التفجيرات النووية بصحراء الجزائر.. جريمة تلاحق فرنسا

استعادة الأرشيف أداة قانونية لتحديد العدد الحقيقي للضحايا

سهام بوعموشة

غياب دراسة علمية متخصّصة لحجم الضرر

التفجيرات النووية بالصحراء وعددها 57 بين تفجير وتجربة بين 1960و1966، هي أخطر ما قامت به فرنسا في الجزائر، ما تزال آثارها على سكان مناطق بالجنوب استعملوا حقول تجارب، وخلفت مآس وأمراض سرطانية خطيرة وتشوهات خلقية ما يزال ضحاياها يعانونها، ولم تبذل فرنسا حتى اليوم أي جهد ملموس للتكفل بملف تفجيراتها النووية في الجزائر، وهو جريمة تلاحق فرنسا لحد الساعة، ويطالب الكثير من الحقوقيين والجمعيات فرنسا بتحمل مسؤولياتها في كل مخلفات تلك التفجيرات على الإنسان والأرض والطبيعة..

 كلف التفجير النووي الأول المسمى «اليربوع الأزرق» حوالي مليار و260 مليون فرنك فرنسي تحصلت عليه فرنسا من إسرائيل في إطار الإتفاقية المبرمة بينهما في المجال ، وكان ذلك بتاريخ 13 فيفري 1960، تلاه اليربوع الأبيض في 01 أفريل 1960 ثم اليربوع الأحمر في 27 ديسمبر 1960، وذلك بحسب ترتيب ألوان العلم الفرنسي الثلاثة، لتختتم التفجيرات السطحية النووية بموقع حمودية برقان، المسمى في 25 أفريل 1961 حتى توهم فرنسا الرأي العام الدولي باختيارها اللون الأخضر بأن تفجيرات نووية وسلمية لا تؤثر على الإنسان وبيئته.
 أثبتت نتائج الدراسات والبحوث خطورة الإشعاع الذري على صحة الإنسان والبيئة، وفرنسا رغم إطلاعها على هذه الدراسات والحضر الكامل الذي أقرّته القوى النووية الثلاث، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، الإتحاد السوفياتي روسيا حاليا والمملكة المتحدة سنة 1958، إلا أنها أدخلت الجزائر سكانا وبيئة في نفق مظلم كي تدخل النادي النووي وأصبحت بذلك القوة النووية الرابعة.

احتجاجات الدول الإفريقية وتنديد الأمم المتحدة

أمام احتجاجات الدول الإفريقية وتنديد الأمم المتحدة وضغوطات القوى النووية الثلاث آنذاك، اضطرت فرنسا إلى إيقاف تفجيراتها السطحية الأكثر تلوثا، لتتوجه إلى مواصلة برنامجها النووي بمنطقة إين إكر في إطار تفجيرات باطنية تعتبر أكثر أمنا وأقل تلوثا، ونجهل لحد الآن التفاصيل التقنية لأسلوب دفن النفايات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، نظرا لسياسة التعتيم التي فرضتها الحكومة الفرنسية على هذا الموضوع ونظرا لعدم تطور الوسائل الناجعة لمعالجة تلك النفايات في ذلك الوقت، كما أن فرنسا انسحبت من الجزائر دون ترك الخرائط والمعلومات لكشف أبعاد التلوث الإشعاعي.ويؤكد الأستاذ الدكتور عبد الكاظم العبودي من جامعة وهران، معهد العلوم الطبيعية في دراسته التي نشرت بالمركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، أن أهم التأثيرات الصحية والبيولوحية الخطيرة على الإنسان والكائنات الحية ناتجة من قدرة الأشعة على إحداث أضرار جسيمة تمس البنيات والتركيبة للمادة الحية، تاركة آثارا مدمرة مباشرة وبعيدة المدى على الصحة والوظائف الفيزيولوجية والأيضية للجسم الحي.
 وأوضح العبودي أن الإشعاع يؤثر على خلايا الجسم بطريقة مباشرة وغير مباشرة، حيث يتم تكسير الروابط بين الذرات المكونة لجزيئات مواد الخلية ويجعلها تنقسم انقساما سريعا وغير محكوم، وهذا ما يعرف بالنمو السرطاني، كما يؤثر الإشعاع على الجينات الوراثية، مما يسبب تغيرا في تركيبها، وبالتالي حدوث تشوّهات في الأجّنة، وإصابات للكروموزومات خصوصا لدى الأطفال والأجنة في الأرحام، ومن بين الأمراض الوراثية الملاحظة على ضحايا التعريض الإشعاعي ضمور الأعضاء التناسلية، العقم ومتلازمة غير طبيعية إضافة إلى تشوهات في العظام، أمراض التمثيل الغذائي كنقص الإنجازات وأيضا الولادات المشوهة والإسقاطات وموت الأطفال بعد الولادة أوفي سن الطفولة المبكرة وفقر الدم للحوامل وارتفاع مستوى السكر.

