عمـر بــن الخطاب والقيـم النّقـدية

 كان عمر بن الخطاب، يحب الشعر ويتمنى لو كان شاعرًا، ويقال إن متمم بن نويرة أنشد عمر بعض شعره في رثاء أخيه مالك فأعجب به، وقال: يا متمم، لو كنت أقول الشعر، لسرني أن أقول في أخي زيد ابن الخطاب (وكان قد استشهد في موقعة اليمامة) مثل ما قلت في أخيك. قال متمم: يا أمير المؤمنين، لو قتل أخي قتلة أخيك ما رثيته بشعر أبدًا، فقال عمر: «يا متمم، ما عزاني أحد في أخي بأحسن مما عزيتني به».

ومن أقوال عمر المأثورة: تعلموا العربية، فإنها تثبت القلوب، وتزيد في المروءة، وارووا الأشعار، فإنها تدل على الأخلاق، وخير صناعات العرب أبيات يقدمها الرجل بين يديْ صاحبه، يستميل بها الكريم ويستعطف بها اللئيم.
وكان يتمتع بذائقة فنية عالية، وبصيرة نقدية نافذة في تقييمه للشعر والشعراء، وتأتي أحكامه النقدية الصائبة بعد محاورات مع الآخرين؛ لقد كانت أحكامه مؤسسة معللة، أي لها أسانيدها التي تؤيدها، فهو يحاور جماعة من بني غطفان، ويقدم بضعة نماذج متنوعة من شعر النابغة، تنتهي به إلى الحكم بأن النابغة هو أشعر غطفان.
وكان يقول عن زهير بن أبي سلمى: إنه شاعر الشعراء وعلل هذا الحكم: بأن زهيرًا كان لا يعاظل في الكلام، وكان لا يتبع حوشي الشعر، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه.
وهذه المسوغات تخلد شعر زهير، فلا يفنى ككثير من شعر غيره. نقل الأصمعي أن عمر قال لبعض ولد هرم بن سنان: أنشدْني بعض مدح زهير أياك، فأنشده، فقال عمر: إن كان ليحسن لكم القول، قال: ونحن والله كنا نحسن له العطاء، قال عمر: قد ذهب ما أعطيتموه، وبقي ما أعطاكم.
ومعروف أن الحطيئة، كان شاعرًا هجّاء، ويروى أنه جاور الزبرقان بن بدر، فلم يجد منه ما كان يتمناه من كرم، وحسن جوار، فهجاه بقصيدة جاء فيها البيت التالي:
دع المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها
واقعدْ فإنك أنت الطاعم الكاسي
فثار الزبرقان، وانطلق يشكوه للخليفة، ويستعديه عليه، فقال عمر: ما أسمع هجاء، ولكنها معاتبة، فقال الزبرقان: والله يا أمير المؤمنين ما هجيتُ ببيت قط أشد علي منه. سلْ حسان بن ثابت، فسأله عمر فأيد دعوى الزبرقان، فأمر عمر بحبس الحطيئة.
وأمام هذا البيت نبدي الملاحظات الآتية:
1 ـ في البيت هجاء مرّ للزبرقان جاء بأسلوب ساخر، فقد جعل أقصى غايات الزبرقان في حياته أن يأكل ويشرب ويكتسي، فلا حاجة لمثله في تحصيل مكارم الأخلاق، كأصحاب الهمة، وسمو المقاصد من رجالات العرب. وفي البيت أمران ونهي غرضها البلاغي التهكم والسخرية.
2 ـ ما كان هذا المفهوم يخفى على عمر، ولكنه لجأ إلى ما يسمى بتجاهل العارف حرصًا على التقريب بين المسلمين، وتحقيق مشاعر الحب والمودة في نفوسهم.
3 ـ في الواقعة ما يرشدنا كذلك إلى أن نقصد أصحاب التخصص في تقييم المواقف، والحكم على الموضوعات، والفصل في الخصومات، وخصوصًا ما اتصل بالعلم والإبداع، ففي خصومة الزبرقان والحطيئة انتُدب للفصل فيها حسان بن ثابت، وهو أشعر شعراء عصره.
إنها وقائع ودروس، ما أشد حاجتنا إلى أن نأخذ أنفسنا، وأقلامنا بها، في زمن كثرت فيه فقاقيع النقد، والمتشاعرون، وأدعياء الأدب.
 وتصدّر لنقد الشعر بالذات، من لا يملكون آليات النقد الحصيف، وإن ملكوا آليات الهدم، أو آليات المجاملة والنفاق.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018