خدمة النّاس وحسن معاملتهم واجب مقدّس

يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا ابن آدم جعت ولم تطعمني قال: كيف أطعمك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمت أنّ عبدي فلان جاع فما أطعمته، أما أنّك لو أطعمته وجدت ذلك عندي، يا ابن آدم ظمئت فلم تسقني قال: كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمت أنّ عبدي فلان ضمئ فما أسقيته، أما علمت لو أسقيته وجدت ذلك عندي. يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمت أنّ عبدي فلان مرض فما عدته أما إنك لو عدته لوجدتني عنده».
في هذا الحديث القدسي دعوة إلى ضرورة الإحسان إلى النّاس وتقديم يد المساعدة إليهم، وإعانتهم والاهتمام بأحوالهم وتتبّع أخبارهم وتحسّسها من أجل إدخال السرور عليهم، خاصة في وقت الشدة والأزمات والمصائب، لأنّ ذلك مدعاة إلى الأجر العظيم عند الله تعالى، ولقد ثبت في الصّحيح الدّعوة إلى فعل الخير ونشره، ولا يحقر المسلم منه شيئا فقال عليه الصّلاة والسّلام: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا»، وأن الله سبحانه جعل في كل كبد رطبة صدقة».
ولا يدري الإنسان من أي باب يدخل الجنة، ولا من أين يكون السبب في ذلك حتى وإن شعر باليأس منها والمغفرة نظرا لإسرافه في المعاصي والمنكرات، فقد يغفر الله له ذنبه بتصرف قد يحتقره هو نفسه، أو خير قدمه لغيره فبه يقبل ويقرّب، ولقد دخلت بغيا الجنّة بسبب كلب سقته، وأنقذته من الموت بسبب العطش.
كما أنّ هذا الحديث فيه دعوة إلى الإيثار وروح التّضامن، واقتسام ما زاد على الإنسان مع المحروم، وذلك في الأشياء التي تبقي عليه، والتي تعتبر من ضروريات الحياة وهي أمور لا تكلّف كثيرا ولكن أثرها في النفس كبير، ولقد صحّ في الحديث الدعوة إلى مشاركة المحرومين في الفضل الذي عند الإنسان، وهذا من خلق الايثار فقال صلى الله عليه وسلم: «من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان له فضل ظهر فليعد على من لا ظهر له».
ولقد تجسّد هذا الخلق العظيم في حياة الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ وبالضبط في زمان الهجرة والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فكان الأنصاري يقول لأخيه المهاجري: لي زوجتان فانظر إلى أجملهما وأحبّهما إلى قلبك لأطلّقها، ولي بستانان انظر إلى أفضلهما فهو لك في سبيل الله.
ثم إنّ حسن المعاملة والشّعور بمأساة الآخرين ومشاركتهم الأحزان التي ألمّت بهم يدعو إلى وجوب التحسس عن أخبارهم فيما إذا كانوا جياعا أو عرايا، فإذا علمنا بحاجتهم إلى ذلك قدّمنا لهم يد العون، ويكون الأجر بمثابة الحج إلى بيت الله الحرام.
يروى أنّ ابن المبارك العالم العابد الزاهد مرّ حاجّا بقافلة، فرأى امرأة أخذت غرابا ميتا من مزبلة، فأرسل في أثرها غلامه فسألها فقالت: ما لنا منذ ثلاثة أيام إلاّ ما يلقى بها، فدمعت عيناه وأمر بتوزيع القافلة في القرية، وعاد وترك حجّته تلك السنة، فرأى في منامه قائلا يقول: حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور.
ثم إنّ الإحسان إلى النّاس يكسب قلوبهم التي لا يمكن أن تشترى بالمال وزينة الحياة الدنيا ومتاعها، وفي هذا قول عليه الصّلاة والسّلام: «إنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم».
وفي هذا الباب يحكى أنّ ابن المبارك كان له جار يهودي، وكان ابن المبارك يحسن إليه، فكان يطعمه قبل أولاده يكسوه قبل أبنائه، فقالوا لليهودي: بعنا دارك، قال: بألفي دينار، ألف قيمتها وألف جوار ابن المبارك، فسمع ابن المبارك بذلك، فقال: اللّهم اهده للإسلام فأسلم بإذن الله تعالى.
هذا وإنّ خدمة النّاس وتقديم يد العون إليهم تعد من أحبّ الأعمال إلى الله سبحانه، وهي تقرب إليه لاسيما السرور الذي يدخله على قلب المسلم، وفي هذا القول صلى الله عليه وسلم «وأحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجل، سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا».
فلنسعَ جميعا في خدمة النّاس والسّؤال عنهم، ولنقدّم لهم العون فإنّ هذا هو طريق الفلاح ومفتاح السّعادة الأبدية في الدّنيا والآخرة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018