اختاروا مهنتهم لإنسانيتها ...

رجال الحماية المدنية....سعادتهم متعلقة بإبعاد الضحايا عن الموت المحقق

البليدة: لينة ياسمين

 لما تسألهم عن سبب اختيارهم لمهنة شاقة تحيط بها المخاطر من كل جانب، يقولون وكلهم ثقة وبإجماع أن شغفهم إنقاذ أرواح الناس وتقديم المساعدة ليس له حدود، بل هم مستعدون للعمل والتضحية بحياتهم لينقذوا حيوانا وليس كائنا من البشر، وأكثر من كل ذلك هم مستعدون أن يتنازلوا عن رواتبهم ولا يتقاضوا لا درهما ولا دينارا، ولكنهم لن يصبروا على عملهم والتدخل، فلقبهم سرى على كل لسان، وحفظته المجتمعات وعشقه الصغار والكبار وأعجبوا بها إلى حد الافتتان، فاستحقوا باعتزاز لقب “ملائكة الأرض”، لقب فيه من الروحانية السامية والقيمة الرمزية من السماء العالية.
 رافقت “الشعب” بعضا منهم في  مغامراتهم واعترافاتهم، وعادت وفي جعبتها حكايا جميلة وأخرى حزينة ليوميات “ملائكة الأرض” أو رجال الإنقاذ وأعوان الحماية المدنية، روتها على الورق بحبر فيه من العواطف والمشاعر المختلطة.
رشيد “الرجل المنقذ” ...
 استحق بجدارة أن يرتبط اسمه بالسلسلة التلفزيونية الأمريكية “الرجل المنقذ”، هوسه بعمله لا يوصف وليس له حدود، يعترف في عفوية كلام وبديهة جواب، أنه مستعد أن يضحي بأجرته وبكل شيء إلا عمله، فهو يشعر بأن روحه معلقة به، ولا يمكن أن يتقمص عملا آخر، يقول عن بعض مغامراته الأكثر إمتاعا ويفتخر بها وفيها، أنه ذات مرة دق جرس النجدة، استعد وخرج مع أصحابه في العمل، ووقفوا على مشهد لم يكن بالبال، بنتان تصاحبتا وتعارفتا واحبتا بعضيهما بعضا، احستا بيأس وانهيار في النفس لأنهما لم تتحصلا على نقاط جيدة وخسرتا طورا دراسيا كاملا وشعرتا بعدم قيمتهما، وقررتا من دون عقل وتدبر ان الخيار الأفضل للهروب من الفشل الانتحار من فوق عمارة عالية والناس يشاهدون في خوف.
قال رشيد:«كنا أمام موقف صعب وحرج والوقت يجري بسرعة والتوتر بدأ يظهر على أعصابنا، لكن الخبرة والموقف الخطير لا يقبلان بأي توتر أو خطأ في التدبير، وكان التدخل سريعا ودار حوار بيني أنا وزميل لي والصبيتان، وبدأنا في اقناعهما دونما أن نقترب منهما، وتلاشت مخاوفهما شيئا فشيئا وثقتهما في النفس بدأت تعود، وبكتا واقسمتا على الاجتهاد والعمل بجد للنجاح مستقبلا، وانتهى المشهد وسط الزغاريد وفرحة الأولياء بعودة ابنتيهما سالمتين من غير سوء”.
وأضاف رشيد ان مغامراته تعددت وتدخلاته تضاعفت، وأن عملهم صعب لكن حبه له أعماه وارتبطت حياته به إلى درجة الهيام، وأكد بأنه رغم المخاطر والحوادث والكوارث، إلا أنه يشعر بالسعادة في تدخله وهو ينقذ مصابا في حادث سير، ويسعف مريضا تعرض لمغص أو ألم حاد فجأة، أو حيوان علق بين الأشجار أو بئر عميق أو عمود كهرباء، وحينما ينتهي من علمه وتعود الحياة للمصابين، ينام من غير أرق وقد طرد كوابيسا لازمته لأيام وأزعجته في يقظته وغفوته حتى جرس الإنذار، ويعود انسانا اجتماعيا بعد عزلة اختارها مضطرا.
محمد الدين من أجل حب المخاطرة ...
