زرع حسنات في شعبان لقطفها في رمضان

خطوة تدل على خطوة، وعمل يهدي إلى عمل، فمن عمل حسنة فتح له باب حسنة أخرى ومن عمل سيئة فتح له باب سيئة غيرها. وها نحن في شهر شعبان الذي يسبق رمضان، وحال النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن بقية أيام العام، فيراه الصحابة وهو يكثر من الصيام حتى ربما صامه كله بل ربما وصل صيامه بصيام رمضان، فلماذا هذا الاجتهاد في هذا الموسم؟ وإذا ما تأملنا في القرآن وقراءته فإننا سنقف عند قول السلف أن شعبان شهر القراء من كثرة ما كانوا يقرؤون فيه من القرآن، وهنا سؤال لماذا كانوا يصومون ويقرؤون القرآن في شعبان رغم أن رمضان هو شهر الصيام والقرآن؟ فتأتي الإجابة “ ضمن مفهوم الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي الى الجنة “ حسنة شعبان تفتح للمسلم حسنات رمضان والعمل الصالح يهدي إلى العمل الصالح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (فإن الحسنة تدعو إلى الحسنة والسيئة تدعو إلى السيئة). إنه قانون وناموس ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ [الليل: 5 - 7] فإذا أردت أن تيسر لك الحسنات في رمضان فافتتح الحسنات من شعبان، وقد روى أهل التفسير أن من أسباب نزول هذه الآيات العظيمة ما رواه الحاكم في مستدركه بسند قال فيه على شرط مسلم من حديث أنس بن مالك: أن رجلا قال: يا رسول الله إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها فمره أن يعطيني أقيم حائطي بها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعطها إياه بنخلة في الجنة فأبى وأتاه أبو الدحداح فقال: بعني نخلك بحائطي قال: ففعل قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد ابتعت النخلة بحائطي فجعلها له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة، مراراً، فأتى امرأته فقال: يا أم الدحداح أخرجي من الحائط فأني بعته بنخلة في الجنة فقالت: قد ربحت البيع، أو كلمة نحوها. انظر إلى حسنة أبي الدحداح كيف فتحت له أبواب الجنان.. لقد ذكر أهل التفسير أن بشر بن الحارث الملقب ببشر الحافي كان شاباً لاهياً عابثاً حتى جاء إلى حمام فوجد كاغداً مكتوباً فيه بسم الله الرحمن الرحيم، فرفعه وطيبه بالمسك فرأى في النوم قائلاً يقول يا بشر، طيبتَ اسمنا فنحن نطيب اسمك في الدنيا والآخرة، فتغير شأن الرجل فأصبح زاهداً ورعاً محدثاً علَماً واعظاً. كان يقول لأهل الحديث أدوا زكاة الحديث من كل مائتي حديث اعملوا بخمس.
أما عن الورع فقد سئل الإمام أحمد عن الورع فقال: لا يحل لي أن أتكلم في الورع وهناك بشر بن الحارث، ففاض الورع على أهل بيته. وهنا روى أهل السير أن امرأة جاءت إلى الإمام أحمد تسأله فقالت: إني أغزل غزلي على ضوء القمر، فمر السلطان بجنده ومعهم المشاعل فأصابني ضياؤها فأكملت غزلي على شعاع مشاعل الجند فهل عليَّ من حرج؟ فتعجب الإمام أحمد من ورع هذه المرأة فقال لها يا أمة الله من أي البيوت أنت؟ فقالت أنا أخت بشر بن الحارث فقال أحمد: من بيتكم يخرج الورع! لقب ببشر الحافي لكونه كان يصلح نعله عند الإسكافي فكان يتردد عليه كثيرا فقال الإسكافي ما أكثر ما يكلفك هذا النعل، فخلعه ومشى حافيا. من زهده كان يوضع له الحساء من الدقيق فيتردد في طعامه فيُسأل عن ذلك فيقول أخشى أن يسألني الله من أين لك هذا الدقيق؟ ولما مات رحمه الله اجتمع في تشييع جنازته غالب أهل بغداد حتى خرجت جموع غفيرة فلما رأى أصحابه ذلك قالوا والله هذا هو شرف الدنيا والآخر، حتى تمنى القوم جواره في قبره، فقد روي أن الخطيب البغدادي (المحدث المشهور) أنه شرب من زمزم فدعا بثلاث دعوات (أن يكتب تاريخ بغداد، وأن يحدث بجامع المنصور، وأن يدفن بجوار بشر بن الحارث) فكان له ما تمنى... أتدري أخي المسلم ما الشيء الذي بسببه رفع شأن بشر الحافي؟؟ إنها حسنة واحدة فتحت له أبواب حسنات..
من زرع حسنات في شعبان فتحت له حسنات كثر في رمضان، فمن زرع جنى وحصد، اللهم بلغنا رمضان.. اللهم تقبل منا الصيام والقيام فيه.. اللهم اجعلنا فيه من المقبولين الفائزين.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18178

العدد18178

الأحد 16 فيفري 2020
العدد18177

العدد18177

السبت 15 فيفري 2020
العدد18176

العدد18176

الجمعة 14 فيفري 2020
العدد18175

العدد18175

الأربعاء 12 فيفري 2020