النّاشطة الحقوقية أميناتو حيدر

البصمة الخالدة في تاريخ المقاومة الصّحراوية لتهديــدات استخــدام الأنترنــت

فتيحة كلواز

تشرّفت بلقائها بعدما كانت بالنسبة لي صورة ترسّخت تفاصيلها في ذاكرتي منذ سنوات طويلة، وجدتها امرأة ملكت بين يديها المعنى الحقيقي للنّضال دون الذوبان في الآخر، تمسّكها بهويّتها الصّحراوية جعلني أحترمها أكثر لأنّها امرأة تؤمن على عكس الكثيرات أنّها لا تحيا ولا تحقّق ذاتها إلا في كونها سيّدة من الصّحراء الغربية، ابتسامتها الهادئة رغم كل ما تعرّضت له من تعذيب منذ عقود من الزمن تجعلك تقتنع أنّها قوية إلى درجة أنّها تتحكّم في الألم لتعطي شعبها وقضيتها بعدا لا يضيفه إلا العظماء، «أميناتو حيدر» اختزلت قضية في اسم ووطن.....

15 سنة...البداية

أميناتو حيدر اليوم، كانت نتاج سنوات طويلة من النّضال والمقاومة، كانت بدايتها الأولى في سن 15، فبينما كانوا من هم في سنّها عبر العالم يحلمون بالملابس الجميلة والحياة الفارهة، كانت «أميناتو» المراهقة تتأمّل في تفاصيل يومياتها غير العادية بسبب نمط معيشة معيّن جعلها تستفهم وتطرح الأسئلة، في تلك السن الصغيرة أيقنت أنّ الأرض المسلوبة تنادي في كل دقيقة وفي كل لحظة أبناءها لفك قيود الأسر الغاشم، ورفع يد المحتل الظالم الذي منع عنها شمس الحرية.
الأكيد إذاً...أنّ «أميناتو» أدركت في تلك اللّحظة أنّها تنتمي ألى شعب ممزّق ومقسّم، خاصة وأنّها فقدت أخوالاً وأعماماً لأنّ الكثير من أقاربها غيّبوا قسرا وقهرا في السّجون والمعتقلات المغربية، فيما أجبر آخرون على الالتحاق بمخيّمات اللاّجئين الصّحراويّين في تندوف على أرض الجزائر. ولعل ما زادها اطّلاعا على القضية قريب لها بدأ في تنوير أفكارها - كما قالت - بإخبارها أنّ القوة هي احتلال، وبأنّ الاسبان المتواجدون على الأراضي الصّحراوية هم مستعمرون، وأنّ رحيلهم عنّها كان بقوة القانون الدولي ولكن خروجهم أعطى الفرصة للقوات المغربية بأن تحتل الصّحراء الغربية، ولكن حادثة أخرى شرحت كل هذه الحقائق التي تعرّفت عليها «أميناتو» من قريبها بكل واقعية دون تزييف أو تغليط، فقد زارت «أميناتو» في إحدى المرّات منزل زميلة لها في الدراسة، وعندما رأت ووقفت على الوضعية المزرية التي تعيشها زميلتها مع أخيها داخل البيت جعلها فضولها تسألها عن سبب ذلك، فأخبرتها صديقتها أنّ سلطات الاحتلال اختطفت والدها ما زادها ارتباطا بالقضية الصّحراوية، وتأكّدت أنّها تنتمي إلى وطن مسلوب الإرادة والسيادة. وهنا بالضبط انطلقت «أميناتو حيدر» في مسيرتها النّضالية وبدأت في بحثها عن طريقة للانخراط في المقاومة سنوات الثمانينات، وكانت خطواتها الأولى في العمل النضالي وهي ما تزال في المرحلة الثانوية بين 17 و18 سنة، حيث التحقت بخلايا سرية طلبت منها الكتابة على الجداران ورمي الاعلام، وغير ذلك من الأعمال.

معصوبة الأعين لما يٌقارب الأربع سنوات؟!
 
ولكن في 1987 عندما كان يتم التّحضير لاستقبال لجنة أممية لتقصّي الحقائق، اتّفقت كل شرائح المجتمع الصّحراوي على تنظيم مظاهرات كبيرة لاستقبال هذه البعثة لإبلاغها صوت الشّعب المقهور والمظلوم الذي يرزخ تحت نير الاستعمار المغربي، وليثبت للعالم أجمع أنّه متشبّث بحقّه الغير قابل للمساومة في تقرير المصير والاستقلال. الكل انخرط في هذا الفعل الوطني وكانت «أميناتو» الطّالبة ذات العشرين سنة واحدة من هؤلاء، ولكن قبل وصول البعثة الأممية بدأت الدولة المغربية في سلسلة اعتقالات
واختطافات عشوائية وصل تعدادها إلى آلاف الصّحراويّين، وكانت هي واحدة منهم، ففي 21 نوفمبر 1987 تمّ اختطافها وقضت ما يقارب الأربع سنوات معصوبة الأعين، تعرّضت خلالها لشتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي، طوال كل تلك المدة كانت مقطوعة عن العالم الخارجي في ظروف جد مأساوية لا تليق حتى بالحيوان.
في 1991 وبموجب اتّفاق مخطّط السّلام الأممي تمّ إطلاق سراح كل الموقوفين الصّحراويّين، الذين توزّعوا على مجموعتين الأولى التي تنتمي إليها «أميناتو» هي مجموعة البعثة، والثانية مجموعة «مقدونة واقدز»، والتي قضت 16 سنة في مخابئ سرية متفرّقة.
لم يثني عزيمة «أميناتو» التّعذيب الذي تعرّضت له زادها إصرارا على النّضال والمقاومة، وهنا بدأت رفقة زملائها في العمل على كسر هاجس الحصار الإعلامي المطبّق الذي كانت تمارسه سلطات الاحتلال على القضية الصحراوية بالاتصال بالمنظمات الدولية والأجنبية المتمركزة بالعاصمة المغربية الرباط، ومنذ تلك الفترة تشكّلت نواة الفعل الحقوقي للدفاع عن حقوق الانسان.
بسبب ذلك تعرّضت للاعتقال من جديد سنة 2005، وقبل ذلك تمّ طرد «أميناتو» من العمل بسبب تنظيمها لليوم العالمي للمرأة الصحراوية، والذي كان أول وآخر يوم عالمي تحتفل به كباقي نساء العالم، ليتم بعد ذلك تعنيف «أميناتو» وضربها وسحلها في الشارع ثم اعتقالها في المستشفى بعد تلقّيها العلاج والإسعافات الأولية، وقضت 7 أشهر نافذة في سجن «لكحل» بالعيون المحتلة، الى جانب المدافعين الصحراويين عن حقوق الانسان، وهناك دخلوا في إضراب عن الطّعام، ليتم ترحيل «أميناتو» مجدّدا.

