زار 75 بلدا والقائمة مفتوحة..

الجوّالــــة مقــداد في مغـــامرة رمضـانية مشوقة علــى دراجتــه نحــــو المشـــــرق

البليدة: لينة ياسمين

إذا كان التاريخ يحفظ اسماء لأناس سجلوها من ماء الذهب والحبر النفيس، وباتت تذكر بين العظماء والمهمين من الشخصيات، لمواقف حدثت معهم، او لفكرهم الجديد وعلمهم المستفيض، أو لاختراع نسب لهم في الطب والعلوم الدنيوية الأخرى، أو ربما لأنهم شذوا عن اقرانهم واترابهم من ابناء المجتمع، واحترفوا المغامرة والترحال مثلا، فتلك امور تستوقف النظر فيها والتبصر مع اصحابها، والبحث في مكنونات خرجاتهم غير المالوفة، وهي الحقيقة التي وقفت عليها «الشعب» مع شاب جزائري، في مظهره يشد النظر إليه ويلفت الانتباه،  وإذا ما تعرفت إليه فتلك حلقة مهمة في الحياة، أن تجد شابا في عقده الثالث، وقد سافر الى نحو 80 بلدا، من عمق افريقيا الى الصين وأوروبا والمشرق العربي وبلاد الأناضول، والمدهش في أسفاره، أنه لم يزرها عبر طائرة فارهة أو باخرة يستأجرها النجوم والرياش من الناس، بل كانت رحلاته على متن دراجته الهوائية، وزاده راية جزائرية نصبها ترفرف، وآلة تصوير وفراش ينام عليه وقتما تعب، وأصبح بين الناس يعرف ويشار إليه بالبنان، الرحالة  «مقداد» ابن بطوطة القرن الواحد والعشرين.

«الشعب» التقته وتبادلت معه حديثا مشوقا، وعادت بواحدة من رحلاته والتي كانت في شهر رمضان من العام 2010، نحو بلدان مشرقية عربية وتركيا العثمانيين.

مقداد ... الهوية

 كل من يراه يشعر بغرابة في مظهره وشعره المجعد الطويل، وكأن «بوب مارلي» تصور في شكله، محياه ينبعث منه  السرور والفرح، حيوي،  ومن يتحدث إليه يشعر بعشقه للمغامرة، يفضل أن يناديه اقرانه بـ « مقداد « في حين اسمه الحقيقي «محمد» ونسبه يعود لعائلة «جغلالي»، كان يهوى رسم الخرائط ويحفظ عن ظهر قلب ترقيم الولايات وهو يافع صغير، وفي إراداة قوية غير مسار الحلم والهواية أصبح يعشق السفر على متن دراجة هوائية، وكانت البداية مع سفرية الى جنوب افريقيا في 2010.
هو اليوم في عقده الـ 36 ينحدر من مسقط رأسه بـ تبلاط في المدية، و يقيم حاليا بمدينة الورود «البليدة»، يعمل في التجارة ليدخر دنانير تساعده في  مصاريف الترحال والسفر، وهو صغير تحامل على نفسه وسرق خريطة بمدرسته الابتدائية، لأنه لم يكن يستطيع أن يشتري واحدة، ورسمها وأبدع، اختار التجارة والتعلم في مدرسة الحياة وصقل الخبرات، تفتحت شهيته في الذهاب والسفر بعيدا، اقتنى سيارة ثم دراجة نارية، لكنه فشل ولم يقتنع بتلك الوسيلتين، كان يجد صعوبة في الوصول عبر تلك الوسيلتين، واهتدى بعد احتكاك بأقران له الى الدراجة الهوائية، وبدأ الطريق يظهر وخطط في الذهاب الى جنوب افريقيا، لمناصرة الخضر خلال كأس العالم 2010، واختار لسفريته شعار «التعريف بثقافة الجزائر»، وقرّر ونفّذ خطته وانطلق، لكنه توقف عند حدود نيجيريا «لتدهور أوضاع البلد وقتها أمنيا وسياسيا، واستدار نحو بوركينافاسو والبنين وغانا والطوغو والنيجر، ليعاود المغامرة هذه المرة والسفر الى «الصين  وروسيا ومنغوليا» وبلدان شرق آسيا البعيدة جدا، وطموحه أكبر وشهيته لا تتوقف، وهو يعمد في تخطيط حاليا الوصول الى بلدان أبعد بأمريكا ومدغشقر، حتى يستزيد من صقل تلك المغامرات وتدوينها في مذكرات الحياة.
 
