الغلو في الدّين وأثره السّلبي على حياة الفرد المسلم

تناولنا في حلقة سابقة مفهوم مصطلح الغلو والأسباب الموقعة فيه، والمتمثلة في ضيق أفق التفكير الديني وسوء التأويل وقلة الفقه بالتنزيل وضعف الفهم لفقه التغيير، وفي هذه الحلقة نستكمل الأسباب الأخرى الموقعة في الغلو ومنها العدول عن الرخصة وعدم الأخذ بالمباحثات والاشتغال بالمهم مع ترك الأهم،والأخذ بالفروع وترك الأصول·ليحصل التغيير المطلوب لابد من أن تتوافر في المغيِّر شروط وآداب وهي:

إذا كان تغيير المنكر عبادة يتقرب بها إلى اللّه فإنه يشترك مع بقية العبادات في بعض الفرائض
·- أن يكون القائم بالتغيير مكلفاً، وأساس التكليف العقل والبلوغ
·- أن يكون مسلماً·
- ولا يشترط مع الإسلام العدالة، فكل مسلم يجب عليه تغيير المنكر على الوجه الذي هو أهلٌ له وليس بلازم أن يكون غير مرتكب للمنكرات، قال مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر قال مالك: وصدق : من ذا الذي ليس فيه شيء.
والأصل الاشتغال بتغيير منكر النفس قبل تغييره عند الآخر، فيروى عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: يا بن عباس: إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل، قال: وما هي؟ قال: في الآية 44 من سورة البقرة: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم}، أحكمت هذه ؟قال: لا، قال: فالحرف الثاني؟ قال: تعالى في سورة الصف الآيتين 2-3: {لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث، قال: قول العبد الصالح شعيب عليه السلام: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} (هود 88)، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فأبدأ بنفسك.
ومثل هذا أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «يجَاءُ بالرَّجُل يَوْمَ القِيَامَةِ فيُلْقى في النَّار، فَيِدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ برَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أهْلُ النَّارِ عَليْهِ، فيَقُولونَ أيْ فُلاَنُ، مَا شَأنُكَ ألَيْسَ كُنْتَ تَأمُرُنَا بالْمَعْرُوفِ وتَنْهَى عَن المُنْكَرِ قالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بالْمعْرُوفِ وَلا آتِيهِ، وَأنْهَاكُمْ عَن الْمُنْكَرِ وِآتِيهِ».
إذ إن المسلمين اليوم يعيشون عصر المؤسسات وعصر التخصصات، فلا يعقل أن نستعين إلا بكهربائي لإصلاح عطل كهربائي، وإلى ميكانيكي لإصلاح عطب ميكانيكي، وفي المجال الديني والدعوي والإصلاحي يقوم كل من هب ودب للدعوة والتغيير، فلابد - وأمة الإسلام اليوم تعيش عصر المؤسسات وعصر الشورى والحرية - أن تستعين بذوي التخصص والخبرة والكفاءة للقيام بما يلزم، إذ كم من عمل قام به غير أهله كان وبالاً على صاحبه قبل غيره، كما أنه أدى إلى إذية ذلك لغيره.
ومنهج التخصص هذا وضعه رب العزة لعباده مستنبطا من قوله سبحانه: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} (التوبة -122).
وطبقه على أرض الواقع رسول البشرية ــ صلى الله عليه وسلم ــ وبينَّه ووجه إليه، حيث قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشهد في أمر اللّه عمر وأشهدهم حياء عثمان وأفضلهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل قوم أمين وأمين أمتي أبو عبيدة».
 ومن جميل الكلام في هذا قول إمامنا مالك يرحمه الله لما قيل له في العلم واختياره له: إنّ الـلّه قسّم الأعمال كما قسّم الأرزاق، رب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد، ونشر العلم من أفضل الأعمال، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه من دون ما أنت فيه، وأرجوا أن يكون كلانا على خير وبر.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17754

العدد 17754

الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018