عتيقة صبيحي رئيسة مصلحة الطبّ الشرعي بمستشفى الرويبة

امـرأة حوّلــت المـــوت إلــى كتــاب مفتــــوح علــــى حيـاة مجتمــع

بورتريه: فتيحة/ك

هي سيدة في احتكاك مباشر مع الموت الذي تراه كل يوم أمامها في جثث عليها تشريحها لتجد سبب وفاتها، هي المرأة التي تحمل المشرط بين يديها من اجل ان تعطي تلك الجثة الهامدة حقّها بعد مفارقتها الحياة، هي كالمحامي الذي يرافع في قاعات المحاكم لاسترجاع حقّ المظلوم، هي ترافع في قاعة التشريح لتعرف من كان سببا في موت أحدهم فيعطى الميت حقّه وتحقّق على يديها العدالة، هي امرأة منحتها الموت فلسفة في الحياة جوهرها الإنسان بعيدا عن المصالح والذاتية، عتيقة صبيحي امرأة زادها الإرتقاء في المسئوليات والعلم تواضعا وتبسطا مع الناس.
امرأة آمنت بقدراتها.... فارتقت
ولدت عتيقة صبيحي شرواط ذات يوم في مدينة الجسور المعلقة قسنطينة، لتستمد من صخورها العتيقة القوة والعزيمة لتكون الأفضل، وبالفعل درست ونجحت حتى وصلت الى سلك التدرج بالطب أين كان عليها اختيار التخصص الذي تراه مناسبا لها، ولكنها تركت هذه المهمة لأستاذها الذي وجّهها نحو الطب الشرعي الاختصاص الذي لم تكن تعرف مهامه من قبل، في المقابل كان عليها الانتقال الى العاصمة مع زوجها العسكري والتحضير لوضع طفلها الأول مع الأخذ بعين الاعتبار تلك المرحلة الحساسة التي كانت تعيشها الجزائر سنوات التسعينات.
وجدت عتيقة نفسها أمام جثث مفصولة الرأس أو رؤوس كان عليها تشريحها وإعطاء التقرير الخاص بها، كان عليها ان تتسلّح بالقوة لتكون الطبيبة الشرعية التي لا يهزها التعامل اليومي مع الموت وتكون في نفس الوقت الأم والزوجة التي لا تفرط في واجباتها اتجاه أسرتها لأنها محور توازنها واستقرارها ولكن وكما يقال «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»، فكل ذلك لم يجعلها تنحني أو تضعف بل جعلت منها قوية وعازمة على مواصلة طريقها لأن أمثالها من النساء لا يتركن مسئولياتهنّ مهما كانت الظروف المحيطة بهنّ، فغياب زوجها بسبب واجباته العسكرية لفترات طويلة لم يحبط من عزيمتها، بل كانت الام التي تحرس على أبنائها بكل حب وحنان حتى لا يشعرون بالخوف، وفي المقابل لم تترك رسالتها الثانية في الحياة وهي التعمّق في دراستها حيث عملت في المستشفى الجامعي ببني مسوس مع الأستاذة مرّاح أين نالت درجة طبيبة متخصصة في الطب الشرعي سنة 1998.
وُجهت بعدها للعمل في مستشفى الرويبة أين عملت لخمس سنوات كاملة، ولأنها تملك داخلها ضميرا صادقا لا يتخلى عن مسئولياته مهما كانت الظروف عملت لأيام متواصلة في زلزال بومرداس رغم أنها كانت واحدة من المنكوبين الذين تضرّروا من هذه الكارثة الطبيعية بحكم أن منزلها الذي تقطنه كان بهذه الولاية، لتجسّد بذلك أسمى معاني الإنسانية فرغم معاناتها بقيت مع زملائها التي كانت المرأة الوحيدة بينهم للتعرف على الجثث التي انتشلتها فرق الإنقاذ من تحت أنقاض البنيات والعمارات في 2003، ولم تكن أقل مثابرة وتفان في فيضانات باب الواد التي سبقت الزلزال بسنتين.
...البحث عن الذات
