رمضان بولاية معسكر:

عراقة تعكسها تقاليد تشدّ المجتمع بعضه إلى بعض

معسكر: ام الخير . س

لا زالت الشعائر والمواسم الدينية تكتسي أهمية خاصة في وسط المجتمع الجزائري تظهر من خلال مظاهر التغيير الطارئة على حياة الجزائريين في كل موسم ديني، لن تستثنى في ذلك العائلات المعسكرية التي تلقى الشهر الفضيل، بقلوب مليئة بالرضي والإيمان وشوق لضيف ينفض خيراته وبركاته على الغني  والفقير.

لحم لحلو...تقليد مرتبط بالفال الحسن
 وقبيل حلول الشهر الكريم يفوح عطره عبر الأزقة والشوارع،  وتلك الرائحة التي تميز رمضان حقيقية لا هي تشبه الهواء الذي نستنشقه عادة ولا هي تشبه النسائم المعطرة بريح التوابل والأعشاب الطيبة،  وتزداد نسائم رمضان تركيزا في الأيام الأخيرة لشعبان أين تزداد نوافل الصيام وتبدأ الاستعدادات الحقيقية لاستقبال، ضيف يستقر في البيوت المسلمة في كل المعمورة، ولأنه شهر مليئ بالروحانية  والإيمان تقترب الاستعدادات لاستقباله إلى التشبيه.
 أنها حالة من الاستنفار تشهدها بيوت الجزائريين التي يخضع أغلبها للطلاء أو إعادة ديكور المطبخ  وإعادة فرش حجرات الضيوف والاستقبال، إضافة إلى اقتناء الأواني الجديدة التي تعتبر أحد الأركان الأساسية ومن بروتوكولات استقبال هذا الضيف المميز.
  وفي شأن ذلك ذكرت زينب ربة بيت وسيدة عاملة، أن اقتناء الأواني الجديدة أمر لا بد منه قبيل رمضان  ولو كانت عدة المطبخ جديدة إلا أن هذه العادة تعتبر تبركا بالشهر الكريم وإبداء للفرح بالمناسبة، وحسب زينب فإن مظاهر التبرك بالشهر الكريم عديدة على غرار التقاليد الشكلية مثل دهن المنازل وتزيين المطبخ  والفراش الجديد.
  وأشارت زينب إلى أن هناك عائلات لا توفق في ذلك بسبب القدرة المالية، وتستبدل هذه التقاليد بعمليات تطهير شاملة لأركان البيت، استبدال الستائر وغسل الفراش وغيرها، كما يتواصل التركيز على الفأل الحسن والتبرك بشهر رمضان مع قدومه، ويظهر ذلك جليا على مائدة إفطار أول يوم من رمضان التي تتزين بأشهى وألذ الأطباق ولا يخل ومنها طبق الحل وخاصة في اليوم الأول من الصيام، ولو أن وجود طبق الحل والمشكل من الفواكه المجففة يرتبط صحيا بحاجة الجسم على سعرات حرارية إضافية بعد ساعات طويلة من الصيام، إلا أن وجوده حقيقة يرتبط بالفأل الحسن وتقليد لا يمكن في شتى الظروف الاستغناء عنه ولو بقي في الختام مجرد طبق شاهد على مائدة إفطار غنية بأطباقها لا تطاله يد بعد أن ينفذ الشبع إلى البطون.
التآزر  والتلاحم صورة حيّة لتلاحم أفراد المجتمع
عموما تغير مدينة معسكر مع حلول الشهر الكريم حلتها كليا، ويبدأ ذلك حين يشرع أصحاب المحلات في تغيير أنشطتهم المهنية العادية، فتصبح المطاعم محلات لبيع الحلويات والزلابية، لكن ما يميز المشهد الرمضاني بعيدا عن زواياه السلبية، إقبال شريحة واسعة من الناس على فعل الخير واغتنام الفرص الدينية لتقديم قرابين تضاعف حسناتها في شهر الصيام.