بداية الرحلة ولقاء مع سيدة «عراقية» تقدس الجزائر ...

لم يخف الرحالة «مقداد» وهو يسرد قصص مغامراته، أن حلمه في أن يقتني دراجة هوائية متطورة تساعده في رحلاته وتتبنى مشروعه أي جهة رسمية من أجل التعريف بالجزائر وكنوزها، وهو يبدأ في حكايته الممتعة الى بلاد الأناضول وبلاد الرافدين في شهر أوت من عام 2010، وكان رمضان في أيامه الأولى، قال وهو في طريقه يشق «تونس» وفي إحدى مدنها الجميلة، استوقفته سيدة في عقدها الخمسين الى الستين كانت تقود سيارة محترمة، ركنت سيارتها على قارعة الطريق وأسرعت إليه واحتضنته وقبلت الراية الوطنية وأمسكت بها بكلتا يديها، وقالت له أنت من الجزائر، فرد نعم، فقالت أنا من العراق و كنت أتمنى لو أن جزائر العظمة والشهداء جارة لنا ونحن جيران لشعبها، أنا أعشق هذا البلد و أقدسه بكل عواطفي، أنتم الجزائريون شعب محبوب ومحظوظ ويارب يحفظكم من كل شر»، ودعتني إلى بيتها واقضي بعض الوقت بين أفراد عائلتها، ويقول في دهشة أن كل ذلك جرى في وقت سريع، و يعود و يكشف، أن «السيدة العراقية» لفت انتباهها علم الجزائر الذي كان يرفرف على دراجته، وهو ما استوقف السيدة المحترمة، وواصل طريقه الى ليبيا ثم سوريا، والأردن ولبنان، ثم دخل التراب التركي.
 مقداد في بلاد آل عثمان...

يسترسل الرحالة مغامرته ويقول، إنه دخل التراب التركي عبر الحدود السورية من جهة إقليم لواء الاسكندرون وكانت إجراءات المرور سريعة جدا ولم تتعد  5 دقائق، وكان أول أيام شهر رمضان صمته على التراب التركي، حرارة شديدة متوسطها الـ 40 درجة، يسترسل ويحكي وهو في الطريق يسير مرت به سيارة رمقه السائق بنظرات غير عادية، وناداه «واش يا لبلاد»، قال مقداد كأنها ليلة القدر شهدتها، مضى على وقت لم اسمع كلمة «لبلاد»، فرحت كثيرا ونزل السائق مرفوقا بعائلته الصغيرة، وعرّف نفسه وأخبره بأنه من ولاية الشلف وهو في طريقه نحو العاصمة «أنقرة «، ودعاه أن يرافقه وعائلته، لكنه رفض في احترام وأخبره بأن برنامجه يقتضي السفر في بلاد الأتراك على متن دراجته، وتفارقا على أن يزوره في «انقره»، وواصل المسير نحو قلب تركيا.
«أقصراي» وتحدي الحيوانات الشاردة...

