رمزية مكان

«ماكوماداس».... أُمُّ الذين تبقّوا

أم البواقي ولاية جزائرية، تبعد عن عاصمة الجزائر بحوالي 500 كم كانت تسمى  ماكوماداس  في العهد الروماني وبعدها سميت بكان روبار نسبة إلى المارشال» كان روبار»الذي أتخد من المدينة مقرا له، وفي رواية أخرى أن الكتابات القديمة نسبة إلى الكاهنة التي تركت أولادها في هذا المكان ومن هنا أشتق أسم المدينة من أم الذين تبقوا.
 يعود تاريخ ولاية أم البواقي إلى سنين بعيدة، فهويضرب بعمقه جذور الحقب والأزمان البدائية، حيث يعود تواجد الإنسان بها إلى 8000 سنة قبل الميلاد، الآثار المكتشفة بهذه الولاية تشهد على هذه الفترة، مثلت أم البواقي إقليما جد مهم من المملكة نوميديا وقد أزدهرت في هذه الفترة الحياة الاقتصادية والتي أعتمدت بالدرجة الأولى على الزراعة المكثفة لأشجارالزيتون، هذا ما جعل من «قاديوفالا» قصر صباحي و»ماكوماداس» أم البواقي مركزين على قدر من الأهمية في التبادل التجاري.
في القرن الأول ميلادي وقعت المملكة النوميدية تحت سلطة الإمبراطورية الرومانية بعد تلك الخلافات والنزاعات التي ظهرت بين القبائل البربرية، في هذه الفترة شهدت أم البواقي تطوير زراعة الحبوب القمح والشعير النشاط الرئيسي للسكان، غير أن المستفيد من ذلك كانت روما وتحولت أم البواقي أو ماكومداس في هذه الفترة إلى مطمورة قمح تمون أوربا كباقي المدن الجزائرية، غير أن الثورات البربرية الثائرة في منطقة الأوراس ضد هذا الوجود حالت إلى طرد الرومان من كل المنطقة مخلفين شواهد أثرية مثل الضلعة، الرحية آثار سيقوس.
اما في الفترة الوندالية شهدت أم البواقي تدهورا أجتماعيا وأقتصاديا، كما خرب الوندال كل المنشآت التي خلقها الرومان وحتى مراكز التبادل التجاري لحقها الخراب الشامل، المقاومات العارمة التي قادها سكان منطقة الأوراس أسفرت على طرد  الوندال  واأسترجاع «تاموقادي» ،  «باغاي»  و»عين  البرج» و «ماكومداس.»
ولم تكن ام البواقي في الفترة البيزنطية على هامش الأحداث التي تعاقبت على منطقة الأوراس والهضاب العليا لمزاياها العديدة فبعدما طرد  البربر  الوندال  حل  البيزنطيون  بقيادة سولومون، في هذه الفترة جرد أهل المنطقة من ممتلكاتهم وأراضيهم الخصبة، كما شيد البيزنطيون قلاعا ومراكز مراقبة تعتلي الجبال وتضمن مراقبة كل السهول الممتدة والأراضي الخصبة الغنية بالقمح و الشعير، من آثار هذه الفترة قلعة «قاديوفالا» بقصر صباحي، وآثار جبل بوسيف.
لاقت الفتوحات الإسلامية في أولى طلائعها مقاومات شرسة قادتها زعيمة الأوراس دهية أو الكاهنة التي هزمت حسان بن النعمان  في مسكيانة  وأسرت  خالد  بن يزيد، هذه المقاومة البربرية تحركت لاعتقادهم بأن جيش الفتح الإسلامي ما هوإلا غازي مثل سابقيه ولكن بعدما أيقنوا مهمة الفاتحين اعتنقوا الإسلام خاصة بعدما هزمت الكاهنة، كما ساهم البربر بقيادة طارق بن زياد في فتح الأندلس. بعد فتح أم البواقي  واعتناق  البربر  الإسلام.
 توالت العديد من الدويلات أوالخلافات الإسلامية على هذه الولاية مثل الأمويين ثم الأغالبة الذين أعادوا إلى المنطقة توازنها الاجتماعي وأستقرارها الأقتصادي، كما عرفت أم البواقي رخاء معتبرا خلال عهد  الفاطميين  وأزدهرت بها العلوم والفنون، أنقلبت هذه الأوضاع إلى حالة سيئة عند حلول الهلاليين وشهد الأقتصاد ومختلف المجالات ركودا وتدهورا وعاشت في هذه الفترة نوعا من البؤس والتأخر.
 في العهد الموحدي أي خلال القرن الثاني عشر، أسترجعت أم البواقي  أستقرارها  في  إطار توحيد المغرب العربي وأخذت الأمور الثقافية، الإجتماعية والاقتصادية تزدهر خاصة لوقوعها في منطقة إستراتيجية تربط بين القيروان والجزائر.
تاريخ أم البواقي في العهد العثماني  والأحداث التي تعاقب عليها هي شبه مجهولة ولم ترد مصادر تطرقت إلى هذه المرحلة بالدقة والتفصيل والقليل المتداول هوكونها تابعة لبيلك قسنطينة وتخضع لقوانين وسلطة الباي التي لم تكن مباشرة عليها وأقتصرت علاقة أم البواقي بالسلطة العثمانية على جمع الضرائب وكان يتولى هذه المهمة شيخ القبيلة.
ولم تنجح جيوش الاحتلال الفرنسي في إسقاط ولاية أم البواقي تحت نيرها إلا بحلول سنة 1842م، قاوم سكان أم البواقي الاحتلال الفرنسي للجزائر بمعارك ومقاومات متأججة، عندما أندلعت ثورة التحرير الجزائرية في 1 نوفمبر 1954م، ساهمت ولاية أم البواقي بالنفس والنفيس في إنجاح الثورة التحريرية المباركة خاصة لوقوعها ضمن الولاية الأولى التاريخية، وأنجبت العديد من الشهداء الأبرار والثوريين الأفذاذ .

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018