المساجد في الجزائر تمنح الصائم إحساسا قويا بالشهر الكريم

تعد المساجد في شهر رمضان الكريم، نقطة استقطاب كبرى لجموع الصائمين في الجزائر، الذين يجدون فيها ملاذا آمنا لراحة النفس وفضاءً روحيا للتقرب إلى الله في شهر يطمع فيه الصائمون في رحمة الخالق ومغفرته، ويتسابقون فيه لتطهير الأنفس من الرذائل واكتساب المزيد من الحسنات، فالجميع يحفظ عن ظهر قلب قوله عليه الصلاة والسلام “رمضان شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار”.

ومثلما تجد الأسواق الشعبية، والساحات والحدائق العمومية، والمقاهي الشعبية، ملأى بالصائمين الذين يقصدون هذه الأماكن لقضاء احتياجاتهم اليومية التي تتضاعف في شهر رمضان لكثرة الملذات، أو لتمضية الوقت مع الأصدقاء والأحباب في انتظار موعد الإفطار، تجد باحات المساجد ومداخلها تموج بالمواطنين الذين لا يبرحون محيطها حتى بعد أداء الصلاة فيها. ويكون التفاف الناس حول المساجد، بالأخص فئة كبار السن، كبيرا وهاما في شهر الصيام.
ولعل أهم ما يلفت الانتباه ونحن نتحدث عن المساجد في شهر رمضان، تحول مداخل الكثير منها أو الأرصفة القريبة منها، إلى مساحات تجارية محتشمة لبيع كل ما يمت بصلة إلى مائدة الإفطار، بدءا بشتى أنواع الخبر التقليدي المنزلي، أو الحلويات العسلية التي لا يجب أن تخلو منها مائدة صائم من زلابية وقلب اللوز وقطايف، مرورا بأغطية الموائد المصنوعة من النيلون أو أطباق الخبر المختلفة الصنع والأشكال، والملاعق الخشبية، وانتهاء ببعض الأواني الفخارية الأصيلة من قدر وطاجين، التي يكثر عليها الطلب في رمضان نظرا للذوق المتميز الذي يمنحه طهي الشربة أو طاجين الحلو أو المتوم في الفخار دون غيره من الأواني حتى الفاخرة منها.
وتمنح المساجد في الجزائر الصائم إحساسا قويا بالشهر الكريم، فهي تتزين بالمصابيح الكهربائية والفنارات الزيتية من الداخل والخارج، بما يليق بعظمة الشهر أسبوعا قبل دخول رمضان، مثلما تعمد السلطات المحلية البلدية إلى طلاء جدرانها وأسوارها الخارجية بمادة “الجير الأبيض” كما هي عليه العادة منذ آلاف السنين، ويتسابق المحسنون من مريدي المساجد وأثرياء المدينة إلى منح المساجد زرابي جديدة تعظيما لشهر الصيام، كما تتسابق البيوت في أخذ الزرابي القديمة لغسلها وترقيع بعضها، لجني الحسنات والتقرب بهذه الأعمال الخيرية إلى الله طمعا في رضوانه.
ويجعل الشهر الكريم من مساجد مدينة الجزائر مثل غيرها من مساجد البلاد، ملتقى لعشرات المعوزين وعابري السبيل والسائلين الذين يصطفون أمام مداخل المساجد طلبا للصدقات، فهم يدركون أن الشهر الكريم فرصة للمحسنين والذين أعطاهم الله بسطة في المال، لتزكية أموالهم والتفكير في الفقراء، وعادة ما تشهد باحات المساجد مبادرات خيرية من لدن الأغنياء والأثرياء الذين يتداول بعضهم على إطعام المساكين كل موعد إفطار، ومنهم من يتصدق بألبسة العيد، ومنهم من يوزع حلويات عيد الفطر، كل حسب مقدرته. وتشكل هذه المبادرات مشاهد حقيقية لمعنى التكافل الإجتماعي في الشهر الكريم.
ويبدأ استعداد المساجد لشهر رمضان الكريم، بتنظيم حلقات ومجالس الذكر والفتاوى المتعلقة بالصيام ومستحباته وما يجوز فيه وما يحرم، وتتميز المساجد في الجزائر، المالكية منها مثل الجامع الكبير وجامع سيدي رمضان والحنفية مثل جامع كتشاوة وجامع سفير وعلي بتشين وجامع السيدة بالعاصمة الجزائر، بمباشرة هذه المساجد لسلسلة من الحلقات العلمية لقراءة وشرح صحيحي البخاري ومسلم، يشرع فيها 15يوما قبل حلول رمضان، وتعرف هذه المجالس إقبالا كبيرا للشباب الذي كبر وعيه بدينه بفضل دعاة الصحوة الإسلامية، فضلا عن الشيوخ والعجائز الذي يداومون على ارتياد المسجد حتى خارج الشهر الكريم.