مخاطر مميتة ووراثية للإشعاع

هناك الكثير من المخاطر المميتة والوراثية للإشعاع، لقد تم التأكيد أن تعرض الغدد التناسلية للأشعة السنية تكون نسبة الإصابة 2 % لكل جراي وتسبب مخاطر مستقبلية، كما أن التعريض الإشعاعي المميت داخل الرحم تكون نسبة الإصابة 6 % لكل جراي للجنين، ولاحقا عند مرحلة الحمل كثيرا ما يسبب الإصابة بالسرطان أو الموت ويتوقع أن تصل نسبة الخطر المميت 50 %، ولا يستبعد ذلك حدوث السرطانات مستقبلا عند السنوات العشر الأولى من العمر أو عند البلوغ بالنسبة للناجين من الموت المبكر.  وأضاف أن الدراسات المختلفة والمستندة إلى السجلات الطبية أظهرت أن الإصابة بسرطان الدم وسرطانات الغدة الدرقية في مرحلة الطفولة بين سكان المناطق المتأثرة وتظهر في فترات مبكرة مقارنة مع أنواع السرطانات والأورام الخبيثة الأخرى كسرطانات الجلد، المثانة، الحنجرة، ونخاع العظم وغيرها، كذلك سجلت الملاحظات الطبية أمراض العجز الكبدي أو الكلوي نتيجة للتعرض الإشعاعي أو تسرّب المواد المشعة إلى الجسم والغذاء.
وفي مجال الثروة الحيوانية والنباتية، فإن جملة من الأمراض المميتة الناتجة عن الإشعاع ستؤدي إلى انخفاض الثروة الحيوانية والتنوع الإحيائي واختفاء عدد من الزواحف والطيور المهاجرة والعابرة والمتوطنة، وتتميز الأضرار في الجانب النباتي بتدهور الغطاء النباتي وتدهور الواحات وخاصة أشجار النخيل وانخفاض إنتاج المحاصيل الحقلية وظهور سلالات خضرية ضعيفة الإنتاج والمقاومة تجاه الأمراض النباتية والحشرات والفطريات والكائنات الدقيقة.
أما التربة والبيئة فإن التأثيرات المرافقة للانفجار وما يتبعه من عواصف وحرائق وحرارة وضغط تترتب عن هذه التغيرات المفاجئة في المناخ، تغيرات في حركة الكثبان الرملية في المناطق التي عانت من عوامل التعرية الهوائية بسبب العصف الذري، فالانفجار السطحي لتجارب منطقة رڨان ظل أثرها لعدة سنوات وبقي الموقع مهجورا وانعدم فيه كل مظاهر الحياة وارتفعت به مستويات الإشعاع، مما يجعل الحياة في هذا المكان مستحيلة.
 لقد استخدم الفرنسيون عددا كبيرا من المواطنين الجزائريين كعينات تجريبية لفحص مدى الأضرار الإشعاعية، كما جلبوا إلى منطقة التفجيرات نماذج كثيرة من العينات الحيوانية والنباتية وفرنسا مارست التعتيم عن المعطيات المتعلقة بالانفجار والحشرات والكائنات الدقيقة لدراسة آثار الإشعاع على هذه الكائنات دون اعتبار لقيمة البشر.
وأكد العبودي أن النفايات النووية واحدة من أخطر مشاكل التلوث في عصرنا رغم التحدي التكنولوجي بمحاولة معالجتها، ولازالت الطرق العملية والعلمية المقترحة تتقدم بخطى بطيئة نسبيا بسبب لجوء بعض الدول التخلص من نفاياتها النووية على حساب بلدان أخرى وفي غياب التمويل المناسب وسيادة حسابات الأمان النووي مقابل المنفعة الإقتصادية على حساب المعايير الخلقية، عندما يتعلق الأمر بالبلدان المصنعة والمنتجة للطاقة النووية.

