الشيخ يوصي فتاه ... الصيام صدق وأمانة

قال الشيخ.. وهو يحاول أن ينقل الفتى إلى أجواء الصائمين والأمناء الصادقين، قائلا: لقد كلفت يا فتى بأمانة ثقيلة، فكن أمينا وصادقا، وأدّ الأمانة لمن ائتمنت ...! قال الفتى : وما هي هذه الأمانة التي تصفها بالثقيلة يا سيدي؟ إنها أمانة الصيام يا ولدي، كلفنا بها العليم الخبير رب العرش العظيم فيجب يا فتى أن تخضع لأمر الله كما طلبه وكما رسمه لنا. الفتى : وهل الصيام أمانة يا سيدي ؟ الشيخ: وكيف لا يا فتى..ألا نقرأ قوله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب “ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا “ الآية 72 ولقد ذكر المفسرون أقوالا كثيرة في المراد بالأمانة والذي يطمئن إليه القلب يا فتى، إن المراد بالأمانة في هذه الآية الطاعة والتكليف والفرائض والحدود. ولقد استحسن الإمام الطبري أن يكون المراد بالأمانة في هذا الموضوع، هو جميع الأمانات الموجودة في الدين، وكذلك جميع الأمانات التي تكون بين الناس، ولما كان الصيام من ضمن العبادات التي فرضها الله على عباده وحتى يكون له بعد أعمق فهو يعتبر أمانة، وفي هذا الإطار يقول صلى الله عليه و سلم: “ الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته “ ولما تلى قوله تعالى: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها” وضع يده على سمعه وبصره وقال:”السمع أمانة والبصر أمانة “. ولولا أن من أمانات الصوم لما قال صلى الله عليه و سلم “ فليقل إني صائم “ ولقد شدد الإسلام في الأمانة وجعل رعايتها سمة النفس المؤمنة وما دام الله سبحانه وتعالى كلف المسلم بالصيام، فمن شأن هذا التكليف أنه يحتاج إلى القلب السليم والعقل القويم
و التصرف المستقيم. و تحذر السنة النبوية المطهرة المسلم تحذيرا بليغا رادعا ، أن يضيع الأمانة التي كلف بها و يتنكر لها فقال صلى الله عليه و سلم:” لا إيمان لمن لا أمانة له “ وفي حديث آخر “ إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة “. أما سؤالك يا فتى كيف يكون الصيام أمانة؟ فذلك يحتاج إلى بيان فاعلم يا بني أن الصوم اقتناع باطني وسر بين الصائم وربه وأعظم ما يتوقع منه، الصدق والأمانة والصوم الذي لا يستسيغ روح الأمانة لا يمكن أن يكون صياما صالحا لصاحبه ويكون حظه من هذا الصيام كما قال صلى الله عليه وسلم الجوع والعطش. فالذي يتجه يا بني إلى غير الله بالقصد والرجاء لا صوم له، والصائم الذي يفكر في الخطايا ويشتغل بنية تدبير الفتن والمكائد ومحاربة الله ورسوله لا صوم له، والذي يحابي الظالمين ويجامل السفهاء
ويعاون المفسدين في العلن والخفاء لا صوم له فالصيام أمانة يا فتى، وأمانته غض البصر وكفه عن الاستماع في النظر إلى كل ما يذم ويكره، وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله عز وجل واللسان صدق وأمانة، وصدقه وأمانته أن يحفظه عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والجفاء والخصومة والمراء وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن. والسمع أمانة وكفه من الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه، ولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت، فقال تعالى “ سماعون للكذب آكلون للسحت “ وكف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل، وعن المكاره وكف البطن عن الشبعات وقت الإفطار أمانة، فكن يا فتى يقظ الضمير طاهر الوجدان، نقي السريرة، واتق الله وأدّ صيامك لمن ائتمنك. الفتى: لقد نقلتني يا سيدي من ممارسة الكلمة إلى ممارسة معناها، وكنت أتصور الأمانة مقصورة على الوديعة التي تودع عند الناس كالنقود والحلي وما شابه ذلك، وما كان يخطر ببالي أن الصيام أمانة، لذلك أجيبك يا سيدي بحرارة الإيمان الملهب.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18054

العدد 18054

الأحد 22 سبتمبر 2019
العدد 18053

العدد 18053

السبت 21 سبتمبر 2019
العدد 18052

العدد 18052

الجمعة 20 سبتمبر 2019
العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019