الشّباب الثّروة النّفسية وروح الأمة المتوثّبة

الإسلام يهدف إلى بناء المجتمع على أسس متماسكة سليمة من كل الآفات المحطّمة لقدراته، ويعتني بكل شرائح ونسيج تشكيله، ومن ذلك الشّباب الثّروة النّفسية والقوة الضّاربة في عمق بقاء المجتمع واستمراره، فهو أي الإسلام يعمل على تربيته ورعايته على الفضيلة، ومعاني القوّة وروح القوّة وقوّة الروح، باعتباره الكنز الذي لا ينفذ والرّوح المتوثّبة، والدم المتدفّق في قلبها النّابض الذي على سواعده تبنى البلاد وعلى أفكاره تشيّد الحضارات، وبطموحه تنتزع الحرية، وبروحه يعلى شأن الأمة، فهم الرجال الخلّص الكمّل الذين عناهم الله في كتابه {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (سورة الأحزاب).
والشباب على مرّ التاريخ كان هو المعوّل عليه في كل شيء، وفي مجالات الحياة كلّها سياسية أو اجتماعية أو دينية أو عسكرية، لذلك أعطى الإسلام قيمة رفيعة في غاية الأهمية للشّباب، وكان هو الرّائد والمحرّك لسيرورة التّاريخ الإسلامي من لدن آدم ونوح إلى محمد رسول الله ــ صلّى اللّـه عليه وسلّم ــ وأصحابه عليهم الرّضوان من بعده، فتقلّد الشّباب مناصب حسّاسة غيّرت مجرى التّاريخ، وحوّلت الأفكار والتصورات إلى واقع عملي معيش، فالذين خلّدوا أسماءهم في التّاريخ البشري عموما والإسلام خصوصا كانوا شبابا في عمر الزّهور.
فهذا أبو الأنبياء ابراهيم عليه السّلام، الذي فتح قلبه على الإيمان كان شابّا حين أوصله عقله ودينه إلى إنكار عبادة النّجوم والأصنام والأوثان والشّمس والقمر، فدلّه فكره وعقله إلى أنّ هذه الأشياء ليست بالآلهة التي تستحق العبادة، وفي الأخير تبرّأ منها وقال لقومه وهو شاب {إنّي بريء ممّا تشركون إنّي وجّهت وجهي للذي فطر السّماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} (سورة الأنعام).
ولمّا عهد إلى الأصنام وكسّرها باعتبارها لا تضر ولا تنفع، قال قومه بعد أن سألوه عن من فعل بها سوءا قالوا: {إنّا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم}.
وكذلك ما كان أصحاب الكهف إلاّ شبابا لمّا صرخوا في وجه الباطل، وأنكروا ما كان عليه قومهم من الكفر والضّلال، فلم تغريهم ملذّات الحياة الدنيا، فوصفهم الله عزّ وجل بقوله: {إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى} (سورة الكهف).
ويوسف عليه السّلام كان شابّا حين تعرّض لتجارب الحياة الشّديدة، وتقلّد المناصب العالية وتعرّض للفتن الطّاغية، فحافظ على نقائه وصفائه، وصاح في وجه طالب الفاحشة: {معاذ الله إنّه ربّي أحسن مثواي} (سورة يوسف).
أما النبي محمد ــ صلّى اللّـه عليه وسلّم ــ فكانت حياته مثلا أعلى في الأخلاق، وفي تحمّل المسؤوليات والاعتماد على النفس للحصول على لقمة العيش حين خرج في التّجارة إلى الشام وهو صغيرا، وعمل راع للغنم على قراريط لأهل مكّة، وتاجرا في مال زوجه خديجة، ولم تسوّل له نفسه الاعتماد على أحد حتى وإن كان أقرب النّاس إليه. وهذا هو الطّريق والمنهج الذي يصنع قادة البلاد وسادة العباد، ومغيّري المناهج والبرامج، وهذا ما أكّد عليه في توجيهاته حيث اعتبر أنّ «اليد العليا خير من اليد السّفلى»، وحثّ على ضرورة أن يأكل المسلم من عمل يده ولا ينبغي أن يتوسّل الناس أعطوه أو منعوه، والأفضل في ذلك كلّه أن يحمل الشّاب فأسا فيحتطب حطبا فيبيعه، وبذلك يحفظ كرامته وشهامته ويرفع رأسه بين الناس، وكل هذا استعدادا لتحمّل المسؤولية على أكمل وجه.
ولقد تبيّن كل هذا وظهر جليّا من خلال خطّته صلى الله عليه وسلم في إعطاء المشعل للشباب، حيث ركّز على تربية أصحابه وإرشادهم إلى معاني الرّجولة الكاملة المحصّنة بالأخلاق العالية، فكان يقول لابن عمّه عبد الله بن عبّاس: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف على الله في الرّخاء يعرفك في الشدّة».
فكان عبد الله من أعلم علماء الصّحابة وهو شاب في مقتبل العمر، وتحمّل قيادة الفتوى وتعليم النّاس، والفصل في القضايا الكبرى التي تهمّ الأمة وتحقّق لها المصلحة العامة.
كذلك ومن خطّته صلى الله عليه وسلم في الاهتمام بالشباب، فقد أوكل قيادة الجيش لزيد بن ثابت وهو شاب في العشرين من عمره في غزوة تبوك، وأعطاها لجعفر في مؤته وهو في الثالثة والثلاثين، وأعطاها لأسامة بن زيد وهو في السابعة عشر من عمره.
وهكذا فلقد اهتم الإسلام بالشباب وأعطاه المكانة الكبيرة باعتباره القوة الأولى في المجتمع التي يعوّل عليها في البناء والتّشييد وتحمّل أعباء المسؤوليات.
والواجب علينا في هذا الزّمان أن نستفيد من هذه الثّروة الخام، بفتح مجال العمل والإبداع، وتقلّد المناصب في القيادة والتّوصية لهذه الشريحة إنقاذا لها من الضّياع والموت المحقّق في آفات الزّمان.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17626

العدد 17626

الأحد 22 أفريل 2018
العدد 17625

العدد 17625

السبت 21 أفريل 2018
العدد 17624

العدد 17624

الجمعة 20 أفريل 2018
العدد 17623

العدد 17623

الأربعاء 18 أفريل 2018