في كتابه المبعدون إلى «كاليدونيا الجديدة »

الدكتـور تاوتي يروي مأسـاة المهجريــن الجزائريـين بعـد ثــورة المقـراني

س.بوعموشة

شهادات من عمق الجرح وتراجيديا هوية منفية

يعد كتاب «المبعدون إلى كاليدونيا الجديدة: مأساة  هوية منفية، نتائج وأبعاد ثورة المقراني والحداد»، لمؤلفه الدكتور الصديق تاوتي شهادة حية عن جريمة فرنسا ضد الجزائريين والتي تضاف إلى قائمة الجرائم الأخرى المرتكبة، وهو مؤلف جدير بالقراءة يروي معاناة المهجرين الجزائريين بعد ثورة المقراني، وكيف تم نقلهم عبر سفن إلى جزيرة كاليدونيا لإستئصالهم عن وطنهم الأم.
يقول تاوتي:» بدأ النفي إلى خارج الجزائر في وقت مبكر وفي أغلب الأحيان كان المتمردون الجزائريون يوضعون في مختلف السجون الفرنسية: تولون، بال إيل، أفنينيون وكالقي، اتبعت القيادة الفرنسية نصائح الخليفة سيدي العريبي:» إذا كنتم تريدون حماية غليزان وقراكم من إعتداء الفليتاس وغيرهم، فكونوا صارمين ..، وانفوا إلى السينغال أو إلى قويانا قبائل الشرفة الست الذين دفعوا الأخريين إلى الثورة، صادروا أراضيهم وأعطوهم لمعمريكم».
في هذا الصدد كتب هنري مسانجر الذي كان يدرس الفرنسية لأحدهم:» لدينا هنا أربعين عربيا بألبستهم الوطنية، أؤكد أنه يوجد رجال أقوياء البنية لا نبدو أمامهم ذوي قامة طويلة، فأنا الذي لدي قامة لا يتعدى طولي كتف عدد كبير منهم، وقد وجدت متعة في دراسة ملابسهم منذ وصولهم، من بينهم أشخاص نبلاء يرتدون ثيابا فخمة ويبدوا أن العرب يكنون لهم إحتراما كبيرا، ولا يريد أي منهم أن يصدق أنهم سينقلون إلى كاليدونيا الجديدة ويدعون أنهم سيموتون قبل الوصول».
ويحتوي الكتاب على صورة وحيدة تظهر المحاكمة المعروفة بمحاكمة القادة الكبار، وذلك بالمحكمة العليا للجنايات بقسنطينة خلال ربيع سنة 1873، بحيث  دامت المحاكمة 56 يوما، نظرا للعدد الكبير الذي احتضنته قاعة المحكمة والذي قدر بنحو 600 شخص على إدارة ومحاكمة عدد هام من المدنيين بتهم كبيرة وثقيلة.. فقد اضطر المسؤولون عن المحاكمة إلى تقسيم الأعمال والبث في القضايا المطروحة إلى ثلاث دورات حددت كما يلي:
الدورة العادية: يوم 10 مارس1873 ، الدورة الاستثنائية الأولى: يوم 31 مارس، الدورة الاستثنائية الثانية: يوم 28 أفريل، و حسب الإحصائيات المدونة في عقد الإدانة فإن الوضعية الإجتماعية للمتهمين ال152 الذين امتثلوا أمام محكمة الجنايات تكون كالتالي: قادة وقادة قدامى (باشاغا، قايد سابق، شيوخ، شيوخ قدامى، أمناء العلماء، ..ألخ): 73 عادل وباش عادل أربعة، عمال مداومون إثنينن، عون شرطة واحد، قهواجي واحد، طالب ثلاثة، ذوو ملكية اثنيين، مزارعون: 32، بدون مهنة: 28، تاجر واحد، خليفة- قايد واحد، صباغ واحد، وكيل زاوية واحد.
أما المجموعات العشر المتهمة فهي: المجموعة الأولى: برج بوعريريج، المجموعة الثانية: بومرزاق المقراني (شكل لوحده مجموعة)، المجموعة الثالثة: الحضنة، المجموعة الرابعة: الريغاس، المجموعة الخامسة: إقليم بجاية، المجموعة السادسة: جيجل، القل، الميلية، ميلة، المجموعة السابعة: أولاد عزيز بمقاطعة أومال، المجموعة الثامنة: تيزي وزو، المجموعة التاسعة: ذراع الميزان، المجموعة العاشرة: إقليم بجاية بالمنطقة الثانية.
ويورد الكتاب مقتطف من خاتمة الخطاب الذي ألقاه قائد ثورة عبد العزيز خلال محاكمته:» إن السجن والفضيحة والنهب والسلب وإضرام الحرائق وكل الضربات الأخرى الموجعة.. لا تثني الناس ولا تؤدي بهم إلى الخضوع والإذعان.. بل تزداد حدتها وتجعل قلوبهم مليئة بالكراهية والعداوة للحكومة... ليس منا من يفرح لموت أخيه أو أبيه أو إبنه، ناهيك عن أولئك الذين أبعدوا عن وطنهم وتركوا قلوب ذويهم تدمي حسرة وتبكي لوعة الفراق، حتى أن الكثير منهم ينتهي بهم الأمر للتسليم بموتهم لطول مدة الفراق... ولا يجدون خيارا في الإهتمام والتفكير في الحضور عن الغياب».
يقول أحد الفرنسيين:»المنفيين هم جماعة من العرب الجزائريين، نقلوا إلينا عبر ميناء كيليرن بخليج برست وكان عددهم 62 شخصا، حيث قامت لجنة طبية بفحصهم ومعاينتهم ولم يقبل منهم سوى أولئك الذين كانت تتوفر فيهم الشروط الصحية الملائمة»، ويضيف:»  على أية حال معظمهم كانوا في مقتبل العمر ذووا هامات طويلة وقوية يشعرون بعزة النفس، التي يتميز بها الشرقيين، لا نقرأ في ملامح وجوههم عبارات الذل أو الإحباط النفسي والبدني مثلما يبدو عادة على ملامح المجرمين المتوحشين، بالنسبة لهم جرائمهم لم تكن سوى جرائم سياسية، ومن أجلها أصبحوا موضع إهتمام».

