٧ آلاف حالة عنف ضد المرأة والقائمة مفتوحة

صورة نمطية تواجهها حواء رغم التغيرات

فتيحة كلواز

 هي ممارسات يومية تربت عليها أجيال كاملة رسخت في الضمير المجتمعي حقيقة ان المرأة هي آخر حلقة في السلسلة الاجتماعية، فهي اما وسيلة او مساعد من الدرجة الثانية وكل الأدوار المنوطة بها لا ترتقي الى مرتبة الشريك، لأن الذكورية صفة اكتسبتها المرأة عندنا لأنها مقتنعة عند تربية اطفالها ان الذكر منهم يأكل فخذ الدجاج او اهم جزء من الطعام، اما الانثى فما تبقى ان وجد.

لا ينكر أحد المجهودات المبذولة من طرف الدولة لتثمين والرقي بدور المرأة في المجتمع بجعلها عنصرا مهما في الحياة السياسية، الثقافية والاجتماعية، ولا يستطيع أحد تجاوز الإصلاحات القانونية التي أسست لدولة المرأة فيها فاعلة لا مفعول بها، شريكة أساسية في المعادلة الاجتماعية لا تابعة او إمعة فيها، ولكن كل هذه الجهود والإصلاحات لم تغير الكثير في عقلية المجتمع التي تأبى التخلي عن موروثها الشعبي الذي يصور المرأة كـ»شيطانة تتحزّم» بالأفاعي وترقص على العقارب.
هذه الصورة النمطية جعلت الرجل في صراع دائم معها وغالبا ما يكون في حالة تأهب دائم يجعله يتعامل مع هذه «الشيطانة» بعنف لأنه أولا وأخيرا بالنسبة له علاقته بها هي علاقة سيطرة على «شيطنتها» للحفاظ على الاسرة بكل اجزائها خاصة ما تعلق منها بـ«الشرف»؟، فتراه يخلق لنفسه أداة تحكم خاصة بها مادتها الأساسية الخوف الذي يزرعه داخل المرأة منذ طفولتها، فأينما ذهبت تتذكر ان لها أبا، اخا اوقريبا او كلهم معا سينهالون عليها ضربا ان هي تجاوزت الخطوط الحمراء المتفق عليها اجتماعيا وعائليا، وربما الأمر لا يحتاج الى ذلك فمجرد رفضها تحقيق طلب احد هؤلاء لأي سبب كان سيكون عليها مواجهة عنف غير مبرر اتجاهها.
احصائيات الامن خلال التسعة أشهر الأولى من سنة 2018، كانت مسرحا لأكثر من 7 آلاف حالة عنف ضد المرأة، اغلب المتورطين فيها من داخل الأسرة، أي انهم اما اخ، اب، عم او خال او حتى أم ما يعني ان المرأة ما زالت بالنسبة لهؤلاء ملكية مُشاعة بينهم ولا يمكنها فعل شيء دون المرور على مجلس الاسرة لإعطائها الموافقة، لذلك تجد الكثيرات منهن انفسهن تحت رحمة الشارع لأنها خرجت بعد انسداد كل الأبواب في وجهها هاربة من عائلة كان من المفروض الحامي الأول لها، فتكون ضحية اول كذبة تسمعها من رجل تصنّع الحنان والحب اللذان طالما انتظرتهما من اقرب الناس لها.
اعرف فتاة هربت من البيت بسبب والدها الذي كان يضع قدمها على وجهها واصفا إياها بـ «البايرة» لأن زوجته الرابعة في نفس سنها فكانت تلك المقارنة بينها وبين زوجة ابيها سببا في خروجها من البيت ذات يوم دون علم أحد، اتجهت الى اخوالها الذين رفضوا حمايتها، فما كان منها سوى السفر الى والدتها التي كانت تعبرها عبئا عليها بعد زواجها من رجل آخر، وبين أمواج الحياة وجدت تلك الفتاة نفسها في احد المراكز بوسم الأم العازبة بعدما اصطادتها ذئاب الشارع التي لم ولن ترحم امثالها، والادهى والامر ان والدها تبرأ منها وأمها هدّدت بالطلاق ان هي كلمتها أما إخوتها فيتحينون الفرصة لغسل شرفهم من العار، المضحك في الامر ان الجميع يصفها بالبذرة الفاسدة وانها جنت على العائلة العيش بلا احترام في المجتمع.
اما ذاك الأخ الذي باع اخته لصاحب ملهى فلا لوم عليه لأنه باعها في صفقة اعتبرها رابحة تحت تغطية «زواج» فبالنسبة له «اخته» ؟؟ بعد زواجها تحت سيطرة زوجها يفعل بها ما يشاء وان أرادها ان ترقص فما شأنه هو، فالمهم انه اخذ الأجر الكافي على ذلك، كيف لترسانة القوانين التي وضعها المشرع فقط لحماية المرأة ان تقف عاجزة امام سلوكيات تكرس استعباد المرأة خاصة في المناطق النائية التي لا يمكنها حتى متابعة دراستها بعد الطور الأول بحجة «الحَجْبَة والرَتْبَة»، كيف لهذه القوانين ان تفعل في إطار كامل وشامل ان لم نستطع تغيير الذهنيات والعقليات التي تقاوم بكل ما أتيت من القوة للإبقاء على المرأة في صورة «الشيطانة».
كيف لقانون يعطي المرأة كل حقوقها ان يمنع حرمان المجتمع لها من حقها في امتلاك حياة حرة ومستقلة بعيدا عن التبعية الذكورية التي أصبحت تطبق عليها بحجة وبأخرى؟، كيف للترسانة التشريعية ان تبعدها عن التلاعبات السياسية التي جعلتها الورقة «الجوكر» في برامجها فالمرأة في السنوات الأخيرة أصبحت ليس عندنا فقط الى نقطة مهمة يمكنها قلب الطاولة في أي وقت ان «السياسي» المحنك أحسن استعمالها؟
كيف للمرأة ان تَنئ بنفسها عن محاولات تغييبها عن أصالتها وثقافتها بعدم الخلط بين حرية وانسلاخ فشتان بين الكلمتين والمعنين، ولعله الخلط الذي جعل كثيرات يفضل البقاء تحت مظلة الاضطهاد كبديل عن استعمالهن كوسيلة لسلخ المرأة عن مجتمعها الذي يحتاج الى تغيير الذهنيات بإعطاء المرأة المكانة الحقيقية داخله ولكن بعيدا عن هدم أساساته التي تجعل منه متميزا عن المجتمعات الأخرى.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18391

العدد18391

الثلاثاء 27 أكتوير 2020
العدد18390

العدد18390

الإثنين 26 أكتوير 2020
العدد18389

العدد18389

الأحد 25 أكتوير 2020
العدد18388

العدد18388

السبت 24 أكتوير 2020