إضراب 32 يوما عن الطعام

جواز السّفر الذي استطاعت الحصول عليه بفضل التدخل الأمريكي منحها الفرصة للنّضال، ومكّنها من الانطلاق في رحلات مكوكية عبر العالم من أجل التحسيس والتعريف بالقضية الصحراوية، والواقع المر الذي يعيشه شعبها تحت الاحتلال، هذه الجولات والتحركات الدولية ضاق بها صدر المحتل، وأصبحت تشكّل له مصدر قلق، الأمر الذي جعله يُقدم على اعتقال «أميناتو» وهي في طريقها الى العيون المحتلة قادمة من الولايات الامريكية المتحدة بعد تسلّمها لجائزة الشّجاعة المدنية من طرف مؤسسة «جون ترنفندايشن» سنة 2009، وطردها إلى جزر الكناري وهناك دخلت «أميناتو» في إضراب عن الطعام مفتوح دام 32 يوما احتجاجا على هذا الطرد التعسفي، وأيضا على التواطؤ الواضح والمعلن للسلطات الاسبانية مع دولة الاحتلال المغربية. أعطى هذا الاضراب زخما إعلاميا كبيرا، وحضيت القضية الصّحراوية بتضامن واسع النطاق ومنقطع النظير، وبفضل التضامن الدولي والتدخل الأمريكي من جديد والأمين العام للأمم المتحدة، استطاعت «أميناتو» العودة الى وطنها ومعانقة أبنائها الذين لم يسلموا من المضايقات في هذا الواقع المر.
وعن المرأة الصحراوية التي كانت «أميناتو» خير سفير لها، قالت هذه السيدة الرمز إنّها امرأة ماجدة وصابرة، أثبتت للعالم قوّتها وصلابتها وأكّدت في عديد المرات أنّها العمود الفقري والمحور الأساسي في الفعل الوطني للتحرير، بل هي - كما قالت «أميناتو» - القلب النّابض للمقاومة الصحراوية ونصحتها بالاستمرار في هذه المقاومة السّلمية، وأن تحافظ على مكانتها التي تحضى بها داخل المجتمع الصحراوي من تقدير واحترام، وأن تتمسّك بهويتها وتربّي الأجيال على ذلك لأنّها الطّريقة الوحيدة لإبقاء الثّقافة الصّحراوية حيّة وحاضرة عبر الأجيال المتعاقبة.

«أميناتو»...المعدن الثّمين النّادر

 كل ما سردته من أحداث وتفاصيل عن حياتها النّضالية، جعلني أتساءل عن عاطفة الأمومة عندها، فكان السّؤال الملح الذي لم أستطع تجاوزه هو ان شكلت هذه الفطرة داخلها في يوم من الأيام نقطة ضعف ثبطت من عزيمتها النّضالية في لحظة من اللّحظات؟ كانت إجابتها واضحة وصريحة فكانت «أميناتو» الأم و»أميناتو» المناضلة والمقاومة وجهان لعملة واحدة معدنها ثمين ونادر، فقد أجابت قائلة: «الأمومة هي التي شجّعتني وساعدتني بل وزادتني شحنة نضالية جديدة، فبها أتذكّر كل ابن شهيد وشهيدة، وابن مختطف ومختطفة، يعيش على أمل لقاء بأبيه أو أمّه، وهو ما شجّعني حقيقة على الاستمرار حتى عودة كل الصّحراويّين والصّحراويّات إلى وطنهم».
حقيقة بمثل «أميناتو حيدر» تتشرّب الأجيال حب الوطن وتحيا القضايا العادلة وأمثالها يشكّلون الدّرع الواقي للأمم، ودونها تبقى المجتمعات بلا هوية أو وطن، هي الأم التي يسكن داخلها الأمل، وهي الشمس التي ترسل بصيص الحرية إلى قلوب سجنتها قيود الظلام والظلم، هي الزوجة التي سارت مع رفيق الدرب لتسانده وتؤازره في مسيرة النضال، فلم تكن سنوات سجنه الـ 16 سببا في تخاذلها بل وسام شرف لزوجين كانت القضية الصّحراوية العهد والوعد الأبدي بينهما.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018
العدد 17745

العدد 17745

الجمعة 14 سبتمبر 2018