كل جزائري رفض أداء الخدمة العسكرية أرسل إلى كاليدونيا

أول جزائري من ثوار 1871 توفي في كاليدونيا الجديدة، كان علي بن قالوزة مولود بالتقريب سنة 1821 بذراع الميزان، المهنة: خليفة قايد محكوم عليه يوم 20 ماي 1873 من طرف المحكمة العليا للجنايات بقسنطينة، وصل إلى حصن كيليرن يوم 4 أوت 1874 انطلاقا من وهران، ومرورا بمدينة مارسيليا مقيد ضمن السجل الخاص بالسجن تحت رقم: 2606، نزل بسفينة الكلفادوس يوم 1 سبتمبر 1874، توفي بجزيرة الصنوبر يوم 17 نوفمبر 1875 ودفن بمقبرة توار بلدية باريس ويحمل قبره الرقم 103.
من مجموع مئة  متمرد جزائري كما أطلقت عليهم الإدارة  الإستعمارية وصلوا في نهاية 1874،  وبداية 1875 إلتحق 70 منهم بجزيرة الصنوبر وظل هذا العدد مستقرا إلى أن أضيف له عشرين فارا من ثورة الأوراس سنة  1876 وصلوا على متن النافارين، للأسف لم يكن هؤلاء المنفيون الجزائريون أول المنفيين فهناك حوالي 1800 محكوم عليه في القانون العام و120 جزائري منفي بسبب الثورة.
 وفيما يخص المنقولين كان إبراهيم بن محمد أول عربي يصل في 1864، ثم وصل في 1868، 133 عربيا، ويجب انتظار 1889 حتى ينقل من جديد العرب المحكوم عليهم بالنفي إلى كاليدونيا الجديدة وإلتحق 1560 شمال إفريقي حتى نهاية المواكب في 1897. وللإشارة فإن كل جزائري تسبب في مشكل أو رفض أداء الخدمة العسكرية إعتبر متمردا وأرسل إلى كاليدونيا الجديدة.
تعرض المنفيون للتعذيب وعقوبات بالأعمال الشاقة وفرض عليهم تسمية أسماء أبنائهم بغير العربية، ووصل بهم الأمر للعب الورق برؤوس المساجين، فكان على الخاسر أن يقتل أحد المساجين الذي يعين قبل اللعب، وقد كان تنفيذ الإعدام أكثر حيوانية فكان يحفر لتعيس الحظ حفرة ثم تقاس على مقاسه، وبعد أن يطرح فيها تطلق عليه رصاصة في الجمجمة، حسب مقال لعيساوي جعفر بعنوان: العرب في كاليدونيا الجديدة نشر بجريدة لوموند في 15 نوفمبر 1984.  
وبالرغم من ذلك فلم يتخلو عن ديانتهم،  يؤدون فريضة الصلاة خمس مرات في اليوم ويرفضون شرب الخمر وأكل الخنزير وتعميد أولادهم، وحسب شهادة أبناء المنفيين الذين يفتخرون بأصولهم العربية المسلمة أنهم عانوا حياة قاسية مثل والدهم ولم يذهبوا للمدرسة.



 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18026

العدد 18026

الأحد 18 أوث 2019
العدد 18025

العدد 18025

السبت 17 أوث 2019
العدد 18024

العدد 18024

الجمعة 16 أوث 2019
العدد 18023

العدد 18023

الأربعاء 14 أوث 2019