العــدول عـن الرّخــصة

تعامل الشّارع الحكيم مع البشرية المؤمنة بتشريعاته تعاملاً مرنا لينا، لأنه أعرف بهم وبمشكلاتهم وحاجاتهم وقدراتهم، ففي العبادات فرض فرائض وسنَّ سننا، لكنه أدرج أعذاره الشرعية ضمن كل نقطة من نقاطها رخصاً لمن عجز عن تنفيذها تنفيذاً كاملاً سليماً وكانت له أعذاره الشرعية. ومما روي عنه صلى الـلّه عليه وسلم: «إنّ الـلّه يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه». وعند ابن خزيمة: كما يحب أن تترك معصيته، وقال في رواية: صدقة تصدق بها عليكم الرحمان فاقبلوا صدقته. وفي رواية أخرى للطبراني قال صلى الله عليه وسلم: «إنّ اللّـه يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه».
 أ- إلزام بعض الناس أنفسهم ما لا يلزمهم به الشارع ومن أمثله ذلك:
- ما روته عَائِشَة رضي اللّه عنها، قالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرأةٌ مِنْ بَنِي أسِدٍ فدَخَل عَليَّ رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم فقالَ: «مَنْ هَذِهِ؟»، قُلتُ: فُلانة لاَ تَنَامُ باللَّيْل فذُكِرَ مِنْ صَلاتِهَا، فقالَ: «مَهْ عَليْكُمْ مَا تُطِيقونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإنَّ اللّهَ لاَ يَمَلُُ حَتَّى تَمَلُوا».
- وعَنْ أنَس بْن مَاِلكٍ - رضي اللّه عنه - قالَ دَخَلَ النَّبيٌ ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ فإذا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْن، فقالَ: «مَا هَذَا الْحَبْلُ؟»، قالوا هَذا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإذا فَتَرتْ تَعَلقتْ، فقالَ النَّبيٌ صلى اللّه عليه وسلم: «لاَ، حُلُوهُ، لِيُصَلِّ أحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فإذَا فتَرَ فلْيَقعُدْ».
ب - تحريمهم على أنفسهم ما أباحه لهم الشارع: أن يغالوا في بعض الأحكام ويحرموا على أنفسهم ما أباحه اللّه لهم من طيبات، ومن أمثلة ذلك:
- عن عَبْد اللّه بْنُ عَمْرِو بْن الْعَاص رضي اللّه عنهما قالَ لِي رَسُولُ اللّه ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ «يَا عَبْدَ اللّه ألمْ أخبَرْ أنَكَ تَصوُمُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ»، فقُلْتُ: بَلى يَا رَسُولَ اللّه، قالَ: «فلاَ تَفْعَلْ، صُمْ وَأفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فإنَّ لِجَسَدِكَ عَليْكَ حَقَّا، وَإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقَّا، وَإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقَّا، وَإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقَّا، وَإنَّ يحَسْبكَ أنْ تَصُوم كُلَّ شَهْرٍ ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن ذلك صيام الدهر كله»، فشددت، فشددت عَليَّ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أجدُ قُوَّةً، قالَ: «فَصُمْ صِيَامَ نبِيَّ اللَّه دَاوُدَ عَليْهِ السَّلامُ وَلا تَزِدْ عَليْهِ قُلْتُ وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللّه دَاوُدَ عَلىْهِ السَّلاُم قالَ نِصْفَ الدَّهْر، فكَانَ عَبْدُ اللّهِ يقُولُ بَعْدَ مَا كَبرَ يَا ليْتَنِي قَبلْتُ رُخْصَة النَّبيِّ صلى الله وسلم.
الاشتغال بالمهم مع ترك الأهم، أو بالفروع وترك الأصول.
يقول ابن تيمية: ولا يجوز التفرق بذلك بين الأمة، ولا أن يعطى المستحب فوق حقه، فإنه قد يكون من أتى بغير ذلك المستحب من أمور أخرى واجبة أو مستحبة أفضل بكثير، ولا يجوز أن تجعل المستحبات بمنزله الواجبات بحيث يتمنع الرجل من تركها، ويرى أنه قد خرج من دينه أو عصى الله ورسوله، بل يكون ترك المستحبات لمعارض راجح أفضل من فعلها، بل الواجبات كذلك، ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظم في الدين من بعض المستحبات، فلو تركها المرء لائتلاف القلوب كان ذلك حسنا وذلك أفضل إذا كان مصلحة ائتلاف القلوب من دون مصلحة ذلك المستحب
·وقد بين الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ ذلك بقوله لعائشة رضى الله عنها: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية (أو قال بكفر) لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر»، وفي رواية: «لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين باباً شرقيا وبابا غربيا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة».
