مـا هـو ســـرّ الانـتــــصارات في شــهـر رمــضـان

حقّا إنّ شهر رمضان هو شهر البطولات والانجازات والانتصارات وهو الشهر الذي أثبت فيه المسلمون جدارتهم وأحقيتهم بقيادة العالم والسيطرة عليه بالحق والعدل والمساواة، والذي ينصف التاريخ يبدو له هذا الأمر جليا من خلال الانتصار في غزوة بدر الكبرى وتفريق الحق عن الباطل واعزاز كلمة الله وجعلها هي العليا وإذلال كلمة الكفر وجعلها هي السفلى وكذلك ما حدث في الفتح الأعظم في السنة الثامنة من الهجرة وما أعقبه من تحولات جسيمة في جميع مجالات الحياة، وكذلك القادسية في السنة الرابعة عشرة من الهجرة وكيف ثبتت أركان الدولة الإسلامية وأدخلت الرعب في قلوب الأعداء وهزّت أركانهم، ونفس المشهد يكاد أن يتكرر في معركة الزّلاّقه بالأندلس سنة ٤٧٩ هـ حيث توسعت رقعة البلاد الإسلامية وكذلك عين جالوت التي أرجعت الحق المغتصب وكان ذلك في العشر الأواخر من الشهر الفضيل سنة ٦٥٨ هـ فكل هذه الحروب والانتصارات إنما تمّ إنجازها في شهر رمضان المبارك، وأمام هذه الانتصارات العظيمة التي تعد أسطورة وضربا من الخيال يحق لنا أن نتساءل عن سرّ هذه الانتصارات فكيف استطاع المسلمون أن يحققوا ذلك مع صعوبة الطبيعة وضعف الامكانيات وانعدامها أحيانا؟
إنّ الأسباب التي أدّت إلى انتصار المسلمين في هذه المرحلة:
١ - الاعتصام بالتقوى: حيث جعلها الله غاية مشرقة مشعة تنير للصائمين طريقهم وتضيء لهم سبيلهم فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتقون} (البقرة)، فهي ميدان التنافس وهي سر من أسرار الانتصار، فحينما تحققت في قلوب الناس في القرون الأولى
استطاعوا أن ينتصروا على أكبر القوى الموجودة في ذلك الزمان.
٢ - التمسك بالقرآن: وهذا لا يخفى على كل مسلم ما هي العلاقة بين القرآن وشهر رمضان، فهي علاقة إيمانية وثيقة، فشهر رمضان هو الوعاء الزمني للقرآن حيث أنزله الله فيه فقال: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة)، ولقد اهتم السلف الصالح بالقرآن في شهر رمضان فكان هو المغذي لهم والصانع لانتصاراتهم وكانت وصيّتهم في المعارك «يا أصحاب البقرة بطل السحر اليوم».
وقال الصحابة يوما لسالم موسى أبي حذيفة وهو من القراء أتخشى أن تؤتى من قبلك فقال: «بئس حامل القرآن أنا إذًا». وكان أبو حذيفة يقول: «يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالأفعال». فكان القرآن والإيمان به عامل أساسي من عوامل النصر وسر عظيم من أسراره.
٣ - خلق الصبر: وهو الذي يسمّى به هذا الشهر الكريم فهو شهر الصبر، وذلك أنّ منع النفس عن ملذّاتها، وكفها عن شهواتها وحبسها عن مألوفاتها، يحتاج إلى الصبر، وأيّ صبر!. ولا يحصل عليه الإنسان إلا في مدرسة الصبر الكبيرة التي تخرّج منها الصابرون العظام حيث كان لهم العدّة والزاد القوي لتحقيق النصر. وهو الذي كان يطلبه المقاتلون أثناء المعارك ويسألونه الله سبحانه {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (البقرة).
وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وأنّ النصر مع الصّبر وأن الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسرا». وقال عمر رضي الله عنه لأشياخ من بني عباس: بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر لم نلق قوما إلاّ صبرنا لهم كما صبروا لنا.
فالصبر سبب من أسباب النصر بكل أنواعه المعروفة.
٤ - منّة الدعاء: والدعاء عامل أساسي من عوامل النصر ولذلك فإن وساطة عقد الصيّام في سورة البقرة هي آية الدعاء: قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} والدعاء في رمضان له أهمية ومنزلة عظيمة وهو السرّ الخفي في النصر لهذا كان صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر الكبرى يكثر منه حتى يسقط رداءه عن منكبيه حتى جاءه النصر بالبشرى أنّ الله معه وأنّ الملائكة ستقاتل معه فلا يحزن: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مسومين} (الأنفال)
وبهذا الدعاء كان كثيرا ما ينتصر صلى الله عليه وسلم به.
فإذا أردنا النصر القريب من الله تعالى فما علينا إلاّ الالتزام بشروطه وأسراره التي حققها ذلك الجيل الأول محقق الله النصر على أيديهم واستطاعوا أن يحققوا لأنفسهم العزة والكرامة وقيادة العالم.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018