قصّة كفاح امرأة

تخلّت عن جراحة الأسنان واختارت سياقة سيارة أجرة

بورتريه: فتيحة كلواز

هي واحدة من «حسيبات» الجزائر اللاّئي يخضن في كل يوم معركة حياة من أجل إثبات وجودها وكينونتها، هي امرأة تعيش في ثوب الأم، الأب والابنة فتكون في هذه الحنونة المتفهّمة وفي تلك الصّارمة الحازمة وفي الأخرى البارَّة بوالدتها، هي سيّدة جار عليها الزمن فحمّلها حملا لو حمله غيرها لانكسر وضعف، لكنها مسحت دموعها التي سالت سرّا لترسم على وجهها بسمة كانت دائما الطاقة التي أعطت أبناءها الخمسة القوة للمضي نحو الأفضل.

هي سائقة سيارة أجرة يعرفها معظم سكان العاصمة التقيتها ساحة أول ماي، وجهها يوحي بوجود شخصية متميّزة وكاريزما قويّة لتستطيع مجابهة مجتمع لم يستطع التّعود على عمل المرأة في بعض المجالات، المتبصّر في تقاسيم وجهها يجد أمامه كتابا عنوانه مبهم لكنّه يغريك لفتحه وقراءته للتعرف على تفاصيل دقيقة حوّلت هذه المرأة إلى ما هي عليه اليوم.
من السّماء السّابعة إلى سابع أرض
هي امرأة كانت طفولتها مليئة بالأحلام التي ظنّت أنّ تحقيقها سهل في المستقبل لذلك، ومنذ التحاقها بالمدرسة كانت مجتهدة ومثابرة حتى بلغت الجامعة لتدرس ما أرادته دائما تخصّص جراحة الأسنان، لكن منعرجا فاصلا جعلها تترك هذا التّخصّص وتتوجّه إلى الفرع الأقصر هو طقم الأسنان، التّخصّص الذي بحثت به طويلا عن عمل، لكنها لم تجد لأنّ معظم الرجال لم يتخلّصوا من النظرة الدونية، ولم تفرّط في كرامتها ولم تستسلم بل توجّهت إلى سياقة سيارة الأجرة لتؤمّن لقمة «حلالية» كما وصفتها لأبنائها الخمسة، الذين كانوا القوة التي جعلتها تصبر وتحارب من أجلهم، ومن أجل تحقيق أحلامهم في عيش كريم، بل كانوا ذخيرتها في مواجهة الصعاب. لكن علينا أن نعرف الظّروف التي جعلتها تفكّر في سيارة الأجرة كمصدر لرزقها، هذه السيدة التي رفضت أن تفصح عن اسمها قالت إنّها تزوّجت بأحد الإطارات الذي رزقت منه بخمسة أبناء، ولأنّها الزوجة التي لا ترى حياتها بعيدا عن بيتها وأسرتها، منحت زوجها كل ما ورثته حتى يستطيع بداية حياة جديدة، لكنها لم تدر أن تلك الحياة كانت بدايتها بالنسبة له زوجة تليق بالمبلغ المالي الذي يملكه...بعد أن كانت وأبناؤها يعيشون في «فيلا»، لا يتنقلون إلا بسائق ولا يعملون شيئا لأن الخادمة في البيت تتكفل بكل الأشغال المنزلية، وجدوا أنفسهم بلا معيل يغطي نفقاتهم اليومية أو كما وصفتها «سقطوا من سابع سماء إلى سابع أرض».
هي سقطة حرّة قلبت حياتها رأسا على عقب، أجبرتها على الخروج للبحث عن عمل حتى تستطيع تأمين متطلبات أطفالها الصغار الذين يحتاجون إلى رعاية مادية ومعنوية، ربما يتساءل البعض عن محل إعراب «الأب» هنا، الحقيقة أنّه لم يطلق زوجته فقط بل طلق أبناءه أيضا وبالثلاث فلم يبق سوى اللقب كرابط وحيد يجمعهم معه. هي مرحلة حسّاسة تجاوزتها مرتبطة بردة فعل هذه المرأة التي قالت - عندما سألتها عن الطريقة التي تعاملت بها مع المتغيرات الجديدة في حياتها - إنّها كانت مجبرة على تخطي الأمر، كان عليها لزاما مسح دموعها والمضي إلى الأمام، كان واجبا عليها تناسي آلامها، حزنها، وانكسارها حتى لا يرى أبناؤها ذلك لأنها كانت بالنسبة لهم السند الوحيد والمَعلَم الوحيد الذي ما زال يربطهم بماضيهم، لذلك استجمعت شجاعتها وحملت على عاتقها مهمة أم وأب لتربي أبناءها الذي نجح أكبرهم العام الماضي، في التحصل على شهادة البكالوريا بعدل 20/18 ما أهله للالتحاق بالمدرسة متعددة التقنيات.
أذهلتني هذه السيدة عندما أخبرتني أن أصغر أبنائها الذي لم يتجاوز عمره الست سنوات مصاب بالسرطان خضع لعملية استئصال لجزء من معدته وهو في هذه السن الصغيرة، حتى هذا المصاب لم يثن عزيمتها ولم يضعفها بل سافرت به حتى تونس لتعرف مرضه بسبب عجز الأطباء عندنا عن تشخيصه بدقة، وبالفعل هي ابتلاءات لا يبتلى بها إلا عباد الله المؤمنون، فعلى قدر العزم تأتي العزائم.
