بسكرة... مهد لأعرق حضارة

يفرض الحديث عن بسكرة الرجوع إلى تاريخها العريق وموقعها المتميز، فهي تضرب جذورها في أعماق التاريخ، حيث تعاقبت على أرضها الحضارات والثورات من العهد الروماني إلى الفتوحات الإسلامية إلى الغزو الفرنسي والاستقلال، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي؛ باعتبارها بوابة الصحراء، وهمزة وصل بين الشمال والجنوب ومن الشرق والغرب، وبمناخ وتضاريس مثمرة أيضا، كل هذه المعطيات أعطتها أهمية عبر كافة المراحل والعصور التاريخية، كما كانت الحضارات قديما على ضفاف الأودية والأنهار وعلى منابع المياه وفي الأماكن الحصينة والمنيعة.

يرتبط تاريخ المدينة بتاريخ مناطق الجنوب والجنوب الكبير؛ بحيث أرجعت دراسة تاريخ المنطقة إلى حوالي 7000 سنة قبل الميلاد، وقسمت تطورها إلى أربعة أقسام أساسية؛ بحيث مُيزت كل مرحلة بحيوان كان يعيش في ذلك الوقت وعلى تلك الرسوم التي وُجدت على الصخور والحجارة، فالمرحلة الأولى من 7.000 إلى 5.000 قبل الميلاد سُميت بمرحلة البوبال، وهو حيوان يشبه إلى حدّ كبير الثور. أما المرحلة الثانية فتمتد من 3.000 (ق.م)، وسُميت بمرحلة «البقر». والمرحلة الثالثة ابتداء من 1.200 ق.م سُميت بمرحلة «الحصان».
للإشارة، لوحظ على الرسوم الموجودة أن الأسلحة المستعمَلة من طرف قبائل هذه المرحلة، تشبه إلى حد كبير الأسلحة التي يستعملها «الطوارق» حاليا (الخنجر والدرع)، المرحلة ما بين القرن الثالث والأول قبل الميلاد سُميت بمرحلة «الجمل»، خلال هذه المرحلة يلاحَظ أن الحصان يفسح المجال للجمل؛ وهذا ما يجسد تصحر المنطقة وبروز قبائل.
قبل الاحتلال الروماني لها، سكنت بسكرة قبائل بربرية، لم يذكر التاريخ عنها سوى نتف قليلة» وقد اعتمدوا في معيشتهم على صيد الحيوانات المفترسة للمتاجرة بها مع الرومان الذين يستعملونها في حياتهم، كما أنهم لم يعرفوا الزراعة إلاّ في حدود عام 200 سنة قبل الميلاد «ولأهميتها الإقتصادية وموقعها الإستراتيجي إعتمد عليها القرطاجيون في جلب منتوجاتها الفلاحية التي كانت تشتهر بها في تلك الحقبة .
وقد تمكن الرومان من احتلال بسكرة أثناء سيطرتهم على كامل بلاد المغرب (149 ق ـ 439 م) وعاثوا فيها فسادا، بعد أن واجهوا مقاومة عنيفة من طرف السكان الأحرار، خاصة الملك الأمازيغي يوغرطة والقائد تاكفاريناس الذي امتدت مقاومته من سنة 17 م إلى 24 م، وقد ساعدهما سكان المنطقة وقدّموا لهما كل العون.
ويؤكد الرحّالة والمؤرخ الفرنسي ( جزيل ستيفان): «أن موقع المدينة الرومانية القديمة بفيسيرا أو بسكرة كان في الضفة اليسرى لوادي بسكرة المعروف حاليا بوادي سيدي زرزور»  وهذا بعد انضمامها إلى حكم الإمبراطور أغسطس على يد قائده كورنيليوس فيما بين (19 – 20 ق .م). وبعد اعتناق الرومان للمسيحية شيّدوا بها أسقفية تابعة للكنيسة، وكانت بسكرة في العهد الروماني تعرف بها.
وبالإضافة إلى أهميتها الدينية فقد اتخذها الرومان مركزا تجاريا مهمّا ومعبرا من خلاله يتوسعون، ومازالت آثارهم إلى اليوم تشهد على ذلك، في كل من حي العالية وفلياش ببسكرة، وحتى في قلب جامعة محمد خيضر ببسكرة حيث بقايا حمّام معدني روماني.
بعد القضاء على الرومان دخلت المنطقة ضمن مستعمرات الوندال الذين أحكموا قبضتهم على بلاد المغرب في عهد ملكهم جنصريق في الفترة الممتدة من (439م – 533م)، إلا أنهم لم يصمدوا أمام ثورة السكان مما اضطرهم إلى الاكتفاء بالمدن الشمالية من البلاد، حتى مجيء البيزنطيين الذين قاموا بطردهم، لتدخل الجزائر وكافة بلاد المغرب تحت سيطرة احتلال جديد لم يكتف بالتنكيل بالوندال فقط بل ذاق السكان المغاربة (البربر) منه الويلات، إلاّ أنهم قاوموا هذا الدخيل بقيادة بيداس بجبال الأوراس وأرتياس ويناس … وغيرهم. وقد بقيت المنطقة تتخبط في صراعات دموية واضطرابات حتى مجيء المسلمين الفاتحين.
في القرن السابع الميلادي وفي حدود عام ( 27 هـ – 647 م ) إنطلقت جحافل المسلمين من مصر لفتح بلاد المغرب، ولم يتمكنوا من ذلك إلا بعد مقاومات عنيفة من طرف السكان الأمازيغ الذين ظنوا أن المسلمين غزاة ومحتلون كالرومان والبيزنطيين.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018