حميـدة خـيرات لــ “الشعــب”:

”أعيش إنسانيتــي بمساعــدة الآخريـــن”

بورتريه: فتيحة ــ ك

القوّة النّاعمة التي غيّرت حياة الكثيرين

حميدة خيرات واحدة من “الحراير” اللّواتي سخّرن حياتهن لخدمة الآخرين في أصدق معاني الخير، بدأت حياتها طفلة سعيدة في كنف والديها اللّذين منحاها كل الحب والثقة، ما رسّخ داخلها قناعة في أول مراحل حياتها بأنها خلقت لتكون مصدر سعادة الآخر مهما كانت صفته.
تبلور هذا الشعور الداخلي وترجم إلى سلوك عندما بلغت حميدة عقدها الثاني أين التحقت بالكشافة الإسلامية في 1993 بفضل زميل لها في الدراسة، وبالفعل تفجّرت داخلها طاقة ايجابية انعكست في تفانيها وانضباطها والتزامها الكامل بالمهام المنوط بها ببذل كل ما تستطيعه في الميدان، الأمر الذي سمح لها بالتدرج في المناصب حتى أصبحت عضوا قياديا بالحركة الكشفية.
مرّت السنوات وبعد زلزال بومرداس 2003 تبلورت لديها وبمبادرة من زميلها ومدربها في الحركة الكشفية عبد الرحمان عرعار فكرة تأسيس شبكة تهتم بالدفاع عن الطفولة وحل مشاكلها التي تعانيها في المجتمع، وبالفعل في 2004 خرجت شبكة الدفاع عن حقوق الطفولة المسعفة “ندى” إلى النور، وانطلقت في عملها الميداني. وبالموازاة مع عملها الكشفي بدأت مع “ندى” مرحلة جديدة من مسيرتها التطوعية والخيرية، ولكنها في 2011 اختارت الالتزام الكلي مع الشبكة لأنها شعرت بأنها بحاجة إليها أكثر بحكم المنصب الذي تشغله كمسئولة عن الإدارة العامة والشراكة، وحتى تتفرّغ لمعاجلة والتكفل بالحالات التي تلجا إلى الشبكة، وفي سياق حديثها الشيق مع “الشعب” قالت حميدة أنها تعيش مع الحالات التي تصادفها معاناتها بكل تفاصيلها، ولا تشعر بالراحة حتى تجد لها الحل المناسب لها.
في مسيرة عمرها يفوق الـ 25 سنة، استطاعت حميدة أن توازن فيها بين الأم والزوجة والابنة وقيادية في “ندى” لتغيير المجتمع نحو الأفضل لتحقق رسالة إنسانية حملتها على عاتقها كان للوالدين دور كبير في زراعة روح المسئولية في داخلها ومساندتها في عملها الميداني، فالوالد رحمه الله كان دائما بجانبها ينصحها ويثبت خطاها فيما اختارته لمستقبلها، أما الوالدة فما زالت معها في كل خطوة تخطوها مرددة في كل مرة “افعلي الخير....اقضي حوائج الناس.....يا حميدة لقد سخّرك الله تعالى لمساعدة الناس”، كلمات تشجيعية منحت حميدة ملاك الرحمة أجنحة جعلتها أكثر عطاءً وقوة وثباتاً، ومهما كان المشكل الذي اصطدمت به في الميدان تبقى قوية لأنها تعلم انه لمنح الضعيف الرادة ليقف مرة أخرى.
وخلال كل تلك الأعوام لم تشعر حميدة يوما أن شبابها أو حياتها التي بذلتها في سبيل مجتمع أفضل كان على حساب شبابها أو طموحاتها لأنها لا تستطيع تصور نفسها خارج العمل الإنساني والتضحية من أجل الآخر، الذي هو في أمس الحاجة إلى مساعدة تخرجه من معاناته، بل أضاف إلى ما تعيشه تفاصيل دقيقة لم تكن لتعرفها بعيدا عن هذا المجال، وكشف عن جانب مخبأ في داخلها ساعدها على تحقيق إنسانيتها بكل تستطيعه، وزاد من متعة الحياة وحلاوة لأن الراحة التي تشعر بها عند إنهاء معاناة احدهم لا يمكن أن يوصفها.
