بعيدا عن الصّورة النّمطية

مفارقــة الأصالـة «استعباد» والتّحرّر «عــري»

فتيحة كلواز

«تحتل المرأة مكانة مهمّة في المجتمع»، مقولة نسمعها كثيرا خاصة في المواعيد المهمّة التي تعيشها الجزائر، مواعيد تكون فيها «المرأة» الورقة الرابحة إو لنقل «الجوكر» الذي سيقلب الطّاولة على المعارضين، لكن غالبا ما تبقى المرأة «كائن خُلق ناقص عقل ودين» أو «عورة» لا يمكن تركها بلا «لباس يسترها» أو «قذارة» يُعلّق عليها شرف العائلة، وحتى ذاك الذي يتغنّى بدورها المهم في المجتمع يعود همسا أو لاإراديا إلى أعماق نفسه ليتذكّر التّعريف «الشعبي» لها، والذي يحصرها بين قوسين هما «المتعة والإنجاب».
ولعل هذه الحقيقة هي من تقف وراء حالات التّحرش التي تعانيها المرأة في مختلف أماكن تواجدها رغم كل القوانين التي وضعها المشرّع الجزائري، إلا أنّها ما زالت تعاني لأن الأمر متعلّق أساسا بذهنية ترفض الخروج أو التخلي عن الصّورة النّمطية للمرأة تكوّنت عبر تراكمات ثقافية طوال قرون متعاقبة لخّصت خلالها التّجربة الإنسانية للرجل والمرأة عبر حضارات متعاقبة شكلت لنا اليوم العقلية أو الموروث الشعبي والثقافي السائدة في المجتمع الجزائري.
إلى جانب ذلك، نرى هذا المجتمع بالذات يتغنّى في كل مرة تسمح له الفرصة بانفتاحه على الآخر وتكنولوجيا حوّلت العالم إلى قرية صغيرة، وبين موروث وانفتاح وجدت المرأة نفسها تعاني الأمرّين فإمّا تبقى سجينة قرون من الزمن أو تتمرّد لتصبح رهينة الثانية التي تعيشها. ولعل ما نراه من تحرّر المرأة هنا وهناك يعكس ما نعنيه بالضّبط، فمعظم النساء المناديات بالتحرر والتخلص من القيود الاجتماعية يذهبن إلى ممارسات يومية، هدفهن الأول منها هو الانتقام من مجتمع دهس روحهنّ وجسدهنّ دون رحمة أو شفقة، ذاك العجز الذي شعرن به حينها حوّلهنّ إلى عدوّ شرس لكل ما هو ثقافة أو موروث أو خاصية اجتماعية بل تصلن في بعض الأحيان الى التخلص عن كل ما هو جزائري فقط بسبب رغبة في الانتقام من مجتمع رفضهنّ ولفظهنّ على شاطئ التهميش وإسقاط العضوية الاجتماعية.
هذه المرأة التي تحارب بشراسة ودون هوادة ضد المجتمع، هي في نفس درجة تلك المرأة المستسلمة لأحكام المجتمع، والتي تحوّلها في بعض المناطق النائية الى اقل مرتبة من البقرة الحلوب، لأنهما وبكل بساطة تخليتا عن جوهر المرأة الجزائرية التي تصنع مجدها بالإبقاء على رابط «الحبل السري» مع المجتمع الذي ولدت ونشأت داخله، وهي في نفس الوقت تبحث عن إخراج مثيلاتها من الصّورة النّمطية التي وضعها داخلها المجتمع لسنوات طويلة بعيدا عن تحويل عملية التطور الى مجرد اقتلاع من الجذور.
«الأصالة» إذا ليست الاستسلام بلا تفكير أو مقاومة لأنّها تطوّر دائم نحو مستقبل تبنيه المرأة بيدها بعيدا عن وصاية ذكورية كانت مرتبطة دائما بمكان وزمان مختلف، أما «التحرر» فكاذب من يقول هو خروج المرأة عارية الى مجتمع بلا قيم ولا أخلاق ولا تقاليد، فالعُري لا يعني فقط رمي الملابس جانبا والخروج الى مجتمع يخجل من نطق هذه الكلمة أصلا، بل هو أيضا عري الروح من قيم الانتماء والهوية...هو الطامة الكبرى على أي مجتمع تظهر فيه أعراض مرضية كتلك التي نعانيها اليوم، وهو سبب فشلنا في التخلص من الذهنية السائدة في المجتمع اتجاه المرأة.
من هنا تكون الخطوة الأولى في تغيير هذه العقلية، ليس خروج المرأة في منتصف الليل للرقص في الملاهي ولا قبولها استعباد الرجل لها، بل هي تربية جيل كامل على احترام المرأة التي قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يكرمها إلا كريم ولا يهينها إلاّ لئيم».
 علينا أن نربّي جيلا على احترام الاختلاف واحترام الانسان بعيدا عن الأيديولوجيات أو التلونات السياسية، الاحترام بكل ما تعنيه الكلمة، علينا أن نربي جيلا يرى في التدخين مضرة على صحة المدخن سواء كان رجلا أو امرأة، حرّمه رجال الدين على كليهما وليس المرأة فقط، عندما يصل المجتمع إلى وضع تدخين الرجل في المستوى الذي يوضع فيه تدخين المرأة، حينها فقط نستطيع أن نتكلّم عن المساواة التي نطمح إليها في مجتمع حضاري ذو قيم إنسانية عالية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18117

العدد18117

الجمعة 06 ديسمبر 2019
العدد 18116

العدد 18116

الأربعاء 04 ديسمبر 2019
العدد18115

العدد18115

الثلاثاء 03 ديسمبر 2019
العدد18114

العدد18114

الإثنين 02 ديسمبر 2019