الإنسان بين التراخي والكسل وأسباب الفتور ومظاهره وعلاجه

إن الإنسان يتعرض بين الفينة والأخرى إلى التراخي والكسل في أداء مهامه، وعبادته خاصة بعد المجاهدة والاجتهاد، ومغالبة النفس والشيطان، ويبدأ الإنسان يشعر بالخوار والضعف والانكسار فيهمل محافظته على الواجبات ويتهاون في الصلوات وآداء العبادات من ذكر وقراءة القرآن، والصدقة وصلة الأرحام، والالتزام بالأخلاق الفاضلة، ويظهر هذا الأمر مباشرة بعد الانتهاء من صيام شهر رمضان المعظم. حيث يبدأ الفتور يصيبنا بعد نشاط وحيوية عهدناها من أنفسنا طيلة شهر كامل ولهذا الفتور مظاهر على سلوكنا يمكننا إدراكها من خلال:
١ - التكاسل في الصلاة: حيث يشعر أحدنا بالضعف والعجز والثقل أثناء آدائها حتى يتهم نفسه بالنفاق لأن الله سبحانه وصف المنافقين فقال: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى}  ... وقال: {ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم كسالى} التوبة.
ويتعدى الأمر في الفتور إلى ترك النوافل، وظهور القلق بين الآذان والإقامة، واتهام الإمام بالتطويل في القراءة وكلها حجج واهية شيطانية للتخلي عن الصلاة بالكلية.
٢ - الشعور بقسوة القلب وخشونته: وهذا مظهر آخر من مظاهر الفتور حيث لم يعد للقرآن ذلك التأثير الذي عرفناه في رمضان ولم تنفع معنا المواعظ والدروس ولم تؤثر فينا بل زدنا عليها الذنوب والمعاصي فأصبحت القلوب قاسية كالحجارة أو أشد.
٣ - إلف الوقوع في المعاصي والذنوب: وقد يصرّ على بعضها ويجاهر بها فلا يشعر بخطورة ما يفعل حيث كان في رمضان يحرص على ترك الحلال والمباح وإذا ارتكب معصية صغيرة يبكي على نفسه وشعر بالإحباط وكأن قيامته قامت لكن بعد رمضان أصبح يعتبر أن الصغائر لا تضر بل يجاهر بها ولا حرج عنده والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كل أمتي معافى إلاّ المجاهرين»
وهذا ما هو واضح وجلي حيث النساء خلعن ملابسهن ووضعن المساحيق على وجوههن وكأن الله عز وجل أباح لهم ذلك في شوال وحرّمه عليهن في رمضان وما ذلك إلا دليلا على قساوة القلب وإلف المعاصي وسوء الخاتمة.
وفي الحقيقة أنّ هذا الفتور الذي يأتي بعد المجاهدة والاجتهاد مرده إلى أسباب عدة يمكننا حصر بعض منها في النقاط التالية:
١ - الغلو والتشدّد وفساد الابتداء:
- وذلك أنّ النية هي مقدمة بالأشياء وأنه الله تعالى يعطي للعبد على حسب نيته فإنه «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وصحة العمل وفساده إنما تكون منذ انطلاقته الأولى وكما قال بعضهم إنما تتولد الدعاوى من فساد الابتداء فمن صحت بدايته صحت نهايته ومن فسدت نهايته ولربما هلك هذا وإنّ الانهماك في الطاعات والتشدد مع النفس وحرمان البدن حقه من الراحة والطيبات، وحملها على العزائم ورفض الرخص دوما من شأنه أن يؤدي إلى السأم والملل وبالتالي إلى الانقطاع والترك أو سلوك طريق آخر عكس الطريق التي كان عليها.
ولاجل هذا حذّر الإسلام من التشدد والغلو والتطرف ودعا إلى الوسطية والاعتدال، فعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إيّاكم والغلو في الدين، فإنّما هلك الذين من كان قبلكم بالغلو في الدين» رواه أحمد.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون قالها ثلاثا» رواه مسلم.
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإنّ قوما شددوا على أنفسهم شدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم».
٢ - مفارقة الجماعة، وإيثار حياة العزلة والتفرد:
- وهذا أمره خطير على النفس ذلك أن الطريق طويل كثير العقبات ولا يثبت فيه الإنسان إلاّ إذا سار مع إخوانه فإنّ ذلك يعطيه قوة الارادة وعلو الهمة وصدق العزيمة أمّا إذا فارق الجماعة والتزم رفاق السوء فإنه يفقد النشاط والارادة وبالتالي يمل ويكره وينقطع عن العمل في النهاية.
وهنا يكمن السّر في حرص الاسلام على الجماعة والدعوة إلى الاستمساك بالأخوة والروح الجماعية فقال تعالى وهو يحث على هذا الأمر {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} آل عمران، {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}.
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة».عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ» مع الواحد
وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».
٣ - التقصير في عمل اليوم والليلة :
- ذلك أن المسلم يحب أن يكون على صلة دائمة بالله تعالى وأن يحافظ على أوراده وأعماله المعتادة فلا ينام عن الصلاة المكتوبة بسبب السهر الذي لا مبرر له بعد العشاء، وأن لا يهمل النوافل الراتبة ويترك قيام الليل وصلاة الضحى وتلاوة القرآن أو التخلف عن الذهاب إلى المسجد أو عدم حضور صلاة الجماعة فإنّ كل هذا يؤدي إلى الفتور والكسل والخمول.
فهذه هي الأسباب الداعية للفتور وبعضا من مظاهره يقرر لنا أن نتكلم عن العلاج لهذه الآفة الخطيرة وهو ما يكون عنوان موضوعنا في المرة القادمة وفقنا الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه ويثبتنا على صراطه المستقيم.
يتبع..

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018