24 ساعة كافية لكل التزاماتها؟
كل هذه الانشغالات جعلتني أتساءل عن الحجم الساعي الذي تحتاجه لإدارة التزاماتها العائلية والمهنية، فقالت عن هذا الأمر أنها تنهض على الساعة 04:30 صباحا ترتّب المنزل، طبعا وجبة الغذاء تحضّرها مساءً لأطفالها ثم تنقل كل واحد منهم إلى وجهته لتبدأ عملها كسائقة سيارة أجرة طوال اليوم، لتعود إلى المنزل في حدود الخامسة وتنطلق مهمتها كربة بيت وأم، فتراجع دروس هذا وتتحدث إلى ذاك تحضر وجبة العشاء بالإضافة إلى اعتنائها بأمها المقعدة وهكذا دواليك...تفعل كل ذلك بحب فقط حتى تتمكن من توفير الدفء العائلي بعيدا عن أي مشاكل، وتكوّن أسرة مثالية وإن غاب عنها الأب وهو الدور الذي فُرض عليها عنوة، فأكدت أنها عندما تكون أُما فهي الحنونة العطوفة، أما إن تطلّب الموقف أباً فهي الحازمة الصّارمة، لأنّها ــ كما قالت ــ تربّي رجال المستقبل، وعليها أن تجعل منهم رجالا بكل ما تحمله الكلمة من معنى يتحملون المسؤولية في أي مجال كانوا فيه. عن يومياتها كسائقة سيارة أجرة التي بدأت مشواره منذ أربع سنوات، قالت إن المجتمع الجزائري لم يتقبّل بعد عمل المرأة في هذا المجال، ما يجعل بعض الزبائن يوجهون لها ملاحظات قاسية لكنها تعلم جيدا ما تقوم به ولا تبالي لهذه الأحكام المسبقة، البعض يراها تتطفل على مجال رجالي وآخرون يرونها تتجاوز حدود المألوف، وآخرون يرحّبون بعملها مادمت تعمل في إطار محترم لا يمس كرامتها كامرأة، لكن أغلبهم يرفضون عملها كسائقة سيارة أجرة.
إعادة النّظر في القانون
أما عن المرأة قالت إنها بحاجة إلى قانون ينصفها، يحفظ كرامتها، يفرض احترامها ويعطيها حقها بعيدا عن الإجحاف، فمثلا أبناؤها لم يستفيدوا من النفقة رغم وجوبها على طليقها، فالتلاعبات غيّبت ملف قضيّتها ومحوه من الوجود، لذلك على المشرّع الجزائري أن يعيد النظر في القوانين الموجودة حتى تستطيع المرأة أخذ حقّها، لكنها لن تكسب رهان احترام المجتمع لها سوى بتربية سليمة للأجيال الناشئة، فطفل يتربّى على احتقار أخته ومنع حقها عنها في الميراث لن يحترم أي امرأة في الشارع، لذلك التربية السليمة هي القاعدة الأساسية لبناء مجتمع ينظر إليها كشريك فاعل داخله له كيانه القائم بحد ذاته.
كلمة لا بد منها
كنت أفكّر جديّاً في ترك إعداد صفحة «القوّة النّاعمة»، لكن أمثال تلك المرأة في كل مرة تجعلني أعيد النظر في الأمر، لأنها الصفة التي منحتني الفرصة للإلتقاء بنساء مناضلات لا تُركعهُنّ الظروف القاسية، نساء يتحدينّ في كل يوم النظرة الدونية للمجتمع، نساء واقفات رغم كل الأذى ونكران الجميل، سيدات يثبتن في كل يوم أنهن الأساس الذي لا تُبنى من دونه المجتمعات. لأنّ عطاء المرأة في كونها تُغيب نفسها وذاتها من اجل الابن أو الزوج أو الأخ، هي دائما تفضل البقاء في الظل ليكون الرجل في الصدارة، فهذه السيدة تخلّت عن حلم إكمال دراستها جراحة الأسنان من أجل أبنائها، وفضّلت قيادة سيارة الأجرة لتعطي أبنائها الذين تعتبرهم كنزها الذي لا يقدّر بثمن، هم حلمها الذي تحقق، بقيت ثابتة وقوية تناست كل انكساراتها لتجمع شتاتها فقط ليحتفظ أبناؤها بصورة الأم القوية والمضحية، لأنّها تعلم جيدا أن سقوطها يعني نهايتهم حتما...لها ولمثيلاتها تحيّة تقدير وإجلال.
————

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18270

العدد18270

الجمعة 05 جوان 2020
العدد18269

العدد18269

الأربعاء 03 جوان 2020
العدد18268

العدد18268

الثلاثاء 02 جوان 2020
العدد18267

العدد18267

الإثنين 01 جوان 2020