أعراسنـا تفقد حرارتها الحميمية

قاعــــات الأفـــراح تختـــزل المناسبـــة في طبـق الأكــل

فتيحة/ك

الطبــاخ يعــوّض أمهــر النســاء

يعتبر فصل الصيف موسم الأفراح والأعراس وهو محطة لمواعيد تلتقي فيها العائلة لتجدد روابط القرابة و لقاء الأجيال المختلفة للعائلة الكبيرة، في صورة جميلة للامتداد والتواصل، الذي كانت بدايته دوما لحظة سعادة، اتفق الجميع على تسميتها “زفاف العروس للعريس”.....صفحة صيفيات “ تعرض التفاصيل في هذا الاستطلاع.
كانت  أمهر نساء العائلة تطبخ وتصنع الحلويات اللذيذة، أما اليوم أصبح المهمة مكفولة إلى أشخاص يمتهنون هذه الصنعة “طباخ الأعراس”، سألت “الشعب” بعض المواطنين عن سبب تحوّل العرس من مناسبة عائلية إلى موعد رسمي ينتهي مع خروج العروسين من قاعة الحفلات.
عادات في طريق الاندثار
دوجة صواليلي، 65 سنة، سيدة من الجيل الذي عرف جمال وسحر الاعراس التي كانت تشتهر بها العاصمة خاصة احيائها الشعبية، أجابت عن سؤال “الشعب” قائلة: “فقدت الاعراس العاصمية الكثير من تقاليدها التي كانت تصنع بهجتها، بل أكثر من ذلك انحصرت في اسم شخصين هما رجل وامرأة اتفقا على الارتباط، لأن العائلة فقدت دورها من أول خطوة في هذه العلاقة المقدسة الى آخر يوم منها، ففي الماضي كان الأهل من يختارون العريس ومن يزوّجون بناتهم، أما اليوم فأصبح الأمر مختلفا فهما من يتفقا على كل شيء حتى ترتيبات العرس، هما من يقررا إن كان سيكون أم لا، فالفتيات اليوم صرن يركزن على المظاهر ويتركن الجوهر الذي كان يجعل من العرس فرصة كبيرة لالتقاء جميع أفراد العائلة من أكبر جد الى أصغر حفيد، وهكذا يشعر الكبير والصغير بامتداده ما يعطيهما شعورا بالفخر والقوة، أما اليوم فابن العم لا يعرف ابن عمه لأسباب أصبح الكل يربطها بالعصر و تسارعه المذهل نحو الغد.”
 تأسفت “دوجة” قائلة: “كانت الأعراس في الماضي تتميز بكثير من الحميمية التي كانت سببا في طرد الضغائن والعداواة سواء كانت بين الجيران أو الأقارب، فكانت تجتمع النسوة بأيام قبل العرس لـ«فتل “ كسكس العرس، وكذا تجهيز كل ما يلزم لتلك الوليمة، فتراهن يوم العرس تطبخن بكل حب ومهارة ليأكل الجميع بعيدا عن أية حسابات أخرى، ثم تراهن يجتمعن في الأسطح ووسط الدار يغنين ويرقصن بكل فرح وسعادة، هذه البساطة التي نفتقدها اليوم . لا نعرف الاعراس التي نحضرها اليوم، فلا هي جزائرية ولا غربية، ولا لباس التصديرة وحايك المرّمة أو البرنوس الذي تلبسه العروس لما استطعت عن هويته.”
أضافت دوجة أن العرس، اليوم، أصبح مجرد موعد يكتب على المفكرة فلا حلويات تحضر في البيت ولا طعام يطبخ في المنزل، بل أكثر من ذلك صار “التباخ” هو من يتكفل بطبخه و هذا بحسبها أمر مؤسف جدا لأن الطبخ في الاعراس كان فرصة للفتيات ليتعلمن الطبخ والتقاليد التي كانت تميز أعراس الجزائر .
 الطلب متزايد....
جمال – س.: يعمل طباخ أعراس، قال عن مهنته: “عرفت السنوات الأخيرة تحولا كبيرا في الاعراس وأصبح تعب الطبخ في هذه المناسبة من الماضي، لأن  اليوم أوكلت المهمة إلى من يمتهنها ولم يصبح جنس الطباخ مهما، لأن المهم الاستمتاع بكل دقيقة من العرس خاصة لأهل العروسين الذين كانوا يقضون كل وقتهم في الأعمال المنزلية، لذلك أصبحت قاعات الحفلات و الـ«الحلواجي” والتباخ” ضرورة لكل سيدة تريد عرسا بلا تعب.”
