عبرة للبناء والتقدم

ذكرى الحرية والاستقلال نفحات للفرح والاعتبار

يقول الله تعالى: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ} (إبراهيم: ٧).
نعم إنّ الله في أيام دهره نفحات على المسلم أن يتعرّض لها ويتّعظ بها، ويأخذ منها العبر المقوية له والمثبتة له على طريق الدعوة والبناء والتحضر والتقدم.
ومن هذه الأيّام المشرّفة ذكرى الاستقلال والحرية، فإنّ الحرية والاستقلال نعمة عظيمة من الله تعالى يجب على المسلم أن يعترف بها، ويشكر الله عليه {فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس: ٥٨).
إنّ الفرح بإحياء هذه الذكرى من الاسلام لأنّها يوم الانتصار، إنّها اليوم الذي أعزّ الله فيه جنده المؤمنين وأخزى فيه وأذلّ أعداءه الكافرين، إنّه كيوم بدر وأحد ويوم خيبر حينما فرح النبي صلى الله عليه وسلم بفتحها وازدوجت عنده الفرحة حينما قدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة فقال: “أيّما نفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر وأصحابه”.
إنّ الجزائر الحبيبة تستحق منّا كل الحب والوفاء، كيف لا وهي أمّنا وحاضنتنا وهي ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، هذه الأرض التي أبت إلا أن تكون مسلمة بشعبها وترابها وبرها وجوّها وبحرها بعد أن حاول الاستدمار الفرنسي محو شخصيتها وطمس معالمها ومسخ دينها، لكن الشّعب الجزائري حينها قال:
شعب الجزائري مسلم   وإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله   أو قال مات فقد كذب
يا نشىء أنت رجاؤنا      وبك الصباح قد اقترب
خذ للحياة سلاحها       وخذ الخطوب ولا تهب
رفع راية الجهاد المسلح، وآمن بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلاّ بالقوة كما قال الشّاعر:
ألا إنّ كل أمّة ضائع حقّها سدى   
إذا لم يرده المدفع الضخم
وفقهوا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚيُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ} (التوبة: ١١١).
ولهذا خرجوا وهم طالبين الشّهادة، خرجوا وهم يتمنّون إحدى الحسنين إما النصر وإمّا الشهادة، ولسان حالهم يقول: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} (التوبة : ٥٢)،
وكانوا على يقين أنّ الله سبحانه أعدّ للشّهيد في الآخرة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠).
إنّ هذا الاستقلال لم يأت بالسّهل المنال، ولم يعط هدية لنا وإنما جاء بفضل التضحيات الجسام التي قدّمت في الأنفس والأرواح، حيث استشهد حوالي مليون ونصف من الشهداء وهم في عمر الزهور تركوا الأهل والخلان والأولاد وزينة الحياة الدنيا من أجل أن تبقى الجزائر حرّة مستقلّة.
إنّ الشّعب الكريم كان مؤمنا حق الايمان أنّ النصر من الله تعالى، ولما حقق الشروط مكنه الله وصدق الله إذ يقول: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (الحج: ١- ٢).
وبهذا استطاع أن يجهض كل المشاريع الاستدمارية التي حاولت إغراءه بها فرنسا ومن شايعها، والتي حاولت بكل ما تملك أن تبقى في الجزائر.
وهذا أمر يبعث فينا روح القوة ويقظة الضّمير في هذا الزمان، وأن نلقّن فرنسا وأبناءها وحلفاءها درسا في حب الاسلام وحب الوطن، والعمل على جعل هذا الدين الذي به نصرنا الله مفتاحا وشريعة تتحكم في الأنفس والآفاق، وأن نعتقد أنّ الله إنما أعزّنا به ووحّدنا به {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.
نعم أيّها القراء الأكارم إنّنا نعيش الذكرى والأمل يحذونا أن نكون أوفياء لمن ضحّى بنفسه ونفيسه من أجل أن تحيا الجزائر عربية مسلمة، جزائر تخضع لقانون الله، ويسودها العدل والعلم والعمل، جزائر موحّدة تعمّها المودّة والرحمة والأخوّة والألفة، جزائر يعيش فيها الجميع بالمساواة والعدل دون تمييز أو إقصاء أو تقديم جهة على جهة أو لون على لون أو غني على فقير أو حاكم على محكوم، فالناس كلهم فيها سواسية لا يتفاضلون إلا بالتقوى والعمل الصالح: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (الحجرات: ١٣).
نعم هذا هو الأصل في التفاضل والمحاباة، وإنها جزائر الأمل التي نريدها وننشد، وليس غيرها التي يريد أعداؤها بتكريس رداءة الأمر الواقع بزرع البلبلة بين الصّفوف، وتفتيت الوحدة الوطنية والترابية بإثارة النعرات العرقية والعنصرية البغيضة.
إنّنا شعب مسلم عربي واحد، ترابنا واحد وديننا واحد ومرجعيتنا واحدة ورايتنا واحدة، فلنحافظ جميعا على نسيجنا الواحد الأوحد إلى يوم الدين.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018
العدد17790

العدد17790

الأربعاء 07 نوفمبر 2018