 برونو بريلو: المنطقة  الملوّثة تمتد على طول 150 كلم

كتاب التجارب النووية الفرنسية 1960 - 1996 للكاتب الفرنسي برونو بريلو صادر عن مركز التوثيق والبحوث في السلم والنزاعات هو أحد المراكز الفرنسية المتخصصة في الميدان النووي، كرّس فصوله لدراسة تأثيرات التجارب النووية على البيئة وصحة السكان وإدانة جرائم الإستعمار، هذه الدراسة اعتمدت على وثائق معتبرة، منها تقارير ذات طابع رسمي قد ظلت لوقت طويل موضوعة تحت ختم الطابع السري.
 يؤكد المؤلف في دراسته أن تأثيرات الإشعاعات النووية الناجمة عن التجارب السطحية الأربع الأولى والتي أجريت بموقع رقان بين 1960 و1961 جد خطيرة بسبب حمولة البلوتونيوم في القنبلة من جهة ونوعية الطلقة المستعملة، كما يقدم الكاتب خريطة للمناطق الملوثة، الناجمة عن التجارب النووية والمستخرجة من التقرير السنوي لسنة 1960 لمحافظة الطاقة النووية، بحسب الخريطة فإن المنطقة الملوثة تمتد على طول بحوالي 150 كلم وعرض أقصاه 30 كلم.
في المقابل، أصدر كل من جون ماري كولين وباتريك بوفري، في جويلية 2020 دراسة تحليلية من وجهة نظر معاهدة حظر الأسلحة النووية بعنوان: «نفايات التجارب النووية الفرنسية في الجزائر: تحت الرمال النشاط الإشعاعي»، حيث تناولت مواقع التجارب النووية الفرنسية، منها الباطنية بالحمودية وإين إكر، ورقان، دفن المواد الملوثة في الرمل عمدا، وكذا الحالة البيئية والصّحية بها، وفيما يتعلق بمعاهدة حظر الأسلحة النووية، حيث اقترحت الدراسة مجموعة من التوصيات، وهي تدابير الحوار بين دولتين لتحسين الوضعية الإنسانية، مقاييس النفايات النووية، تدابير حماية الصحة؛ التدابير مع السكان، إعادة تأهيل وحماية البيئة، مؤكدة أنه لا ينبغي أن يدفن الماضي النووي لفرنسا في أعماق الرمال.
ونشير إلى إطلاق المنظمة غير الحكومية ايكان (الحملة الدولية لحظر الأسلحة النووية)، التي تضم حوالي 570 منظمة غير حكومية من 105 دولة نداء من أجل ممارسة ضغوط على فرنسا من أجل استخراج النفايات الناتجة عن التفجيرات النووية التي تمت في الصحراء الجزائرية، خلال الفترة 1960-1966، وذلك من أجل ضمان الأمن والسلامة الصحية للأجيال الحالية والمستقبلية، حيث تزامن نداءها مع اليوم العالمي لمناهضة التجارب النووية الذي أقرته الأمم المتحدة، بتاريخ 29 أوت من كل سنة.
وبالنسبة لقانون مورين Morin الذي سنته فرنسا عام 2010،  ما هو إلا ذر الرماد في الأعين، فهو يدعو لاعتراف فرنسا بضحايا التجارب النووية بمستعمراتها السابقة وتعويضهم مستثنية الجزائريين من التعويض، كما أنها تعترف بـ 16 مرضا ناتجا عن التفجيرات النووية فقط، وقد طالبت المحامية فاطمة الزهراء بن براهم في العديد من المرات بضرورة استعادة أرشيف الفترة الإستعمارية ، لأنها تشكل أداة قانونية تسمح بتحديد العدد الحقيقي لضحايا تلك التفجيرات.

 رخيلة: جريمة ضد الإنسانية مستمرة..

 ويصف المحامي عمار رخيلة في اتصال مع «الشعب ويكاند» التفجيرات النووية من ناحية التكييف القانوني بالجريمة ضد الإنسانية مستمرة، ضحاياها تفاقم الأمراض السرطانية والأوبئة الناجمة عنها، أضرار مستمرة متفاقمة ومتعددة تتصل بالسلامة الجسدية للإنسان والكثير من الناس فقدوا حاسة السمع والبصر، وتشوّهات لأعضاء جسدهم، متأسفا عن أن القانون الدولي تحكمت فيه الدول التي لها حق الإعتراض «الفيتو» والتي كانت دولا نووية، وكل قانون يصدر لتجريم التفجيرات تجمده وقد كانت محاولة في هذا الموضوع في سنوات الستينيات والثمانينيات.
وبحسب رخيلة فإنه لحد الآن هناك استنكار سياسي لكن ليست هناك قرارات أو محاكمات بالمسؤولية الجنائية، قائلا: «فرنسا على مستواها لها ضحايا وتسببت في ضحايا آخرين، طرح المشرّع الفرنسي الملف المتعلق بطلب تكوين ملف الخبرة والخبرة المضادة وعلى أن يتم بفرنسا، مع تقديم ملف طبي يفيد تاريخ الإصابة وأسبابها، فالجزائري يتعذر عليه القيام بالإجراءات والإستفادة من التعويضات».
وبالنسبة للدولة الجزائرية، يرى المحامي وجوب تسليم خرائط الخنادق التي كانت تستعمل في التفجيرات النووية، وفي نفس الوقت تقديم مساعدات تقنية وفنية وعلمية للقضاء على مخلفات التفجيرات، متأسفا لغياب صدى على المستوى الفرنسي ودراسة مفصلة وعلمية متخصّصة لحجم الضرر الذي لحق بالجزائر.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18388

العدد18388

السبت 24 أكتوير 2020
العدد18387

العدد18387

الجمعة 23 أكتوير 2020
العدد18386

العدد18386

الأربعاء 21 أكتوير 2020
العدد18385

العدد18385

الثلاثاء 20 أكتوير 2020