  عادة ما يتغير سلوك الفرد داخل المجتمع المعسكري فجأة بعد تأثره بسلوكيات الآخرين، فهنا بالقرب من حي «الكنيسة» افتتح شباب أغلبهم دون سن 25 مطعم رحمة لإفطار عابري السبيل، أجمل ما فيه علاوة على الإفطار المجاني للأشخاص بدون مأوى والمعوزين، أنه صار فضاءً يؤمه العشرات من الشباب المتطوع للمساعدة بغض النظر عن أشكالهم وهوياتهم.
 أما مطعم الحاجة خيرة الذي يتوسط ساحة مصطفى ابن التهامي، يحتاج فعلا إلى حشد فاعلي الخير  والمتطوعين بالنظر إلى نشاطات أعضائه فمنهم المرابطون بالمطعم في قسم الطبخ والتحضير ومنهم من يلتزم بأشغال النظافة وخدمة الضيوف، وفئة أخرى تخرج وجبات الإفطار الى الشوارع ومداخل المدينة قصد توزيعها على المسافرين وعابري السبيل الذين أدركهم الإفطار أمام أبواب المدينة.
   كذلك الأمر بالنسبة لشلة الشباب المنظم تحت تسميات لجمعيات خيرية مختلفة عبر كامل تراب الوطن للتآزر وفعل الخير، وهذه التسميات كثيرا ما تحمل مصطلحات «جزائر الخير، ناس الخير ، ..» لكن بعضها يلمح أيضا إلى البركة في الأسماء القديمة لجداتنا وأمهاتنا على غرار مطعم الحاجة خيرة  ومطعم الحاجة مباركة هذه السيدة التي أسست لجمعية محلية «بشائر الرحمة»، وابتعدت بمساعيها خارج المدن التي عادة ما يتكفل بفعل الخير بها عناصر في ريعان الشباب، وافتتحت الحاجة مباركة مطعم إفطار مجاني بأحد أحياء المحمدية حتى تمكن المعوزين من إفطار ساخن وتلم شمل الأشخاص بدون مأوى على مائدة افطر واحدة، مع ذلك تحرم الحاجة مباركة وشباب الحاجة خيرة وجزائر الخير  وناس الخير أنفسهم من متعة الإفطار الجماعي مع العائلة التي تتوفر حصريا خلال شهر رمضان.
 قنوات الطبخ ومواقع التواصل الاجتماعي تتدخّل في الأطباق
يعتبر المطبخ أهم زاوية في البيت، والفضاء الوحيد الذي تدب فيه الحركة طيلة ساعات الصيام وبعد الإفطار، هنا تركز ربة البيت كامل قواها العقلية والجسدية للتخطيط وهندسة سفرة الإفطار لشهر من الصيام، وفيما كانت الاستعدادات الرئيسية لاستقبال الشهر الكريم داخل المطبخ تقتصر على التحضير التقليدي للتوابل والأعشاب المعطرة بداية من نشرها تحت أشعة الشمس لتبلغ أشدها من التماسك  والصلابة، إلى درسها وطحنها بواسطة «المهراز» ثم خلط بعضها مع بعض لدواع تتعلق بتداخل النكهات  أو فرد كل تتبيلة على جهة لقوة طعمها أو ذكاء عطرها.
أصبح المطبخ المحلي بمعسكر أكثر عصرية وتحضر، فربات البيوت أصبحن قليلا ما يلجأن للطرق التقليدية في تحضير توابل رمضان، فتلك المعروضة على رفوف المحلات التجارية تحت تسميات مختلفة  وأشكال متنوعة توفر عليهن الوقت وعناء الطحن والهرس والخلط، وعلى رأي زينب محدثتنا الأولى والتي هي في الأصل سيدة عاملة، أنها لن تغامر في شراء توابل معدة مسبقا ولا يعرف أصلها ولا مصدرها، فضلا إلى المتعة التي تفرزها عملية تجفيف التوابل والأعشاب وطحنها، لدرجة أن عبقها يسكن جدران المطبخ  ويكسيه رائحة مميزة.
