القصة المسلسلة

خرفجت

إشراق النهدي/ عمان

هذه القصة التي سأسردها عليكم، أيها القراء الأعزاء، إنما هي حكاية قديمة، سمعتها في الطفولة. وكانت متناقلة في حارتنا بشكل يومي، خاصة بين الشيوخ والعجائز. ولا أدري مدى صحتها! لكنها في صغري، أخافتني وسكنتني إلى درجة مرعبة، إذ أني كففت عن هذه اللعبة، رغم حبي الشديد لها... إذ تحول شعوري تجاهها إلى إحساس غامض؛ مترنحا ما بين الحب والخوف، وما بين الإقبال والنفور. إلى أن ابتدعت طريقة أنقذتني من تلك الحيرة، فكنتُ أحيانا ألعبها مع نفسي دون حجر مرئي. فقط استعيض عنها بالخيال، وأتصنع قذف الحجارة للأعلى، فأرفع يدي، وأنزل الأخرى؛ قابضا على الفراغ بداخل راحتي. أو أتلاعب بالهواء؛ لتحل محل الأحجار الخمس.
هذه القصة العجيبة، تحكي عن عجوز اسمها كيزيت، كانت من سكان الجبل، في طفولتها رعت المواشي، وحلبت البقر والماعز. بينما في مراهقتها شربت سمن الغنم، وجمعت قطميما1 طازجا.
وقيل أيضا إنها كانت جميلة، لكنها فيما بعد فقدت عينها على إثر حادث ألم بها. إذ كانت تمتلك عينا واحدة، فالعين الأخرى غدت جوفاء، يعلوها لحم غائر للداخل قليلا، يغطي فتحة كانت عينا فيما مضى. كيزيت تعودت أن تحدد وجهها برنج2 أخضر من جهة الذقن وفوق منخري الأنف، ثم يلتقيان بشكل مثلث يحدد النصف السفلي للوجه.
الحلقة 2
كزيت هذه المسنة؛ كانت متفائلة إلى حد ما، صابرة تترقب خبرا يزف لها فرحا. ترى الحياة بمنظور قلبها السمح المتسامح، ففي وقت العصر من كل يوم، تتزين، وتضع الرنج الأخضر والروج الأحمر، وتكحل عينها الوحيدة وتسوي حواجبها بالأسود، وتذهب في الحارة لتنضم إلى نسائها. ربما لشرب الشاي، وتبادل السوالف والثرثرة.
رغم طقوس يومياتها المعتادة؛ ثمة غيمة خفية، تصب ماءً على شجرة حزن لا مرئية، تتفرع في جوفها. حيث قيل بأن ابنها ترك البلد قبل سنوات طويلة، وذهب إلى كندا ليدرس، لم يره أحد، لكنها تزعم ذلك دائما، سنة تلو الأخرى.
بيتها مغلق ومظلم لا يزورها أحد. بل في الحقيقة، هي لا تفتح بابها إلا لعامل تصليح الحنفيات، أو للباكستاني الذي يبدل لها سلندر3 الغاز. عدا ذلك فهي لا تدعو أحدا لزيارتها.
كانت تمر في الحارة، على الصبية الذين يلعبون مختلف الألعاب وهي راضية عنهم. لكنها دائما تتوقف بقلق عند المنزل الرمادي، بسوره الكبير وبوابته الحديدية، التي تتغطى بأشجار فارعة الطول. كانت تلمح فتاتين جالستين في حوش البيت، تلعبن خرفجت بخمسة أحجار.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17495

العدد 17495

الأحد 19 نوفمبر 2017
العدد 17494

العدد 17494

السبت 18 نوفمبر 2017
العدد 17493

العدد 17493

الجمعة 17 نوفمبر 2017
العدد 17492

العدد 17492

الأربعاء 15 نوفمبر 2017