كل هذا الإخلاص الذي يسكن داخلها والطموح إلى ما هو أفضل والرغبة في بذل كل ما تستطيعه من أجل الجزائر جعل عتيقة صبيحي تفكر في تغيير مسارها بالبحث داخلها عن الجامعية المولعة بالقلم والقراءة، لذلك قدمت طلب رسالة دكتوراه ما جعلها تعود إلى المستشفى الجامعي ببني مسوس في 2004، كأستاذة مساعدة فكان عليها الدراسة وتدريس الطلاب والعمل في نفس الوقت ولكن أمثالها لا تحني ظهورهم المسئوليات بل تزيدهم قوة وعزيمة لذلك وتحت إشراف الأستاذة مراح استطاعت تحقيق حلمها في 2012، أين تحصلت على رسالة دكتوراه كان موضوعها حول الموت بسبب الجريمة، لتعين بعد اجراء مسابقة في 2017 كرئيسة مصلحة الطب الشرعي بمستشفى الرويبة وما زالت إلى يومنا هذا،...هذه السيدة رغم العدد الكبير من الجثث التي شرحتها إلا أنها ما تزال تحتفظ داخلها بطيبة نادرة ورحمة غرست في قلبها رقة جعلت من أصعب المهام عليها تشريح جثة طفل جيء به إليها لمعرفة سبب وفاته.
استطاعت عتيقة صبيحي المرأة الفولاذية من خلال كل إنجازاتها أن تثبت للمجتمع أن المرأة بإمكانها تحقيق نجاح في مسارها المهني دون الاخلال بمهامها الاجتماعية كأم وزوجة فالأعباء الاجتماعية تبقى على عاتق المرأة مهما بلغت درجتها أو منصبها لأنها السر في بقاء الأسرة وأفرادها متماسكين ومترابطين، لذلك لم تتنصل عتيقة من واجباتها اتجاه عائلتها التي منحتها كل ما تستطيعه حتى لا يشعر أفرادها بثقل المهام المنوطة بها، خاصة وأن تجربتها المهنية منحتها رؤية شاملة للمجتمع وكل ما يعانيه من أمراض انعكست سلبا على افراده.
وقالت عتيقة صبيحي في ذات السياق، ان ما لا حظته من خلال مسيرتها المهنية انه بالإضافة إلى كون المجتمع يعاني العنف لاحظت أيضا انتشار المرض فيه دون علم أصحابه، ففي بعض الأحيان تشرّح جثة أحدهم وتكتشف انه مصاب بأحد الأمراض المزمنة في مراحله المتقدمة دون علم المتوفي، وكشفت أن متوسط سنّ الوفاة قد انخفض مقارنة بما كانت تجده في سنوات عملها الأولى فمعدل سنّ الموت المفاجئ كان من60 سنة الى 65 سنة، اما اليوم فقد انخفض إلى 18 سنة أين تجد جثة شاب في لم يتعدَ الـ18سنة متوفي بسبب مرض مزمن كالقلب أو الرئة في مراحل متقدمة دون ان يعلم اصابته به، لذلك أصدرت وزارة الصحة قرار استصدار شهادة وفاة على شكل استمارة تتجاوب ومتطلبات منظمة الصحة العالمية، ما سيساهم في وضع استراتيجية صحية لأسباب الموت المفاجئة وخطة عملية لمواجهة الأمراض المجهولة بوضع خريطة انتشارها، فالإحصاء هو القاعدة الأساسية لأي برنامج صحي سبب أساسي لنجاحه.
هي ...الإنسان وفقط
في الحقيقة، عتيقة صبيحي التي حاولت أن أكتب سيرتها في هذا البورتريه وجدتها امرأة من أمثال الحرائر اللواتي كنّ دائما مثالا للمرأة الجزائرية التي استنبطت دروس الحياة من تفاعلها معها، ومهما بلغت من مستوى علمي عالٍ ومهما كان المنصب الذي تشغله تبقي داخلها دائما أينما حلت وأينما ذهبت كنزها الدفين داخلها ذاك الجوهر الإنساني الذي يعكس روحا سمت بها أخلاقها وعلت بتواضعها ورفعها، حتى أنزلها منزلة طيبة في نفس من جلس اليها، ربما هو الرضا الإلهي الذي مكنّها من أن تحوّل من جثث الموتى كتابا مفتوحا على الحياة لا يفهمه إلا لبيب أتقن ان النجاح في أي مجال كان لا يناله صاحبه الا بالإخلاص والتفاني ولا تحقق غايته الا اذا بلغ إنسانيته الدفينة داخله، وأعلم جيدا ولن يجادلني فيها احد انه حري بأبنائها ان يكونوا فخورين بأم كانت مثالا ومرادفا لمعادلة صعبة هي التفوق والتواضع في أسمى معانيه.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018