حينما كانت تجري به مياه صافية وعائلات تحج إلى الينابيع الجبلية

أعمدة في الفن الأصيل اختاروا ضفاف وديان البليدة للخلوة والإلهام

البليدة: لينة ياسمين

يعترف من عايشوا حقبة الستينيات والسبعينيات، أن البليدة في ربوعها وتلالها ومروجها البسيطة، كانت قبلة ومحجًا ورقما، أسِرت وتأسر القلوب، بين عشاق الخلوات والبحث عن الراحة وصمت النفس والروح.

يقصدونها في وقت تجد الكثيرين إن لم نقل الغالبية، يحددون أشرعتهم على وجهة بحرية وشواطئ الجزائر الذهبية بحثا عن التمتع والاستمتاع بعطلة صيفية مريحة. والمثير في الطرفين النقيضين، أن أصحاب تلك الخلوات كانوا من طينة عظماء الفن في بلادنا، خاصة في مجال ونطاق الغنوة الشعبية، والتي كان المعلمون فيها والمشايخ يبدعون في نظم القصيد وغنوته بلحن بديع وجميل، فيه من الطرب من جهة ومن الكلام الهادف وحكم وتجارب الحياة.
كانت تلك القامات والهامات الفنية، يفضلون النزول على ضفاف وادي سيد أحمد الكبير ومياهه الباردة المنعشة والصافية، للخلوة والابتعاد عن بهرجة وضجيج المدن وأعين الناس، لتجديد النفس والعودة بقصائد وألبومات غنائية جديدة.
«الشعب» رصدت في ذكريات بعض شباب الجيل السبعيني، بعضا من تلك الروايات والذكريات، التي عاصروها وعايشوها وقتها، حول قضاء أولئك الأعمدة عطلهم في الصيف الحار، على ضفاف الوادي السرمدي.

 محي الدين بشطرزي والعنقة مرّا من هنا...

يعترف العم عبد الكريم عبداودو لـ «الشعب»، أن الفنان المبدع والمعلم في فنون المسرح والتمثيل والكلام الشاعري «محي الدين بشطرزي» كان بين الحين والآخر ينزل ضيفا على أهالي حي سيدي الكبير، ويختار رفقة أصحابه مكان لطيفا على ضفاف الوادي الكبير الصافي، للخلوة والابتعاد عن صخب المدينة وإرهاق العمل، وليس هو فقط.
وقال عبدادو ايضا في رصد ذكريات الماضي: «كان الشيخ العنقى وأسماء لامعة تأتي في فصل وموسم الحر والاصطياف، وتختلي بنفسها يخيمون أياما، ولا يعودون إلى عائلاتهم وجمهورهم إلا وقد حملوا معهم الجديد من القصيد والألبومات الغنائية».
 وأضاف أن مثل هؤلاء كانوا يستمتعون بأوقاتهم، وينصبون مخيماتهم ويظلون لأيام وهم يختلون بعيدين عن مظاهر المدينة والتمدن، يستعملون وسائل بسيطة في التخييم، ولا يتكلفون ليفترقوا بعد أيام وقد جدّدوا الهمّة والعزم على تقديم منتوجات في نفس جديد.

سيدي الكبير، الوادي المقدّس والينابيع الجبلية الوجهة الأولى للعائلات
 
عادت مؤخرا بعض التقاليد التي ماتت من زمان وانقرضت، كانت فيها العائلات البليدية وأخرى وافدة من العاصمة والأقاليم القريبة من عاصمة المتيجيين، تفضل قضاء يومياتها الصيفية بأعالي الينابيع الجبلية الباردة، على ضفاف وادي سيدي الكبير، وأيضا على ينابيع مرتفعات سيدي موسى بالصومعة. تختار العائلات تلك المجاري المائية، التي تتغذى من قلب جبل الشريعة الشامخ، وتستظل بغابات الصنوبر والأرز الأزلي وتقضي أيام في البحث عن سعادة الراحة.
 وأكّد أحد المخضرمين الذين عايشوا وما زالوا العصرين الصادق حنيني، أنه إلى وقت قريب في سبعينات القرن الماضي، كانت تأتي عائلات إلى الوادي وتحمل معها أفرشتها لغسلها بمياه الوادي البركة، تمضي وقتا وهي تتسلى بالحديث المتبادل ومياه الوادي تجري وتسري بين أقدامهم، فيما بعض من النساء رحن ينشدن ويُغنين في هدوء واحترام، وصلات من الغناء الشعبي ومديح سيد الخلق.
 أما بعض من العائلات فاخترن وجهة «سيدي موسى» بمنخفض الشريعة، واختارت التخييم وسط الغابة العذراء، وما إن تبدل الزمن وساء الوضع، اختفت تلك العائلات وأصبحت تفضل البحر على الجبل والينابيع، وهي وإن عادت اليوم بأعداد بعد استتباب الأمن والاستقرار، فلم تعد مثل تلك الأيام المليحة والزمن الجميل.

  الأوساخ ومياه الصّرف الصحي والتوسع الفوضوي عناوين للمجاري...

يندب الكثير من لديهم معلومات تاريخية وعايشوا حقبة مليحة إلى سنوات غير بعيدة، أن حال الطبيعة في البليدة وتخومها تبدل كثيرا. ولم تعد مثلما كانت عليه أيام زمان. ويبكي البعض على ذلك ويقول بعضهم في حديث حزين «أن مياه وادي سيدي الكبير الضافية أصبحت مياه ملوثة، اختلطت بها مياه قذرة، تقذف فيه وتصرف إليه، ولم تعد تلك الضفاف التي كانت مقصدا للفنانين والشعراء محجا بعد تلك الأيام السعيدة، بل تحولت إلى ما يشبه المفرغات العمومية، والردم بالأتربة وبقايا مواد البناء.
اختارت بعض العائلات تلك الضفاف رغم خطرها وخطورتها، وبنت مساكن دون وعي في فوضى عارمة حتى أن الفيضان الأخير الذي جرى بمياه سريعة وكميات كثيرة في الربيع الماضي جعل السكان يحلفون بأنهم عاشوا أسوأ وأرعب أيامهم، مياه الوادي التي اختلطت بالتراب والأوساخ، وهدمت جزءا من تلك المساكن وأخذت الأثاث بعيدا، ولان التجربة باتت تتكرر، فالسكان في اختلافهم ابدوا عن رغبتهم في أن يتم تدارك ما حدث، وأن تتحرك الجهات الوصية، وتعيد للوادي قيمتها الطبيعية، مثله مثل بقية الينابيع الجبلية المنتشرة عبر غابات الأطلس البليدي.
 وبعدها يعود الناس إلى تقاليد وثقافة السياحة الجبلية وعلى ضفاف الوديان والمسطحات المائية وينتعش النشاط السياحي، وتعود الحياة إلى تلك المناطق العذرية، فتسعد وتستعيد بهجتها وبهرجتها وقصص الأيام الخوالي.


 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018