ولا يكبر الإحساس بشهر رمضان إلا وأنت تمر بالأزقة والحارات الشعبية التي تتلوى معها القصبة العتيقة أوبالمساجد القديمة الضاربة في القدم التي تزخر بها مدينة الجزائر (العاصمة) دون غيرها من مدن القطر الجزائري، فهي المدينة التي تسابق الدايات والباشاوات أثناء الوجود العثماني في تعميرها، فشيدوا مساجدها مثل “مسجد كتشاوة” الذي كان آخر ملجأ للجزائريين بعد أن بسطت القوات الفرنسية سيطرتها على العاصمة الجزائر العام 1830حيث قتل جلّ من كان فيه، كما شيدوا معظم قصورها وأغدقوا عليها المال حتى تكون في مستوى فخامتهم، مثل “قصر الداي” و”قصر الجنينة” كما تضمنت القصبة العتيقة جلّ الدويرات التي أبدعوا في بنائها مثل دار عزيزة ودار خداوج العمياء ودار السلطان كما أبدعوا في تزيين حدائقها أو “جنيناتها” مثلما تنعت عندنا.
ومن بين أهم مساجد مدينة الجزائر التي تعبق منها رائحة الماضي التليد، وتشير بعض الوثائق التاريخية أن العاصمة وحدها كانت تتربع على ما يزيد عن 300مسجد قبل الاحتلال الفرنسي لم يبق منها سوى 13مسجدا أغلبها هدم وحوّل إلى كنائس آنذاك، نذكر الجامع الجديد الذي يرجع تاريخه إلى العهد التركي إلى العام 1070ه الموافق لسنة 1660وتم بناؤه على يد الوكيل الحاج حبيب، وكل من يزور هذا الجامع يقف مشدودا إلى أروع أنواع الهندسة المعمارية التركية، ومن المساجد العتيقة أيضا نذكر جامع كتشاوة الذي بني العام 1612وجدد بناؤه ووسعه حسن باشا العام 1795قبل أن يحولّ في 5يوليو 1830إلى كاتدرالية ويعاد إلى أصله مسجدا وجامعا في 5يوليو1962. حيث أقام فيه العلامة الجزائري الشيخ البشير الإبراهيمي أول جمعة بإمامته بمناسبة الذكرى الثامنة لاندلاع الثورة التحريرية بحضور وفود الدول العربية والإسلامية. ونذكر أيضا جامع سفير الذي نقرأ تاريخه الجميل الذي يقول أنه بني العام 940-ت الموافق لسنة 1534بفضل مجهودات أحد المسيحيين الذي اعتنق الإسلام وكان من قبل ذلك عبدا في قصر خير الدين بربروس الذي أعتقه بعدما غيّر اسمه إلى إسم “سفير بن عبد الله” وينسب إلى اسمه المسجد، قبل أن يعيد الداي حسين باشا بناءه العام 1826.أما الجامع الكبير الذي بني في عهد المرابطين العام 1096، وأشرف على بنائه القائد يوسف بن تشفين، فهو من أقدم مساجد الجزائر قاطبة ويكفيه فخرا أن المؤرخين اعتبروا منبره من أقدم المنابر في العالم الإسلامي، فقد درّس من فوق منبره العلامة المفسر عبد الرحمن الثعالبي، وكان الجامع الكبير في عهد العثمانيين منارة للعلم يقصده طلاب العلم من كل فجّ عميق من المغرب وتونس وبجاية.
وكانت المساجد في الجزائر وما تزال وستظل تلك المساحات النورانية التي لعبت دورا كبيرا في الحفاظ عل هوية الفرد الجزائري وانتمائه العربي الإسلامي، والدفاع عن لغته وعقيدته في أحلك مراحل التاريخ الجزائري بالأخص خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر، وما تزال ذات المساجد تلعب دورها الطلائعي في حث المواطن على الالتفات إلى قضاياه المصيرية وعدم التهاون معها، وتقريبه إلى الله ورسوله في محيط تتكالب القوى المعادية لثوابت الأمة الجزائرية، لإبعاد المواطن عن هويته والرمي به في أحضان التغريب والعلمنة والانسلاخ عن الذات.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019
العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019