في زمن كثرت فيه الفتن وشاع الفساد

فقه إنّ الله يحب التوّابين ويحب المتطهّرين

في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن وشاع فيه الفساد، فإنّه لا مناص للانسان أن يتدحرج بين معصية وأخرى في كثير من الأحيان، والأصل في هذا أنه لا عصمة لأحد من الناس إلاّ للأنبياء والمرسلين، فكلنا نخطئ وكلنا نذنب والمعصوم من عصمه الله تعالى، لكن علينا أن نفقه أنّ العيب ليس في أن نخطئ ونذنب، وإنّما العيب في عدم التوبة والاستغفار والرجوع إلى الصواب وجادة الطريق، حين التأكد من أننا لسنا على صواب ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “كل بن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون”، وقال عليه الصلاة والسّلام: “لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون يغفر لهم”.
وما هذا إلا من رحمته سبحانه بعباده لأنه يحب عباده التوابين ويحب عباده المتطهرين، كما قال في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة: ٢٢٢).
وهنا يتضح لنا أنّ الله لم يقل التائبين وإنّما قال التوّابون، بصيغة المبالغة للدلالة على كثرة تكرار التوبة والإنابة إلى الله تعالى، لأنّ التوبة والاستغفار عبادتان جليلتان وعظيمتان تحملان معاني الدعاء والتضرع إلى الله طلبا لمغفرته، وطمعا في جنته وخوفا من عذابه، وهنا يكون حقيقة غاية الخضوع والحب المطلق لله تعالى، كما يدل ذلك على أن وجوب التوبة على العبد فيه منفعة ومصلحة كبيرة له، حيث يفلح في الدنيا ويفوز في الآخرة، ويكون من المصلحين والصالحين وصدق الله العظيم حيث يقول في هذا المنوال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور: ٣١)، وقال أيضا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (التحريم: ٠٨)، وقال سبحانه: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} (هود: ٠٣).
ولأهمية التوبة ودورها في الإصلاح والصلاح نجد أن الله سبحانه أمر نبيه محمد عليه الصلاة والسلام وأن يتقه في كل الأمور فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} (الأحزاب: ٠١).
وكان يأمر صلى الله عليه وسلم بالتوبة والاستغفار كما عند مسلم في صحيحه قال صلى الله عليه وسلم: “يا أيّها النّاس توبوا إلى الله واستغفروه فإنّي أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة”، وفي رواية أخرى عند البخاري قال: “والله إنّي لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة”.
انظر أخي إلى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفقهه للتوبة إلى الله، وكيف هو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكنه يستغفر الله ويتوب إليه بهذا الشكل وبهذا العدد فكيف بنا نحن وقد أسرفنا في المعاصي والذنوب؟
ولقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب التوبة على كل مسلم ومسلمة، وتكون من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، ولقد حدّد الشرع لهذه التوبة شروطا يجب تحققها كاملة، ولهذا فإنه يتعين علينا معرفة وفقه هذه الشروط فما هي يا ترى؟
وهي في الحقيقة على قسمين:
القسم الأول: ما تعلق الذنب بين العبد وربه.
القسم الثاني: وهو ما تعلق بحق الآدمي وأخيه الآدمي.
أما القسم الأول: فيشترط ثلاثة شروط وهي:
١ - الشرط الأول: الاقلاح عن المعصية: وهو أن يتخلى عن المعصية وأن يكف عنها كليا، وإن كان تاركا لواجبا فعليه أن يفعله فورا وإن كان فاعلا لمحرّم فعليه أن يتركه كذلك.
٢ - الشرط الثاني: الندم على فعل المعاصي والشعور بالحزن والأسى كلما تذكر الإنسان ذلك، وتمني عدم الرجوع إليها.
٣ - الشّرط الثالث: العزم على عدم الرجوع إلى ذلك الذنب الذي كان قد ارتكبه ويكون العزم بإرادة قوة القلب على الثبات على الطاعة، وعدم الزج مرة أخرى في وحل المعصية. فهذه الشروط الثلاثة إذا كانت المعصية بين العبد وربه سبحانه وتعالى.
أما إذا كانت المعصية وهي الحالة الثانية بين آدمي وآدمي آخر ففي هذه الحالة فيجب توفر أربعة شروط، الثلاثة الأولى التي ذكرناها سابقا من إقلاع وندم وعزم.
٤ - والشرط الرابع: وهو أن يبرأ التائب من حق صاحبها فإن كان قد أخذ مالا أو نحوه رده إلى صاحبه وإن كانت غيبة استحله منها وإن كان حد قذف مكنه منه أو طلب عفوه، فإن فقد أحد الشروط في تلك الحالتين لم تصح التوبة ولقد زاد بعض العلماء إلى هذه الشروط شروط أخرى تتمثل في الاخلاص، بحيث لا نخاف من سلطان أو أي مخلوق وكذلك الوقت وهو عدم بلوغ الروح الغرغرة، فإن جاء الموت لصاحبه وادّعى التوبة فإنّ الله لا يقبل منه ذلك أبدا كما قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله يقبل توبه العبد ما لم يغرغر”.
وعليه فعلينا بفقه التوبة، ولنعلم أنها توجب محبة الله تعالى وتدفع عذاب الله تعالى، وأنها تبسط الرزق وتكثره وتأتي بالمال والبنين.
وفّقنا الله جميعا إلى التوبة والاستغفار آمين.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018