لا تقاسيم لوجهها

متشـردة تعكـس مكانـة امــرأة في مجتمـع هــي نصفه

فتيحة /ك

سأكتب اليوم عن تلك المرأة التي لا اسم لها و لا عنوان،هي سيدة تحملت أعباء الزمن على أكتافها الضعيفة التي خلقها الله تعالى لتكون دائما محاطة بعناية ورعاية وإن حملت في قلبها القوة الكافية لهزم العالم بأسره، سأتحدث اليوم عن تلك المرأة التي تناقلتها صفحات التواصل الاجتماعي وهي تفترش الأرض وتلتحف سماء ليلة ماطرة زادها جفاء البشر برودة وقسوة.
هذه المرأة مجهولة الهوية ربما تكون سيدة رماها إبن عاق أو زوج ناكر للجميل لأن دقات الزمن وساعاته أعلنت عجزها وتقاعدها عن أعباء الحياة التي كانت دائما بالنسبة لها تكليفا والتزاما لا مفر منه، صورتها تعكس بصدق ما تعانيه المرأة التي تصل إلى نقطة الصفر عندما تجد نفسها وحدها بلا معيل أو كفيل.
تلك السيدة التي كانت تنام بهدوء وبلا حركة تروي تفاصيل دقيقة عن الألم والحزن الذي تشعر به، حتى أصبحت مفصولة عن العالم الذي تعيش فيه، فرغم المطر والبرد الشديد نامت دون أي رجفة أو إحساس بالجو الذي أدخل الرجال إلى منازلهم وحتى الحيوانات المتشردة امتنعت عن الخروج تلك الليلة لأن غريزتها الحيوانية حذرتها من مغبة التجول في ذاك الجو الراعد الماطر شديد البرودة، نومها ذاك يعكس درجة إحباطها ويأسها من إيجاد من يساعدها لذلك نامت وهي لا تنتظر من أحد شيئا حتى وإن كانت فلذة كبدها تنعم بدفء الفراش وطيب العيش، أو زوج طردها ليحيا حياة أخرى مع من هي أصغر منها ظنا منه أن الصبية ستعيد له سنوات الشباب ورعونتها.
هذا البورتريه لا معالم له إلا تقاسيم وجه تميزه لأنه لكل امرأة دفعت كل شبابها من اجل أسرتها ثم ترمى كالخرقة البالية إلى شارع و كأنها طاعون لا بد من التخلص منه، تلك التفاصيل الدقيقة التي نتحدث عنها ترسم بالمقابل عوضا عن وجه سيدة قوية أسميناها كناية بالقوة الناعمة، أعماق مجتمع ما زال يعيش الازدواجية و الغموض في كل المفاهيم التي تميزه عن الآخر، فكيف لمجتمع ذكوري يجعل من المرأة معيار شرفه أن يرميه لحما طريا لكلاب بشرية لا تفرق بين الأصيل والرخيص، كيف لمجتمع يوقر الأم إلى درجة العبودية أن يرمي بها في ضعفها فقط لأن امرأة دخيلة «زوجة الابن» ترفض عيشها معها وتراها منافستها في زوجها وهي تعلم حقيقة انه جزء لا يتجزأ من أمه و إن أبعدتها عنه.
كيف للأخ أن يترك أخته على قارعة طريق مع أبنائها فقط لأنها مطلقة ولا يستطيع ابقاءههم في المنزل معه وهو يعلم أن الأخ هو ظهر الأخت وسندها في هذه الحياة و لن يبالي بها وإن أصبحت تبيع لحمها لتسد رمق أطفالها الذين كانوا ضحية رجل نسي أو تناسى انه مسؤول عنهم وإن لم يملك قرشا واحدا في جيبه.
تلك الصورة التي تناقلتها صفحات التواصل الاجتماعي تظهر مدى قسوة البشر الذين أصبحوا يبحثون عن مآسي الغير ليصنعوا منها الحدث على صفحة الفايسبوك الخاصة بهم، ينشرها صاحبها لا لمساعدة تلك السيدة أو غيرها بل لجمع اكبر عدد من التعليقات،... آه من زمن تحول فيه البشر إلى مجرد عابدين للمال حتى صاروا لا يؤمنون إلا به ويعتقدون أنه يمنحهم سعادة الحياة، ما أفرغهم من الروح التي تسمو بإنسانية المرء وتعلو به إلى الكمال والجمال، وتحولوا إلى هيكل عظمي قاس، ما جعل المجتمع ينفق كما تنفق الحيتان إلى الشاطئ، فمجتمع يرمي بنصفه إلى الشارع بلا رحمة ولا رعاية هو مقبل على الانتحار لا محالة.


 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17545

العدد 17545

الأربعاء 17 جانفي 2018
العدد 17544

العدد 17544

الثلاثاء 16 جانفي 2018
العدد 17543

العدد 17543

الإثنين 15 جانفي 2018
العدد 17542

العدد 17542

الأحد 14 جانفي 2018