 السيدة زينب انتقدت التغيير الذي طرأ على المطبخ الجزائري الأصيل وجعله محل تجاذب بين العصرنة  والأطباق الدخيلة، التي تروج لها كثيرا القنوات التلفزيونية المختصة في الطبخ ومواقع التواصل الاجتماعي، وأشارت زينب أن الأطباق الجزائرية التقليدية لا يضاهيها ولا ينافسها أي طبق غريب،  ويمكن أن تصبح الأطباق التقليدية عصرية بإضفاء لمسة جديدة وطيبة عليها، وفي ظلّ المد التكنولوجي  وتوسع استعمال الانترنيت صارت ربات البيوت تلج إلى مواقع التواصل الاجتماعي خصوصا لتبادل آخر  كيفيات الطبخ والأكلات الجديدة.
  وقالت محدثتنا زينب، إن ذلك يصبح حديث النساء العاملات في مكاتبهن وكل واحدة تعرض وصفة الطبق التي حضرته لكن غالبا ما يكون طبقا ثانويا لا ينافس بتاتا طبق الحريرة والشوربة اللذان لا يزالان يحافظان على السيادة على مائدة الإفطار، فلشوربة رمضان نكهة خاصة تعمد هي إلى إضفاء لمستها الخاصة عليه بإضافة القليل من أعشاب الحبق أو النعنان عليها، وتستهل العائلات المعسكرية كسائر العائلات إفطارها بالتمر والحليب ويختتم  بالتحلية التي تترك إلى آخر المطاف بعد وجبة دسمة شهية  ومنوعة.
سهرات للصلاة وصلة الأرحام  
 وخلاف الحديث عن إقامة صلاة العشاء وصلاة التراويح لارتباطهما الوثيق بشهر التوبة والغفران، يفضل المصلون البقاء في المسجد لترتيل ما تيسر من الذكر الحكيم إلى أوقات متأخرة من الليل،  وبعكسهم تدب الحركة في الخارج بعد انتهاء التراويح وتبعث الحياة من جديد في شوارع المدينة التي تدخل في سبات طيلة فترة الصيام لا يخرج إليها إلا ذو والحاجة سواء عمال كانوا أو أرباب العائلات الذين يضطرون للتسوق وقضاء حاجيات البيت ثم يعودون شبه منهكين ليخوضوا في قيلولة إلى بعد العصر.
  فكثيرون من يتفادون الخروج نهارا حتى لا تصيبهم ضربة شمس ولا يأتيهم بلاء المناوشات التي كثيرا ما تثار لأدنى سبب، وهي المظاهر التي سرعان ما تختفي بعد الإفطار لتجد الجميع جماعات في المقاهي  والأرصفة يتسامرون ويتبادلون أطراف الحديث الذي يرتكز على الفكاهة وتبادل القصص والمغامرات أمام طاولات الشاي و»الدومينو».
 في هذا الوقت أيضا، وبعد الانتهاء من أشغال البيت التي توكل غالبا للفتيات الأصغر سنا، تبدأ الزيارات العائلية بين الأقارب والجيران وهي أكثر ما كان يميز يوميات العائلات المعسكرية قبل أن ينتشر استعمال التلفزيون والأنترنيت، حيث أصبح معدل الزيارات العائلية يقل تدريجيا أمام الاهتمام الكبير بمتابعة المسلسلات العربية على الفضائيات التلفزيونية.
  وفي الشوارع مظهر لا يقل أهمية عن جلسات السمر بين الشباب والذكور، والزيارات العائلية التي تغير فعلها بسبب تأثير المد التكنولوجي، فشريحة الأطفال مازالت هي الأخرى تواصل نهج الأجيال السابقة في اللعب وعبث البراءة، فلمجرد الانتهاء من الإفطار يتوجهون إلى الشوارع اين يجدون ملاذهم بعيدا عن حركة السيارات التي تدبّ أكثر في الشوارع الرئيسية وتكاد تنعدم داخل الأحياء، فيرتفع صخب الطفولة وسط الصمت المألوف ليلا وسكون الشوارع إلى ساعات متأخرة من الليل. —

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018