أضاف جمال: “عملت في هذا المجال منذ ما يقارب الخمسة عشرة سنة فبعد تحصلي على شهادة معتمدة في الطبخ عملت في أحد الفنادق، ولكن عرس أخي كان نقطة تحول بالنسبة لي لأنني اضطررت الى الطبخ بسبب مرض والدتي، ولأن الجميع أعجب بأكلي، أصبح جيراننا يطلبون مني أن أقوم بطبخ أكل وليمتهم، ومع مرور الوقت أصبح لي اسما، ما جعلني أتخلى عن عملي في الفندق وأتفرغ لهذه المهنة التي جعلتني أتعرف على الكثير من العائلات بل بعضها أصبحت تربطني بهم علاقة طيبة، في البداية كنت أعمل وحدي ولكن بعد أن تزوجت أصبحت زوجتي تساعدني في مهمتي خاصة وأن العائلة الجزائرية تفضل وجود امراة للتواصل مع النساء .”
 عن أجرته التي يتقاضاها في الليلة قال جمال الذي كان مرفوقا بزوجته كميليا إنها الاجرة، بحسب الشخص ونوع الطعام الذي يقوم بطبخه، ولكن متوسط الأجرة لا يتجاوز الـ 40 ألف دج، وهو أجر تفضل العائلة إضافته الى تكاليف العرس فقط من أجل الاستمتاع بالراحة وبفرحة الزفاف، ولكن الاكيد أن العائلة الجزائرية تخلت عن الكثير من التقاليد في الاعراس والافراح لأن نمط  الحياة تغير كثيرا عما كان عليه من قبل.
عدد المدعوين وقائمة الطعام يحدّدان السعر
حورية طيب، 64 سنة واحدة من السيدات التي تعمل كطباخة في المناسبات والولائم بالقبة وبالأحياء المجاورة لها، سألتها “الشعب” عن مهنتها فقالت: “كانت بدايتي بسيطة، لأنني كنت مجرد سيدة تساعد من يطلبها في طبخ طعام الوليمة، ولكن ومع مرور الوقت تجاوز الأمر مهنة المساعدة إلى تكفلي بكل أطباق الوليمة وبكل صغيرة وكبيرة في إعدادها لذلك، لذلك تحوّلت إلى مهنة لها مدخول جيد خاصة في فصل الصيفه أين تكثر الولائم والأعراس، خاصة أنك تضطر الى ترك منزلك وعائلتك الى ساعة متأخرة من الليل، بل الأمر تجاوز الولائم الى الجنائز التي أصبحت هي أيضا تعتمد الطباخ من أجل اعداد الوجبات لكل المعزين خاصة في “ثلاثة أيام” و “الأربعين”.
أكدت حورية أنه وقبل العرس بأيام يتم حجزها لإعداد طعام الوليمة، طبعا تقوم بضبط قائمة المدعوين وعدد الاطباق وأنواعها التي تريد تحضيرها وعلى حسب هذان العاملان، تحدد السعر المناسب لذلك اليوم، وكذا تحديد قائمة اللوازم التي تحتاجها الاطباق المعدة، فالملاحظ ان الكثير من العائلات الجزائرية تخلت عن الكسكسي وأصبحت تفضل الاطباق مثل الشربة، شطيطحة
لحم، المثوّم، لحم لحو، البوراك، وكذا السلطة التي غالبا ما تكون خسا وبعض خضراوات الموسم بحسبها، أما فيما يخص السعر، فقالت أنه محصور بين الـ 40 ألف دج و 90 ألف دج.
وأخيرًا..
لن يختلف اثنان فيما قيل ولكن الاكيد أن التسارع الذي تعرفه حياتنا اليومية جعلت من التقاليد مهمة صعبة، خاصة وأن العائلة الكبيرة تقلصت لتصبح مقتصرة على الاسرة النواة، هذا النمط الجديد لحياتنا جعلنا نغترب وسط دوامة تسحبنا في كل  حال نحو الداخل، ونحن غافلين تماما، إننا في كل مرة نتخلى فيه عن أحد تقاليدنا نفقد مقوما من مقومات هويتنا.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17493

العدد 17493

الجمعة 17 نوفمبر 2017
العدد 17492

العدد 17492

الأربعاء 15 نوفمبر 2017
العدد 17491

العدد 17491

الثلاثاء 14 نوفمبر 2017
العدد 17490

العدد 17490

الإثنين 13 نوفمبر 2017