تجتاح الفضاءات التجارية والأسواق الشعبية

هوس التسوّق يبلغ ذروته في البليدة

البليدة: لينة ياسمين

نساء يتهافتن على شراء ألبسة العيد

 يؤثر شهر الصيام على سلوكيات المواطنين، ويغير من طبائعهم و ساعاتهم البيولوجية خصوصا وإن توافق الشهر مع فصل الصيف وموسم الحرارة، فينقلب ليل الكثير من الرجال الى نهار فيه من الحركة والسمر والسهر، ويتحول نهارهم الى سكون وهدوء ونوم لساعات طوال، تقل حركة الازدحام ونشاط التجارة والبيع، لكن الحال عند بنات حواء وسيدات المطبخ البليدي مختلف تماما. «الشعب» تابعت يوميات البليديات ونقلت صور حيّة في استطلاع ميداني بمدينة الورود.
الظاهرة المثيرة في هذا الشهر الفضيل، أنهن عكسن سلوكيات وعادات «آدم» خالفنها، ونزلن في اجتياح مثل عساكر الجيوش الى الساحات العامة، وحاصرن محلات بيع ملابس العيد، بل أن من الأذكياء من الناقلين، اهتدوا الى حيلة مربحة، بتنظيمهم لما يشبه الرحلات القصيرة من الأحياء المجاورة، وجلبن بنات حواء في أعشار وأخماس، مرفوقين في غالبية الأحوال مع أبنائهم وبناتهم، للسمر من جهة ما بعد وقت الإفطار، يتناولن المرطبات والعصائر الباردة، وللتبضع واقتناء ملبوسات العيد...
لا يقتصر الأمر على الليل فقط، بل إنهن ينتشرن طوال النهار في الأسواق الشعبية، بين محلات الخضار والفاكهة والمواد الاستهلاكية والمخابز يقتنين بنهم شراهة ويمسحن كل غال، بل أنهن اقبلن حتى على محلات المفروشات والجواهر الذهبية وهو السلوك غير المفهوم ولا المتوقع في مثل هذا الشهر.

