التاريخ

كتاب لا يكتبه إلا صادق أمين

فتيحة كلواز

هي ذكرى نسترجع تفاصيلها لنعيش أحداثها كما لو كنا مع من صنعها في  هجومات الشمال القسنطيني20 أوت 1955و مؤتمر الصومام سنة  1956..تعود الذكرى اليوم و الجزائر في مخاض عسير لن يخرجها منه سوى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجال يشبهون في إخلاصهم ووفائهم هؤلاء المجاهدين الذين ضحوا بالغالي والنفيس من اجل كسر خيوط الظلام و بزوغ فجر الحرية، لكنهم  بحاجة اليوم إلى جرعات زائدة من الوطنية حتى يترسخ داخلهم إيمان صادق بجزائر قوية بأبنائها كما آمن سابقيهم بان الاستقلال واقع لا محالة رغم قلة الإمكانيات و تصنيف قوة الاحتلال في المرتبة الرابعة عالميا. 

تلك الجرعات لا تصنعها المخابر الطبية بل مخابر  التاريخ التي تنقل التجارب الإنسانية للشعوب إلى الأجيال القادمة ، لكن كتابة تاريخ الثورة التحريرية صعب جدا حسب ما قاله المجاهد محمد كشود فتاريخ ما قبل الثورة التحريرية واضح مكتوب عند العدو الفرنسي من جهة  و مكتوب عند الجزائريين أيضا لا يبقى سوى أن يُحكم قارئه عقله و يقرأ ما بين السطور لكي يتمكن من معرفة الحقائق التاريخية رغم أن التاريخ ليس بالعلم الدقيق لا نستطيع كتابته بتفاصيله الدقيقة ، حتى نكتبه يجب أن نبدأ من الأساس ففي 1954 كانت نسبة الأمية 97.5 بالمائة أميين أما الباقي 2.5 بالمائة فلم تكن لديهم شهادة الابتدائية، واغلب من قاموا بالثورة هم من عامة الشعب.
واعتبر المجاهد كشود اختصار الشهادات الحية في شهادة المجاهدين أمام الأطفال اهانة للثورة والمجاهدين لأنهم عاجزين عن استيعاب الحقائق التاريخية التي يقدمونها لهم فكيف يستطيع ان يصدق طفل أن مجاهدا مثلا اسقط طائرة عسكرية بـالبندقية «الفوشي» بل قد يشكك في شهادته و لكن الواقع أننا كنا نتمركز في اعلي الجبال ما يضعنا في نفس ارتفاع طيران  الطائرات العسكرية ما يعطي مصداقية لهذه الرواية التاريخية.
كما كشف كشود أن بعض المجاهدين في 1962 وجدوا أنفسهم محل مساومة حيث اضطروا لتقديم شهادات مزورة تثبت المسار النضالي لشخص يمكنه أن يمنحهم عمل ما خلق، فالظروف التي عاشوها جعلهم يقدمون على فعل يتنافى و مبادئهم الثورية فقط لإعالة عائلاتهم التي تركوها سنوات طويلة من اجل الجزائر، أما الوصوليين والانتهازيين الذين اغتنموا فرصة الاستقلال ودخلوا في صفوف المجاهدين.
أما عن كتابة المجاهدين لمذكراتهم الشخصية فقال كشود، انه كان من مؤيديها و مشجعيها رغم انه كان على علم بوجود سلبيات فيها و السبب انه عندما كان يشارك في ملتقيات كتابة الثورة كان يسمع من بيطاط و آخرين لكن خوفه من أن يأتي جيل يقول أن هذا التاريخ كتبته الدولة جعله يشجع على كتابة مذكراتهم الشخصية لتاريخهم الثوري، معتبرا أن هذه الخطوة جيدة لمن يقرأ ما بين السطور ، ولكن في المقابل تدخل فيها ذاتية لكن دخولها في الكتابة التاريخية يغير بعض الحقائق كقضية المجاهدين المزورين التي أثارت الرأي العام في التسعينيات.
التاريخ كتاب تفتحه الأجيال لتتعرف على نفسها من خلال ما صنعته الأجيال السابقة لكن غموض وتناقض بعض الشهادات لمن عايشوا فترة واحدة يسكن داخلهم الشك والخوف و يحول الأرض التي يقفون عليها تتأرجح ،ما يفقد أجيالا كاملة توازنها و يبعدها عن مهمة التقدم و التطور، لان الشك إذا غرس داخل الواحد منا يلهيه عن كل الحياة التي يعيشها و يسجنه داخل قفص أسلاكه أشواك الكذب التي تستأصل ممن سجن داخله الثقة والأمان.
كل ما نراه اليوم من شعارات ترفع هنا وهناك تجعلنا أمام سقوط قامات كنا نظنها لا تعرف إلا المجد والخلود، أسماء تربت أجيال كاملة على وطنيتها و تضحياتها أصبحت علكة رخيصة و حاشاها أن تكون في أفواه من لم يفقهوا من التاريخ إلا شطحات و تخيلات لأنهم لم يكونوا يوما من المشاركين في الثورة التحريرية بل لا يملكون القدرة حتى لكتابة تاريخ امة، الخزعبلات التاريخية  جعلت الأجيال التي لم تعايش الثورة التحريرية وسط إعصار اختلط فيه كل شيء..أصبح الكل يشكك في وطنية الكل و أصبح المجاهد يشكك في من حمل السلاح معه لإخراج الاستعمار من ارض الوطن جنبا إلى جنب.
هذا الإعصار المدمر لكل القيم الوطنية والمتمرد على كل ما هو هوية و تاريخ لا توقفه إلا شهادات حية لمن كانوا في الجبال يعيشون في ظروف صعبة وصلت ببعضهم إلى شرب «بولهم» و أكل العشب «الحشيش» فقط للإبقاء على الحياة داخل أجسادهم لحمل السلاح وتحقيق حلم الحرية، هؤلاء فقط من يكتبون تاريخ ثورة شعب أراد الحرية وثار لأجلها في ذات أول نوفمبر سنة 1954، شعب قال له الربّ «أمرك أمري».

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18099

العدد18099

الأربعاء 13 نوفمبر 2019
العدد18098

العدد18098

الثلاثاء 12 نوفمبر 2019
العدد18097

العدد18097

الإثنين 11 نوفمبر 2019
العدد18096

العدد18096

الأحد 10 نوفمبر 2019