صناعة الزربية .... حرفة تنسيني همومي وآلامي

فتيحة /ك

توحي تقاسيم وجهها بعزة وكرامة الجزائرية التي لا تهزمها الظروف ولا تهزّها الأزمات، تجاعيد مترامية هنا وهناك تحكي كل واحدة منها حكاية امرأة استطاعت أن تتحدى  الزمن لتقول له «لا... لن تثني ألامك وأحزانك عزيمتي في المضي قدما»...

هي زبيدة بوطبة واحدة من السيدات اللائي حملن على عاتقهن مهمة الحفاظ على التراث الجزائري من الاندثار، اقتربت منها «الشعب» لتسألها عن مسيرة عمرها.. خمسون سنة قضتها كلها في مجال أصبح مع مرور الوقت بمثابة الدم الذي يسري في عروقها.
قالت زبيدة بوطبة أن ممارستها للحرفة تعود إلى زمن بعيد لدرجة أنها لم تعد تتذكر متى تعلمت صناعة الزرابي وحياكة الملابس التقليدية لأنها وبكل بساطة منذ أن فتحت عينيها على هذه الحياة وهي ترى جدتها ووالدتها تجتهدان في نسج خيوط الصوف الملوّنة في تفان وصبر كبيرين وتجلسان لشهور طويلة وراء «السدة»  لصناعة الزربية، «القشابية» أو الوسائد يتعدى مفهومها النطاق المحدد، تحيكها أناملهما الرقيقة لتخرجها إلى الوجود من العدم تبرز فيهارموزا وأشكالا تعكس الحياة اليومية لأجيال متعاقبة عبر الزمن،احتكت بمختلف الحضارات التي حطّت رحالها بالجزائر.
وتذكر بوطبة زبيدة أنها في سنّ الـ 15 استقلت بعملها لوحدها وأصبحت المسؤولية ملقاة على عاتقها، لأن المرأة الخنشلية ملزمة بإتقان حرفة الأجداد باعتبارها ميزة تميزها عن الأخريات، وهمزة الوصل التي تنقل الحرفة إلى الأجيال القادمة بل وحمايتها من الاندثار.
وشاءت الأقدار أن اصطدمت بوطبة زوبيدة بظروف صعبة بعد وفاة وفاة زوجها عام 1997، فاضطرت إلى إعادة حساباتها خاصة وأنها كانت مسؤولة عن إعالة أبنائها الخمسة ....ففكرت في توسيع نشاطها، فكان لها ما أرادت، كيف لا و قد لاقت دعما ماديا ومعنويا من أبيها وأخيها، وهو ما ساهم كثيرا في شدّ أزرها وتجاوز أزمتها التي عاشتها بعد انتقال زوجها إلى الرفيق الأعلى ، وبالتالي تحقيق حلمها على أرض الواقع.
رغم عملها وبيعها لما تنتجه بيدها من زرابي وملابس تقليدية إلا أنها كانت دائما تريد استغلال هذه الموهبة في مشروع أكبر بكثير، فاتصلت بالصندوق الوطني للتأمين ضد البطالة بهدف الحصول على المال لتحقيق الهدف، خاصة وأن الدولة استحدتث هذه الآلية لتشغيل الشباب البطّال الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و50 سنة.
وبعد فترة من إيداع الملف تم قبوله، لتستفيد من قرض مالي ساعدها على استئجار محل وآلات حديثة لصناعة الزريبة، ومنذ 2011 وهي تعمل في مشروعها الصغير الذي وصفته بالناجح، خاصة وأن الزريبة التقليدية تلقى رواجا وإقبالا كبيرين من المواطنين المتعطشين إلى التراث رغم المنافسة القوية للزربية العصرية والحديثة.
تمارس بوطبة زبيدة اليوم صناعة الزرابي والملابس التقليدية بدار الثقافة أين تشرف على تكوين الفتيات الراغبات في تعلم هذه الحرفة، وتمكنت من تكوين 29 فتاة، أصبح بمقدورهن الإبداع والتفنّـن في هذه الحرفة التقليدية ليحصلن على بطاقة حرفي سمحت لهن بالانطلاق في مشاريعهن الخاصة والعمل بشكل رسمي.
أما عن الصعاب التي تواجهها في ممارسة حرفتها، كشفت بوطبة زبيدة  أنها تعاني من نقص في اليد العاملة، فصناعة الزريبة تحتاج إلى أربعة نساء لإكمالها في فترة زمنية لا تتعدى الشهرين، ولكن عجزها عن تحمل عبء الأجور يجعلها  تستغرق وقتا أطول يصل إلى أربعة أشهر . إلى جانب قلّة المواد الأولية وصعوبة تحضيرها كالصوف التي تحتاج إلى كثير من الجهد لأنها تغسل ثم «تبشم» ثم «تقردش» لتصنع على شكل خيوط، بالإضافة إلى أن الصباغ الذي كان يعمل على إعطاء الصوف الألوان المرجوة أصبح منقرضا لذلك فهي تصبغ الصوف كما أفادتنا باستعمال السواك وقشوره والحناء، وكذا الـ»قيتام» والذي يعتبر أهم مادة في هذه الصناعة.
في ختام حديثها إلى «الشعب»، أكدت بوطبة زبيدة أنها لا تستطيع التوقف عن صناعة الزرابي فرغم أنها جدة وكل أبنائها يطلبون منها الركون إلى الراحة إلا أنها رفضت ذلك لأنها بالنسبة لها دواء لكل ألامها وأحزانها، ولأنها تشعر بأنها مسئولة عن إبقاء هذا التراث الجزائري حيا وموجودا في كل المناسبات، ولعلّ مشاركتها المتكررة في المعارض الوطنية والدولية خير دليل على ذلك.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17800

العدد 17800

الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018