في مقارنة بين الأمس واليوم، قالت حميدة أن المجتمع عرف الكثير من التغييرات التي أثرت سلبا على العلاقات الإنسانية داخله، فلا العائلة ولا المحيط بقي كما كان من قبل وذكرت في سياق حديثا كمثال علاقة الجيرة التي ابتعدت عن جوهرها وخصوصياتها بسبب الأنانية التي طغت على المعاملات الاجتماعية وتغلّبت المصلحة الخاصة على العامة،وطفا على السطح مشاكل بسبب الضغط الذي يعيشه المجتمع، ما جعله يبتعد عن القيم الأخلاقية التي عرف بها من قبل، ما أبعده عن الجوهر الأخلاقي الذي يؤسس للبنة اجتماعية قوية.
في المقابل، ووسط هذا الظلام أكّدت حميدة خيرات أن المجتمع الجزائري أصيل ولم يتخلى عن قيمه بصفة كلية، فبحكم عملها الذي أدخلها سراديب مظلمة هي في احتكاك دائم مع أشخاص يمدون يد العون إلى من عم بحاجة إليها، ومهما كانت حالة احد الأطفال المسعفة متأزمة تجد شبكة “ندى” أناس من هذا المجتمع يفتحون بيوتهم وقلوبهم لهذه الفئة التي تعيش براءتها في عذاب مستمر، هي أيادي خير معطاءة جعلت حميدة تؤمن إيمانا راسخا أن المجتمع لا محالة سيكون بخير رغم كل الظروف التي يمر بها، فقط يجب أن نملك الصبر الكبير والنفس الطويل لتحقيق ذلك.
وعن سر الشباب الذي تتميز به رغم مرور السنين منذ أكثر من 25 سنة، كشفت حميدة أن التفاؤل منحها قلبا مليئا بالحب والأمل ما حول ذاتها تمتلك طاقة إيجابية وفرت لها عوامل كثيرة حولتها بمرور السنوات إلى قوة ناعمة سرها فطرة المرأة التي خلقها الله تعالى فيها، فمهما كانت الحالة التي يجب التكفل بها تقف بعزيمة وشدة أمامها لن ترضخ ولن تستسلم حتى تحل مشكله بيتك قلب صفحة مظلمة من حياة أحدهم
وتأتي صفحة جديدة وبيضاء ناصعة تكتب عليها حروف الخير والمبادرة، وكثيرا من هؤلاء تحولت حياتهم إلى الأفضل كالقصر المدمنين الذين أصبحوا إطارات في شبكة “ندى”، يحاولون بكل ما أوتوا من إرادة تغيير حياتهم أحدهم إلى الأحسن كما تغيرت حياتهم، وانقلبت من الأسوأ إلى الأحسن، وهذا انتصار لحميدة ولكل من عمل معها لأنه تجسيد لصور الخير بأسمى معانيه.
وعلى عكس الكثيرين ترى حميدة أن الثقافة والموروث الشعبي الجزائري مليء بالأمثال والأقوال والحكم التي تحث على التفاؤل والاستبشار بالخير بعيدا عن التطير والتشاؤم لما له من آثار سلبية على الفرد والمجتمع، واستغربت في ذات السياق ما قرأته في إحدى الصحف في أن سنة 2018 هي سنة شقاء وفقر، وهذا أمر لا يمكن قبوله لأنها ترسخ الطاقة السلبية في نفس قارئه، ما يكون له آثار مدمرة على المجتمع.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17495

العدد 17495

الأحد 19 نوفمبر 2017
العدد 17494

العدد 17494

السبت 18 نوفمبر 2017
العدد 17493

العدد 17493

الجمعة 17 نوفمبر 2017
العدد 17492

العدد 17492

الأربعاء 15 نوفمبر 2017