ازرع الخير في أي أرض حللت فخراجه سيأتيك حتما

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيّ النّاس أحبّ إلى الله؟ قال: «أحبّ النّاس إلى الله أنفعهم للنّاس، وأحبّ الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في المسجد شهراً»  (رواه الطبراني).
إنّ هذا الحديث الشّريف يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أثر الخير وفضله، وأهمية نشره بين الناس حيث اعتبر صلى الله عليه وسلم بأن أحب الناس إلى الله هو الذي يقدم ويقوم بالنفع للناس، وأن أحب الأعمال إلى الله سرور يدخله المسلم على أخيه أو إخوانه فيقضي عنهم حوائجهم، ويكشف به عنهم ما هم فيه من الكرب والهموم، ويقضي به عنهم الديون التي أغرقتهم، ويطعمهم فيدفع عنهم الجوع ويطرده، ثم بيـّن صلى الله عليه وسلم أنّ قضاء حوائج الإخوة في سبيل الله أفضل من عبادة الاعتكاف في مسجده صلى الله عليه وسلم.
إنّ من أهم صفة المسلم أنه يألف ويؤلف يحب الخير للناس جميعا، فهو يشاركهم في أفراحهم وأقراحهم، وهذه الصفة يكتسبها من المجتمع الذي يعيش فيه، إذ ما يميزه هو التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع، فهم يتعارفون فلا يتناكرون، ويتحابون فلا يتباغضون، ويتعاونون على البرّ والتقوى ولا يتعاونون على الاثم والعدوان.
وفعل الخير أمر الله به في القرآن، وهو شعبة من الشّعب التي تحدّد رسالة المسلم في الحياة، حيث قال سبحانه: {وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون} (سورة الحج).
وقال كذلك: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولاَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (سورة آل عمران).
فشعبة الخير هي عنوان الفلاح والنّجاح، وهو باب لا يفتحه الله سبحانه إلا على من يحب من عباده، ومن فتح عليه كان من الفائزين في الدنيا ومن الناجين في الآخرة.
وطرق الخير عديدة ومتنوّعة، وهي على حسب طاقة الإنسان وإمكانياته المتوفرة لديه، فلا يكلف الله نفسا إلاّ ما أتاها، ولقد عدّ الإسلام أن الابتسامة الصادقة التي تلاقي بها أخاك في الله صدقة وخير قدّمته إليه، حيث أدخلت عليه السرور في قلبه، وصاحب القلب الطيب هو الذي يفيض وجهه باللطافة والحسن والسرور، فيرتاح له الخلق ولربما وجدوا عنده ما لا يوفّره صاحب المال الكثير، ولذلك عدّ النبي صلى الله عليه وسلم أن أحب الأعمال إلى الله السرور والفرحة التي يجدها المسلم تجاهك حتى وإن لم تقدّم له شيئا ماديا.
والناس في الخير يختلفون بما يختلفون في الشر، فمنهم من جعله الله بابا للخير فتاحا، ومنهم من جعله بابا للشر فتاحا، فالأول أعد الله له طوبى في الجنة والثاني أعدّ له ويلا وثبورا في الجحيم عياذا بالله.
وصدق عليه الصّلاة والسّلام حيث قال: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْه».
وقال الشّاعر قديما:
الناس شتى إذا ما أتت ذقتهم
لا يستوون كما لا يستوي الشجر
فذلك شجر له ثمر حلو مذاقته
وذاك لا طعـم لـــه ولا ثمــر
فالخير الملهم له هو الله وحده، والمطلوب ممّن اختاره الله لذلك أن يزرعه في أي أرض حلّ فيها، لأن المسلم كالغيث أينما حل نفع، فخراج ذلك الخير لا يلبث كثيرا أن يأتي صاحبه {فمن عمل مثقال ذرّة خيرا يره} (سورة الزلزلة)، وهذا يتطلّب الصّبر على الأذى وحسد الحاسدين، ذلك أنّ كل ذي نعمة محسود والمتربّصون المثبطون كثر، فيكاد الضعيف أن يتخلى عن ما يؤمن به بسببهم، ولكن المسلم يقتحم باب الخير بعد التوكل على الله وطلب العون منه،وإخلاص العمل لوجهه الكريم من غير انتظار الحمد من أحد أو الشكر منهم {إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا} (سورة الانسان).
فبادروا أيّها الإخوة الأكارم لفعل الخير وابحثوا عمّن يحتاجه وازرعوه في أي أرض حللتم فيها، فإن خراجه حتما سيصل إليكم، لاسيما ونحن على أبواب شهر رمضان المعظّم الذي يكون فيه الأجر مضاعفا، فابحثوا عن الفقراء والمحرومين وأدخلوا السّرور عليهم، فإنّ الله سيفرح بصنيعكم ويجازيكم عليه أفضل الجزاء. وفّقنا الله جميعا إلى ما يحب ويرضى.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018