 نساء مدمنات ومهووسات بـ «الشوبينغ»...
 المتعارف أن ظاهرة الإدمان في الغالب تكون بين فئات من الناس، يجدون أنفسهم أسرى اقتناء مواد مخدرة، لانحرافهم أو تأثير المحيط القريب منهم عليهم، لكن أن تجد إدمانا من نوع آخر مسموح وغير ممنوع ولا يذهب العقل ولا يؤثر في النفس، فذلك أمر يشبه الحكي عن خيال  «السينما»، والظاهرة  غير متوقعة في هذا الكلام، هي أن  فيه بنات حواء مدمنات على التسوق وعدم المكوث في منازلهن كلما حل شهر رمضان. هذه شهادات بعضهن.
*السيدة «سليمة»  تعترف في تصريح لـ»الشعب» في هذا الشأن،  بأن مشكلتها في رمضان  ليست في أن تشتهي الأكل والحلوى، ولكن قضيتها مع نفسيتها التي لا تقبل البقاء في منزلها، وتضطر مجبرة الى الخروج والتسوق بنفسها بشكل يومي، ولا تقبل أن يردعها أي من أفراد عائلتها ويمنعها من الخروج.
قالت سليمة: «لا يمكنني مقاومة نفسي في الخروج والابتعاد عن بيتي واهلي كل رمضان، أشعر بمغناطيس يجذبني و يدفعني للخروج، حتى و إن لم يكن لدي اي حاجة، يكفي فقط أن أخرج وأتجول لبعض الوقت حتى وإن كانت درجات الحرارة تلهب الجو، أشعر بارتياح شديد وأنا اتفرس في الناس وهم يتبضعون، ثم أعود وكأنني تناولت جرعة مخدرة واكتفيت».
لامية تقتني حاجياتها  تحت حراسة زوجها الغاضب...
تهيأت السيدة لامية واعدت برنامجا خططت له جيدا، وتدارسته مع زوجها على أن يرافقها إلى الاسواق بشكل دوري، دونما أن يتدخل في شراء أو اقتناء أي غرض كلما حل شهر الصيام والقيام، الزوج ككل مرة يوافق ومسؤوليته تتوقف في مرافقة حرمه الى الأسواق التي تريد وفقط، وكأنه «بودي غارد» أو سائق خاص مأجور لمهمة».
يقول محمد في هذا السياق، أن زوجته انقذته من نفسه الغضبانة ومن مزاجه سريع الانفعال والهيجان، وأنه اصبح هادئا خلال صومه ولا يقترب من اي متجر ولا يتلاسن أو يتشابك مع أي كان، فزوجته أصبحت منذ سنوات مديرة أعماله والاسرة ومسؤولة عن اقتصاديات وتسيير شؤون العائلة الصغيرة، وأغنته عن مسؤولية كانت تنتهي به في الكثير من الأحوال إلى شجار مع تاجر أو بائع، واكتفى بمرافقة زوجته وحراستها في صمت وهدوء، بل انه في بعض الأحيان يوصلها الى السوق ويبقى في سيارته ينتظر عودتها.
 اجتياح بنات حواء لمحلات المفروشات والمصوغات الذهبية...
قلما ترى في الشهر الفضيل محلات المفروشات والستائر والمصوغات الذهبية، تعرف تدفقا للزبائن منذ الصباح، وهي الحقيقة التي وقفت عليها «الشعب» في هذا الشهر الفضيل، حتى أن الملاحظ لهذه الظاهرة يعتقد بأنه ضرب من الجنون، أو كمن يتخيل سرابا في صحراء ساكنة وحارقة، والسر أن من بنات حواء ومن الصبايا بالتحديد، قصدن محلات بيع الذهب والأثاث المنزلي من مفروشات، بدل التسوق بين حوانيت الخضار والفاكهة والمواد الغذائية وباعة لحوم الطير والأغنام والأسماك .
^ خديجة المقبلة على حفل زفافها بعد انقضاء الشهر الكريم، أن موعد زفافها اقترب، و لم يبق إلا القليل من الوقت لتحضير مراسيم العرس، ففضلت أيام الصوم لاقتناء ما تحتاج إليه، لأن الطلب يقل في هذا الشهر وهي الفرصة التي يمكنني فيها أن أتفاوض مع صاحب السلعة وأختار السعر الذي يناسبني إن قررت الشراء، تقول عروس المستقبل.
التسوّق أفضل من البقاء بين أربعة جدران...
^ آمال العزباء يتغير سلوكها في شهر الصوم، كشفت في حديث خفيف لنا، أنها تفضل الخروج حتى وإن كان الوقت ظهرا أين تكون الشمس في قلب السماء والحرارة في أوجها قائلة: «أضع نظاراتي وقبعتي وأتحين السير بأماكن فيها ظلّ و تيار هواء، انظر في طلباتي ولا اعتمد على شقيقي الخامل في تلبية حاجياتي، فهو لا يستفيق إلا مع العصر، في حين أكون أنا قضيت صباحي بين الأعمال المنزلية وترتيب ما يلزم ترتيبه، وعند الظهيرة أستغل وقت فراغي من أعمال البيت، في التجول وقتل ما تبقى من وقت، قبل أن اعود الى المنزل واشارك والدتي وشقيقتي التحضير لموعد الإفطار.»
 اضافت امال  بأن خروجها يزداد كلما اقترب العيد، وهي الفرصة التي ابحث فيها عن لباس جديد للمناسبة وشراء مستلزمات صناعة حلوى العيد، وتستدرك قائلة إن عطلتها السنوية تفضلها في شهر رمضان، خاصة وإن توافق الشهر مع فصل الصيف.
حواء تزاحم آدم في المقاهي...
الملفت غير المتوقع في رمضان الجاري، أن سيدات المطبخ وبنات حواء، نافسن الرجل وزاحمنه في الأماكن التي يفضلها، وهي الظاهرة التي تراءت للعيان في ليالي هذا الشهر وفي الأسبوع الأخير منه، فمن النادر في الجزائر قاطبة أن تجد «حواء» تتخذ من المقهى مكانا وملاذا لها، تتبادل أطراف الحديث مع قريناتها وأسرتها، وتتلذ بطعم المرطبات والمثلجات المنعشة، حتى أن بعض الرجال من بني آدم «ذاق بهم الأمر واستغربوا الأمر مؤكدين أن سلوك حواء له الأثر المباشر على سمرياتهم ولعبتهم المفضلة «الدومينو».
جلوس ادم يرتشف القهوة ويطالع أخبار الصحف ويضرب أحجار «الدومينو» المرفق احيانا بصراخ، صور كلها ذهبت ولم تعد في رمضان هذا.
 والمثير أن بنات حواء يستمتعن بتلك «القعدات» وهن ينتشين وكأنهن يثرن ويستفزن «آدم « ويقلن له  «ما حلى فراقك في ليالي الظلمة الغايمة، أحنا بنات حواء ونتوما اولاد آدم، لينا الدالة والهمة العالية وليكم الزعاف والدار الفانية»، وهكذا قضت وتقضي بنات حواء ما تبقى لها من أيام الضيف الكريم.

 

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018