نشيط وحيوي جسمه لا يقبل السمنة أو الزيادة في الوزن، راحته عمل وعمله راحة، لا يتوقف عن الحركة ليل نهار، ولو أن الزمن توقف فهو لا يتوقف، يقول في وصف عمله بأنه ممتع للغاية وإنساني خالص، ورغم الخطر والمخاطر فهو لا يتأخر في التدخل لإنقاذ المصابين في أي حادث، معرضا حياته للخطر، ثم ان الممتع في عمله أنه ورفاقه يقصدون أماكن لا يذهب اليها الناس، عناوين يحفها الخطر بل هي الخطر، مثل حريق اشتعل في غابة أو مصنع، أو فيضان مياه وادي في فصل الشتاء تسرب إلى مساكن وأحياء شعبية، أو شخص علق بين هيكل مركبته في حادث سير.
محمد الدين رجل إطفاء سألته “الشعب” عن عمله فقال أنه يؤمن بقدراته رغم نقص الإماكانات المتاحة، ويُسعد في كل مرة يدق فيها جرس الإنذار لأنه سيكون سببا في إنقاذ روح بشرية في حادث ما أو حريق اندلع، فهو يستعد نفسيا ويتحضر ذهنيا فربما سيكون خروجه للإنقاذ دون عودة، ولكنه يشعر بالمتعة ولا يتأخر عن الالتحاق بأصحابه.
ويستعيد محمد في حديث هادئ وهو لا يتوقف عن التبسم والضحك، بأنه في واحد من التدخلات الغريبة والصعبة، سقطت سيدة من الطابق الخامس لعمارة، انزلقت رجلها من على الشرفة حينما كانت تنشر غسيلها، فقدت توازنها ووجدت نفسها في الهواء تهوي والريح تلامسها، لكنها لم تصل إلى الارض بل ظلت معلقة على مستوى الطابق الرابع، وكم كانت سعادتهم كبيرة عندما تمكنوا من سحبها بلين وهدوء وانقذوها من موت محقق، وفي تدخل ثان كانت سيدة تحمل رضيعها وتريد قطع الطريق، وفي أول خطوة لعبور الطريق مرت شاحنة صغيرة وباغتتها على حين غفلة وسحبت من يديها صغيرها فسقط ولم يتنفس بعدها أبدا، مات الصغير وانهارت والدته ولم تصدق أنها فقدته في لمح البصر، وكان الحادث كابوسا لم يفارقني في غفوتي ويقظتي إلى اليوم، فأنا أتألم كلما أتذكره.
أملهم تعزيزهم بتجهيزات ومعدات لتقديم الأفضل ...
أكد رشيد ومحمد الدين بالإضافة إلى زملاءهم، أنهم سيقدمون الأفضل وينقذوا الناس وكل كائن يحتاج لمساعدتهم أكثر ويبعدوا عنهم الخطر، ولكن في المقابل سيتحقق ذلك بتوفير الإمكانات المادية والمعنوية الأفضل لهم، وقال رشيد أن التطور الذي عرفه عالم الإطفاء أوجد طرقا وأجهزة أصبحت تعتمد تستعمل لتخفيف الانزعاج والهلع الذي يحدث عند دق جرس الإنذار، أما محمد الدين فقال أن ما يزعجه هو احتقار بعض الناس لهم، ومضايقتهم لهم خلال تدخلاتهم، وعدم السماح لسيارة الاسعاف مثلا او شاحنة الإطفاء المرور بين المركبات للوصول بسرعة إلى مكان الحادث، فضلا عن غلق الطريق بالأزقة الشعبية من قبل الباعة وصغار التجار، وهو يعيقهم في الوصول إلى عناوين الحوادث أو إسعاف المرضى في حالات استعجالية ما يؤخرهم في تقديم المساعدة لهم.
 لكنهم على العموم فخورون بعملهم ولا ولم يندموا على اختيارهم، ويعتزون بأنهم ينتمون إلى عائلة واحدة، ربطتهم علاقات حميمة، فصاروا أسرة واحدة، يتقاسمون المر والحلو، والحزن والفرح، ينقذون الأرواح وينقلون المصابين والجرحى والمرضى ويطفئون الحرائق والنيران، ويساعدون المنكوبين في فيضان حدث أو هزة أرض ضربت مكانا ما، ولا يتذمرون إطلاقا، فهم ملائكة فوق الأرض بإمتياز ودون منازع.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018