توغلت إلى الداخل وكانت مدينة «اقصاري» مقصدي، و أنا في طريقي إليها يقول الرحالة «مقداد» عانيت الويلات من الكلاب الضالة التي طاردتني ولحقت بي، وكنت في كل مرة أفلت منها وأنجو بأعجوبة، والمصيبة التي زادت في تعبي الحرارة التي وصلت الـ 45 درجة، كلاب تلاحقني من جهة وحرارة في يوم رمضاني صعب، وطريق في أجزاء منه تزينه حفر كثيرة، وأخيرا و صلت إلى المدينة وكان برنامجي أن أتبضّع قليلا و أتزود لأفطر لاحقا، وهنا تعرفت على تاجر ومن حسن حظي كان عربيا من العراق، كل واحد منا فرح بالآخر، لأن صديقي الجديد اشتاق الحديث بلغة الأجداد «العربية»، لأنه «لاجئ سياسي» فرّ من الوضع الأمني المتدهور ببلده، واستقر بهذه البلدة ونشط في التجارة وكانت تجارته ناجحة، وأصر عليّ أن أزوره في بيتىه ويعرفني على أسرته، وهنا كانت المفاجأة يقول «مقداد»، صديقي عراقي مسيحي، لم استوعب الأمر في البداية لكن سريعا ما تناسيت الوضع ولم أعلق، والمثير في اللقاء أن زوجته أكرمتني ورحبت بي أيما ترحيب، واستقبلوني بينهم واحترموا صومي، وأمضيت وقتا طيبا معهم، و كانت لديهم ابنة معاقة، وأخبرني الوالد بسر جعلهم يفرون من العراق، حينما اعترف بأن مجموعات مسلحة هناك أرادت أن تستغل إعاقة ابنته في تنفيذ عمل انتحاري تفجيري، فلم يكن بوسعه إلا الفرار وترك كل غال وعزيز وراء ظهرانيهم، ويعود مقداد ويقول أنه أمضى وقتا ممتعا معهم، وتزود من كرم الزوجة و أهدته «تمرا عراقيا»، ثم ودعت الجميع بمن فيهم أصدقاء صديقي التاجر العراقي ودموع وداع وحب جديد انهمرت في هدوء، ومضيت أشق طريقي في بلاد الأناضول نحو مدينة التاريخ والجمال أسطنبول».

الطريق نحو اسطنبول والعودة إلى  الوطن والأم ...
كان الرحالة الجزائري يسير بمعدل يومي يصل إلى 100 كيلومتر، وقد مضى عليه من الصوم في تركيا 17 يوما، وصل إلى العاصمة الاقتصادية اسطنبول، بعد جولة ومغامرات بين الجبال الرائعة، خاصة الطريق بجبال «بولو» أين الشاليهات الجميلة تشد النظر إليها، واستذكر في حنين وهو بين أحضان تلك السكنات الخشبية «الشريعة»، وشعر بشوق وحنين للوطن والأهل والأصحاب، ولما وصل إلى اسطنبول تعرّف إلى جزائريين وعدد من «الحراقة» الذين كانوا يتأهبون لعبور الحدود التركية نحو اليونان، ومن غرائبه وطرائفه يقول إنه تسلل مثل ما فعل ويفعل «الحراقة» إلى الحدود اليونانية  ثم عاد، ووظب أغراضه وعقد العزم على أن العودة بعد 88 يوما من الدوران والترحال، ويعترف في معرض كلامه ويقول إن مواطنا جزائريا التقاه في ليبيا الشقيقة اغترب فيها لـ 35 سنة وقتها، أثر فيه بنصيحة غالية، قال أنه حفظها ولا تزال تسكن جنباته، حينما لقيه وهو في طريق المغامرة نحو الشرق، قال له وهو يقبّل العلم الجزائري ويبكي بدموع حزن شديد، «الجزائر بلد غال وليس مثله أي بلد، إياك والغربة، لأنها تحرق دمك وتبعدك عن أغلى شيء في كل الوجود»، وعدت وأنا كلي شوق لوطني و ناسي، ولم يبق عن عيد الفطر إلا أسبوع فقط، وكانت عودتي فرحة بالعيد وفرحة بالوطن الذي اعتز به وافتخر، بعد مغامرة ناجحة.

 

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018