الجهل بقدر الاختلاف وبوجوب الأئتلاف:
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن جابر ــ رضى الله عنه ــ قال: قال رسول الله ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ لما نزلت الآية 65 من سورة الأنعام: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم}، قال رسول الله ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ «أعوذ بوجهك، أو من تحت أرجلك»، قال: أعوذ بوجهك، أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض، قال رسول الله ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ «هذا أهون أو هذا أيسر».
وورد في كتاب الاعتصام بلفظ: هاتان أهون أو أيسر، أي خصلة الالتباس وخصلة إذاقة بعضهم بأس بعض·
وقد روى الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص قال: سئل رسول الله ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ عن هذه الآية {قل هو القادر} إلى آخرها فقال: «أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد».
وعن سعد ابن أبي وقاص أن رسول الله ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل، فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال صلى الله عليه وسلم: «سألتُ ربِّي ثلاثا فأعطاني اثنْتَين وَمنعني واحدة، سألت رَبِّي ألا يهلك أمَّتي بالسَّنَة فأعْطانيها، وسألتهُ ألا يُهْلكَ أمَّتي بالغَرق فأعْطانِيهِا، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها».
نصوص لا أعتقد أن أحدا من المسلمين يجادل فيها، فالخلاف قدر محتوم والتشيع آفة الأمة، والبأس بين أفرادها وجماعاتها شديد، ولكن أليس من حل لهذه المعضلة؟
نعم هناك حلُّ وألف حل، فما خلق الله داء إلا وخلق له دواء.
ولعل الخلاف والفرقة من أكبر الأدواء، فإذا كان الخلاف في الأمة والتشيع والبأس القائم بينهم من قدر الله فيها، وأننا أينما ذهبنا وارتحلنا ومهما فعلنا وغيرنا فنحن في قدر الله، فلماذا لا نفر من قدر الله المتمثل في الخلاف الى قدر الله الآخر الذي هو التقليل منه أو محوه، أو التراحم أثناءه أو بعده على الأقل؟
ولكن بالجهل بمثل هذه النصوص الذهبية ماذا يحصل بين أفراد الأمة؟
ومن ملامح هذا الجهل ما قد يحصل من تعصب للطائفة في الحق والباطل:
ويتعلق الأمر بتقديس ما تقوله الطائفة كيفما كان هذا الأمر، سواء تعلق بأمور فقهية أو عقدية، تجعله يغالي في اتخاذ موقف من بعض الناس المخالفين له في الرأى أو الموقف، مما قد يدفعه في بعض الأحيان الى الاشتغال بأخطائهم وظلمهم وقدحهم وتبديعهم وتفسيقهم، ولربما الى استحلال دمهم لمخالفتهم له، وهذا من الجهل بالاختلاف المشروع وقبول الرأي الآخر الذي جاءت به آداب الشريعة ونصوصها
·ويحكي لنا ابن العربي قصة وقعت بحضوره وفي زمانه بسبب التكبير عند الركوع وعند الرفع منه فقال: ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس منه، وهذا مذهب مالك والشافعي، وتفعله الشيعة، فحضر عندي يوماً بمحرس ابن الشواء بالثغر موضوع تدريسي عند صلاة الظهر ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم الى الصف الأول وأنا في مؤخره قاعدة على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعه في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر وقائده مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة ويتطلع إلى مراكب تحت الميناء، فما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه، قال أبو ثمنة وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به في البحر، فلا يراكم أحد، فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت: سبحان الـلّه، هذا الطرطوسي فقيه الوقت، فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبي ــ صلى اللّه عليه وسلم ــ يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه، وجعلت أسكنهم وأسكتهم، حتى فرغ من صلاته، وقمت معه الى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي، فأنكره وسألني فأعلمته فضحك، وقال: ومن أين لي أن أقتل على سنة؟ فقلت له: ولا يحل لك هذا فإنّك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك، وربما ذهب دمك، فقال: دع هذا الكلام وخذ في غيره.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018