قصة

عــزاء

مريك كورطة

كانت تجلس على مقعد خشبي قديم، مغطى ببعض من ندف الثلج، وتحتضن قطتها والدموع تنزل من عينها، أرادت أن تستوعب كلمات البيطري لكن قلبها يرفض أن يكون الإختيار القادم قطتها، تضمها إليها أكثر وأكثر وتحادثها: هل اشتقت إليه أيضا، أتريدين لقاءه؟ لكن من سيبقى معي أنا، أتعلمين؟ أتذكر أول يوم إلتقيتك، كنت قد حدثته كثيرا عن القطط، وكم حلمت أن أمتلك واحدة، كنت عندها في شهري السادس، كان يربت على بطني ويقول أنني يجب أن أهتم بصغيره لا بكرات الفرو تلك ويضحك، مرت الأشهر وحان موعد قدوم صغيره كما اعتاد أن يسميه، كانت لحظات المخاض من الصعب تجاوزها، أحسست أنني أقارب الموت ويا ليته أخذني تلك اللحظة، يا ليتني مت حينها، انتظرت أن أسمع أولى شهقاته في هذه الحياة، انتظرت أن أضمه إلي وأقول أنه يشبهني حتى أغيظه، لكن أيا من هذا لم يحدث، هذا لم يحدث، بعدها تقدم إلي الطبيب وأخبرني أنهم حاولوا قدر الإمكان أن ينقذوه، لكن رئتيه كانتا لا تستجيبان، سمعت بعدها شهقة أخرى، شهقة أقرب الناس إلي، لقد كان يبكي لفراق ملاكه الصغير، كان يوما مأساويا بجد، مرت الأيام بعدها أو ربما الشهور، لا أعلم حقيقة فقط أتذكر ابتسامته العريضة ذات يوم وهو يحمل صندوقا بكل رفق، يقدمه لي ويقول عيد ميلاد سعيد! فتحت الصندوق بحذر شديد وذلك لتحذيراته أن أخرب الهدية، كنت أخمن ما الموجود داخله، كتب؟ أم أدوات تجميل؟ أوربما حتى بعض من الخزف؟ لم أتوقع أبدا أن أجدكِ هناك، كنتِ صغيرة جدا عندها، وكأنك كرة صوف صغيرة، في بادئ الأمر كنت لا تحبين الجلوس عندي، دائما ما تجلسين عنده، وكأنك علمت بالأمر مسبقاً أنه لن يطيل البقاء معنا، بعدها بحوالي السنتين ربما، أخبرني أن هناك بعض المشاكل في العمل من جديد لذا سيتأخر، ولسذاجتي كانت دائما تنطلي علي هذه الخدعة لكونه طبيبا، عاد يوماً حليق الرأس وعندما سألته أخبرني أنها حملة تضامنية مع المرضى، وصدقته، كان في بعض الأحيان يصاب بتوعك وغثيان شديد ويقول أنه أكل شيئاً قديما، وصحنته كانت شاحبة في الأيام الأخيرة حتى أنه فقد الكثير من الوزن، لغبائي كنت أقول من التعب والضغط في العمل، ذات يوم تلقيت اتصالا هاتفياً من المشفى، أخد الله أمانته، في العمر بقية، ذهبت مسرعة إليه، سألت عليه فأرسلوني لقسم مرضى السرطان! لم أرد أن أصدق ذلك كيف لم أعلم؟ ظهر أمامي صديقه وتأسف قائلاً فعلنا ما بإمكاننا لكن الساعة وصلت، إن لله وإن إليه راجعون، أشهقت بالبكاء وأقول لم يخبرني، لم يخبرني بأنه كان يحتضر، كان فقط يقول أنها بعض المشاكل في العمل لذا سيتأخر! بينما هو هنا يأخذ علاجه الكيميائي! رغم أنه كان ميتا إلا أنه كان مبتسما، تمسك بالابتسامة حتى عندما قبضت روحه! يا ليته يعلم كم أشتاقه، نعم يا قطتي هذه قصتي المختصرة التي ستكون نهايتها موعداً آخر مع الموت، أعتقد أن هذه المرة دورك يا عزيزتي.
كانت تقص قصتها لقطتها التي أصبحت جسدا هاويا بسبب الحقنة التي أخذتها من وصفة البيطري، قائلا هذا أفضل من أن تمضي أيامها الأخيرة تحت هذا الألم، هي لا تستحق ذلك.
بعد أن تأكدت أن قطتها فارقت الحياة، نهضت من مكانها تاركة وردة حمراء بين الثلوج التي اكتسحت المقعد والساحة، عزاء لموت قطتها وعزاء لحياتها.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17974

العدد 17974

الأحد 16 جوان 2019
العدد 17973

العدد 17973

السبت 15 جوان 2019
العدد 17972

العدد 17972

الجمعة 14 جوان 2019
العدد 17971

العدد 17971

الأربعاء 12 جوان 2019