خالتي دوجة وحكايتها مع صناعة الفخار

أكثر من نصف قرن مع مادة الطّين والمسيرة متواصلة رغم الصّعاب

ز ــ كمال

بدأت حرفتها التّقليدية في سن الثامنة عندما كانت تحاول صناعة أشكال وألعاب مختلفة من الطين تعبّر بها عن أحلام الطفولة والبراءة في زمن القهر الاستعماري، لكنها لم تدر يوما أن تصبح هذه الهواية حرفة في يد الحاجة زروقي دوجة أو خالتي دوجة مثلما تحبّذ أن يناديها الآخرون، تقتات بها وتعيل عائلتها المكونة من 11 فردا ذاقوا مرارة الحياة والظروف الاجتماعية الصعبة، حيث لم تثنيها الأيام ولا السنين الـ 68 التي مرت من الحفاظ على نشاطها وحرفتها التقليدية لأنها أحبتها بعمق، وتحاول تقديمها للأجيال القادمة كأمانة رغم صعوبة المهمة.
خالتي دوجة ورغم التجاعيد ونحافة الجسم الذي أنهكته سنين المتاعب والظروف الصحية التي تعاني منها، إلا أنها لا تزال تبدع في صناعة الفخار ومداعبة الطين كما في البداية الأولى لتقدم أواني تقليدية بلمسات احترافية تبرز الموهبة الكبيرة التي صقلت منذ عقود من الزمن، وأكثر من هذا ما زالت تنافس الشباب ومحترفي المهنة في تنقلاتها ومشاركتها في مختلف المعارض التي تحتضنها ولاية بومرداس، رفقة زوجها ورفيق دربها الحاج دوداح رابح الذي يلازمها كظلّها ويعتبر أكبر معين لها، فهو يشاركها في عرض إبداعاتها في المعارض، ومساعدتها في العمل وجلب مادة الطين والخشب من أماكن بعيدة عن قرية أولاد علي ببلدية تيمزريتن، حيث تتواجد ورشة خالتي دوجة وهي فناء المنزل لا غير حتى لا نذهب بعيدا في الخيال.
صورتنا القلمية أو الصحفية لهذا العدد من جريدة «الشعب» اخترناه لهذه المناضلة والمكابدة التي تستحق كل الاحترام والتقدير نظير ما تقدّمه من إسهامات للعائلة والمجتمع، وتمثل جانبا خفيا من تضحيات المرأة الجزائرية في الأرياف التي أنجبت الأبطال ولم تنتظر يوما مكافئة ولا ثناء، بل شمّرت على سواعدها وحققت اكتفائها الذاتي لأطفالها بحرفتها، فكانت بحق عنصرا فاعلا ونموذجا للمرأة الجزائرية المكافحة.
خالتي دوجة التقتها «الشعب» في معرض للصناعة التقليدية بدار الثقافة رشيد ميموني ببومرداس بمعية حارسها الأمين الحاج دوداح، حيث فتحت قلبها للحديث وسرد حكايات الماضي الجميل.
تقول خالتي دوجة عن نفسها: «أنا السيدة زروقي دوجة المعروفة بخالتي دوجة، ولدت سنة 1946، أو يوم البون مثلما كنا نسميه آنذاك وذلك بقرية أولاد علي بلدية تيمزريت دائرة يسر، بدأت تجربتي مع صناعة الفخار التقليدي في سن الثامنة وأنا طفلة أرعى الغنم والأبقار، حيث كنت رفقة أقراني العب بالطين وأصنع أشكالا ومنحوتات مختلفة هي جزء من عالم الطفولة، كما كنت أستلهم الحرفة من الجدة والأم اللّتين كانتا تقومان مثل باقي سكان القرية بصناعة الأواني المنزلية من مادة الطين، ومن ذلك الوقت أصبحت هذه الحرفة جزء مهما من حياتي وبقيت احتفظ بها إلى اليوم مثلما ترى..».
وفي ردّها على سؤال حول طبيعة المنحوتات المقدمة وكيف السبيل إلى تسويق المنتوج لتغطية التكاليف وإعالة العائلة، تقول خالتي دوجة: «كما ترى اليوم في المعرض أنا أقدم مختلف الأدوات المنزلية كالقدر، الموقد، وعاء تجميع الماء المعروف باسم الشموخ أو القلة، ملاعق الطين، وطاجين الخبز التقليدي إلى غيرها من الأشكال الفنية الأخرى. أما عن موضوع التكاليف الخاصة بالمواد الأولية والتسويق فإنّي أحاول ضمان المشاركة الدائمة في مثل هذه المعارض التي بدأت سنة 2005، حتى تكون هناك فرصة لبيع بعض الأشياء في ظل غياب مكان قار أو محل تجاري لتسويق المنتوج..».
في الأخير ورغم هذه الظروف المهنية والاجتماعية الصعبة التي تعمّقت بقلة مدخول العائلة، خاصة بعد حرمان زوجها المسبّل في الاعتراف له بحقوقه النضالية وتعرّضها لحادث كسر في رجلها، إلا أن خالتي دوجة ما زالت متماسكة ومرتبطة بحرفتها التقليدية، مع رغبتها الملحة في الحفاظ عليها وتعليمها للشباب الحالي إن كانت هناك فرصة لذلك مثلما قالت في هذا المثل الشعبي: زهوة الدنيا شقاها، أو شاقي ولا محوج، وهي شعارات تبنّتها خالتي دوجة وطبّقتها في الميدان، متمنية في الأخير أن تقوم مديرية الشؤون الاجتماعية بولاية بومرداس معالجة ملفها الاجتماعي للحصول على منحة الـ 3 آلاف دينار وبطاقة الشفاء للإستفادة من الأدوية، كما لم تنس الدعاء للرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالشفاء والصحة الدائمة، وزيارة بيت الله الحرام التي قالت عنه أنه رأته في منامها عدة مرات، متمنية أن يتحقّق ذلك واقعا.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018