يوميات صيفيــة

عائـد مــن مدينـــة خضـــرة (مستغانم)

بقلم عيسى نكاف

 لا أود أن أسمّي مسميات مدننا بألقاب المستعمر الذي شوّه أسماءنا وعاث في أرضنا اغتصابا وفسادا، أهلك الحرث والنسل وقام بجرائم ضد الإنسانية. “بيكار الاستعمار” خضراء الحلم الممتد على شريط ساحلي تتوسط مدينة تنس العريقة ومستغانم، خضراء التاريخ لا يخجل، إنه فخور، التاريخ يعود هذا الصيف الرائع، يتحرك بالرجالات الذين صنعوا معنى الحياة.
 أنا مبهوت بمنطقة عمرانية تزدهي بجمال خلاب تأسر الناظرين، بناءات استعمارية لا تزال شاهدة على مرحلة مقيتة، ينطق الحجر والشجر والأمواج النابضات عشقا، زاحفات على الروابي تبايع طهر جبال الظهرة الشامخات.
هل بدأت الحكاية في نزال مع الزمن أم أنا أتراجع إلى منبع الأسلاف؟ خضراء سميت هكذا لخضرتها، لمزارعها الفلاحية الممتدة أقصى البصر، منطقة الكروم والبرتقال والكليمونتين، استعمار نهب خيراتنا في وضح النهار.
 الحكاية تبدأ من قصيدة لشاعر أراه معتوها حينما يردّد أشعارا لبيكار التي حلم بها، وما يغني بلادة الحلم حينما يقول هذا المسمى “إيميل إيبيستو” قمت بترجمتها: “بيكار مدينتي مثل علم يترفّع في المساء مثل هواء واسع، طماطم، عنب، برتقال، كليمونتين. باسم مدينة بيكار، الشمس تشتعل لأنها تعشق وجهك، أمطار تغني لأرصفتنا بمثل علم يترفع على الريح، مثل نجمة تضيء وصورة عجيبة، باسم مدينة بيكار، إن وصف شاعرهم الموبوء بداء النرجسية والعنصرية لا يرقى إلى الإنسانية ولا ينزل منزلة نبل العاطفة”.
 حينما يصيغ أبيات شعرية بذيئة همجية لوطن ليس وطنه، ولشعب يلعن فرنسا لعنا ويكفر بأصنامها وزبانيتها، ويمضي إلى عمق الكره الدفين، بيكار لن تكون إلا مدينة خضرة حباها الله بأراضي فلاحية اغتصبوها اغتصابا وحول كولونكم أهلي عبيدا، انتفعتم أيها السفلة بامتصاص دماء الأسلاف.
صورتك مشوّهة أيها الشاعر الأحمق، لن تقول الحقيقة، أقول لك إن بيكار التي تدعي أنها مدينتك صارت خضراء يستحي منها الجمال، صارت مدينة للأمل، لأناس بسطاء يعيشون بأرضهم بأمن وسلام، لقد ارتحلت مع بيكاركم وبقيت خضرة شامخة.
ألا تخجل أيها الشاعر مما فعله عساكركم، لم تذكر في قصيدتك “البئر العميق بمزرعة الشهيد قاسمي لكحل” لما زفت إليه جموع المناضلين المجاهدين الشرفاء ورموا أحياءً، كنت أنصحك بأن تكتب قصيدة شعرية أو أنا أكتبها بدلا عنك أيها التافه الجبان وأسميها “جماجم البئر”، الجب حتما سيذكر المأساة، سيذكر التاريخ غلاتكم، وبشاعة ما فعلتم وما فعل جنرالاتكم المجرمون في حق شعب أعزل.
 لقد لوحوا لي أصحاب البئر وهم يدركون أن فجرهم بزغ،وأنّ شمس حريتهم ولجت الآفاق، الآن تتذكّر أجيالنا آباؤهم الذين صفدوا في السلاسل ويرون آباؤهم وقد سقطوا مثل الورود التي عطشت لها الأرض، أنتم أنضال في صنيعكم صاح البئر لساكنيه، استبشروا لقد رحلوا من أرضنا، إن شعرك لا يصلح. كان المساء استقلت الحافلة من “خضرة” إلى بلدية تاوقريت.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17496

العدد 17496

الإثنين 20 نوفمبر 2017
العدد 17495

العدد 17495

الأحد 19 نوفمبر 2017
العدد 17494

العدد 17494

السبت 18 نوفمبر 2017
العدد 17493

العدد 17493

الجمعة 17 نوفمبر 2017