذا الحديث الشريف الذي رواه سيدنا عمر بن الخطاب، وهو ذلك القدوة العظيمة وكان المعلم فيه سيدنا جبريل عليه السلام، أمين الوحي الكريم، ومتلقيه - وهو المجيب عن تلكم الأسئلة -: «هو الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى»، هو خاتم رسل الله، سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، ومنزلة هذا الحديث من السنَّة المطهرة كمنزلة أم الكتاب (الفاتحة) من القرآن الكريم، فمن عمِل به، سلِم في دِينه، وفي يقينه، وهُدِي إلى صراط مستقيم.
 أرأيت كيف كانت هذه الأسئلة الهادئة الهادفة بإجابتها الرشيدة السديدة منهجًا تربويًّا متكاملاً، ودرسًا دِينيًّا مثاليًّا شاملاً، وحوارًا أمينًا بين أمين الوحي سيدنا جبريل عليه السلام وبين سيد المرسلين صاحب الخُلُق العظيم، خاتم رسل الله سيدنا محمد بن عبد الله، الرحمة المهداة للعالمين، الذي بعثه ربه للناس كافة؟!
سُئل سيدنا أبو الدرداء - رضي الله عنه - عن أحسن ما يعطي الله العبد، قال: سَعَة علم، قالوا: فإن لم يكن؟ قال: رجاحة عقل، قالوا: فإن لم يكن؟ قال: صدق لسان، قالوا: فإن لم يكن؟ قال: سكوتٌ طويل، قالوا: فإن لم يكن؟ قال: ميتة عاجلة.
 أرسل سيدنا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بصُرَّةٍ فيها نفقة مع عبده إلى أبي ذر - رضي الله عنه وأرضاه - وقال لعبده: إن قبِلها فأنت حرٌّ، وكان سيدنا أبو ذر فقيرَ المال، ولكنه كان أبيًّا عفيفًا، غنيَّ النفس نزيهًا، فأبى أن يقبَلَها، وردها إلى العبد، فقال له: اقبَلْها يرحمك الله؛ فإن فيها عتقي، فقال: إن كان فيها عتقُك، ففيها رِقِّي، هذه نفوس عالية صنعها الإسلام، ورباها القرآن:
يَعِزُّ غنيُّ النفس إن قلَّ مالُه = ويَغنى غنيُّ المال وَهْو ذليلُ
 عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قيل: يا رسول الله، مَن أكرم الناس؟ قال: ((أتقاهم))، فقالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: ((فيوسفُ ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله))، قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: ((فعن معادنِ العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام إذا فقُهوا)).
 هذه نماذج من أدب الحوار الديني بين السائل والمجيب، تريح النفس، وتطمئن القلب؛ فلا شرود ولا شذوذ، لكنه تيسير الإسلام، وتوجيه القرآن، وبيان سنَّة الرسول عليه الصلاة والسلام.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18120

العدد18120

الإثنين 09 ديسمبر 2019
العدد18119

العدد18119

الأحد 08 ديسمبر 2019
العدد18118

العدد18118

السبت 07 ديسمبر 2019
العدد18117

العدد18117

الجمعة 06 ديسمبر 2019