شباب يبدع في رسم صور حضارية راقية كل جمعة

«التيفو» ... وسيلة للتعبير عن المطالب بطريقة سلمية

عمار حميسي

ظاهرة شعبية تتداول عبر شبكات التواصل

مازال الحراك الشعبي الذي تعرفه الجزائر يصنع الحدث على المستوى المحلي و الدولي بفضل ثقافة السلم التي تميز هذا الحراك و هو ما منحه احترام الجميع سواء داخل او خارج الوطني، و عرف الحراك الشعبي ظهور العديد من الظواهر التي ارتاينا خلال هذا العدد من «شباب بلادي « تسليط الضوء عليه و يتعلق الامر بظاهرة «التيفو» او اللافتة العملاقة التي يتم خلالها رسم شيء يرمز لأمر معين بطريقة فنية رائعة و هي الظاهرة التي بدأت من ولاية البرج لتنتشر عبر مختلف الولايات .»شباب بلادي» تفتح هذا الملف وتعرض قراءة آنية للظاهرة المتكررة كل جمعة

يتسابق مختلف شباب الوطن، كل نهاية اسبوع، من اجل لفت الانظار من خلال «تيفو» عملاق يتم وضعه في مكان مميز في الولاية أو المدينة التي ينتمون إليها و يقومون خلال هذا برسم معين يرمز الى ما يريدون قوله أو الرسالة التي يريدون إيصالها الى العالم من خلال رسم بسيط بطريقة فنية مميزة.
رغم أن الأمر يبدو بسيطا، إلا انه يتطلب جهدا كبيرا بالنظر إلى كبر اللافتة العملاقة التي تتطلب وقتا كبيرا من اجل رسمها دون نسيان التكاليف المالية التي تصرف من أجل الحصول على قطعة القماش الكبيرة و الألوان المستعملة في رسم الكاريكاتير العملاق والذي يتم وضعه، يوم الجمعة.

البداية قصر «الشعب» بالبرج


بعد السمعة العالمية التي صنعتها «تيفوات» ولاية البرج التي كانت تتجدد من جمعة إلى جمعة وتكشف رسومها عن رسائل سياسية واجتماعية تختصر واقع الجزائر وتحدي الحراك الشعبي الذي بات الشباب يعبرون عنه في رسومات عملاقة انتقلت من الملاعب إلى قلب المسيرات وتحولت إلى ظاهرة شعبية انتقلت ظاهرة «التيفو» إلى باقي الولايات وكانت أهم سمة ميزت أيام الجمعة من الحراك .
بات الجزائريون المشاركون في مسيرات الجمعة ينتظرون بشغف كبير ما تكشف عنه اللافتات الكبيرة التي زينت واجهات العمارات والساحات العمومية وتحولت إلى محج للمتظاهرين على غرار ما حدث طيلة شهرين في ولاية البرج حيث يعكف الشباب طيلة أسبوع كامل على تحضير رسم عملاق يتضمن الكثير من الرسائل السياسية الواقعية في شكل رسومات هزلية حيث حملت مختلف لافتات «التيفو» صور تعبر عن حب الوطن و درجة الوعي الكبير التي أصبح يتحلى بها الشباب في مختلف الولايات في رسالة واضحة إلى ضرورة الاستمرار في الحراك التاريخي للجزائريين الذي دخل شهره الثالث .
خطف «التيفو» الذي قام بعض الشباب بوضعه في ولاية البرج الانظار لجماله و الرسائل المهمة التي كان يريد ايصالها الى العالم الداخلي و الخارجي  وتضمن «التيفو» صورة سجن وضبع وناقة وشخص يعزف بالمزمار وغيرها من الرسومات التي تعبر على ضرورة استجابة المعنيون بالامر لمطالب الشعب والابتعاد عن الوعود وإطالة عمر الأزمة التي طالت اكثر من اللازم و ايجاد حل عاجل لها اكثر من ضرورة من اجل الالتفات الى امور اخرى كتطوير الوطن والمساهمة في رقيه و ازدهاره.
انتقلت ظاهرة «التيفو» إلى باقي الولايات وكانت أهم سمة ميزت يوم الجمعة من كل اسبوع من الحراك على غرار ولاية البويرة التي صنع فيها الشباب مساحة كبيرة لأنفسهم لتكون محج الآلاف من المتظاهرين وزينوا واجهة البنايات من خلال «تيفو» رائع يجمع بين الإبداع والوعي تحت شعار «هنا فخامة الشعب» وصور «تيفو» البويرة يدا مرسوما عليها العلم الوطني تصافح يدا أخرى تحمل الراية الأمازيغية في صورة معبرة عن ضرورة التوحد والاتحاد والابتعاد عن كل صور العنصرية والجهوية في جزائر موحدة يبنيها الجميع كما حررها الجميع وجاء في قلب «التيفو» صورة شاب يحمل كيسا به مجموعة من العصابة في رسالة معبرة عن ضرورة الاستمرار في محاسبة واعتقال الفاسدين الذين نهبوا أموال العباد والبلاد .
كان «التيفو» حاضرا في العديد من الولايات الأخرى على غرار ولاية عنابة التي فضلت تأبين وتعزية الشاب الذي لقي حتفه في الحراك الشعبي حيث حمل «التيفو» العملاق صورة هذا الشاب تحت شعار «سلمية.. سلمية» و»من أجلك عشنا يا وطني».  بولاية سعيدة اختار الشباب رسما هزليا عملاقا يعبر عن ضرورة معاقبة العصابة التي سرقت البلاد بتطبيق العدالة والاستجابة لمطالب الشعب وبالعاصمة تزينت إحدى العمارات بصورة شاب جزائري يقطع قميصه الذي كان مرسوما عليه العلم الفرنسي ليظهر من تحته العلم الجزائري في إشارة رائعة إلى ضرورة التخلص من التبعية الفرنسية وإنقاذ الجزائر من جميع المسؤولين الذين يخدمون أجندات أجنبية .
 كانت ولاية المسيلة حاضرة بقوة في التعبير باللافتات العملاقة حيث حمل «تيفو» جديد من إبداع الشباب المسيلي صورة خارطة الجزائر مقفلا بباب يدق عليه رجل بسيط وهو الشعب وتختفي وراءه عصابة من اللصوص كانت بصدد سرقة الأموال وصورة أخرى لبقرة على شكل برميل نفط بالعلم الجزائري الذي كان يوجه البترول إلى فرنسا والمسؤولين في إشارة إلى استنزاف خيرات الجزائر وتحويلها إلى الخارج.

مسابقة أجمل «تيفو»

دخل الجزائريون في شبه مسابقة وطنية لتعليق أجمل «تيفو»  التي تعبر عن طموحات وتطلعات الشعب بإبداع شباب جزائري أظهر قدرات كبيرة ووعيا رائعا في التعبير عن الواقع السياسي والاجتماعي بقالب هزلي طريف .
تعرف ظاهرة «الإلتراس» نموا كبيرا في الجزائر حيث باتت جل أندية النخبة تملك مجموعات إلتراس التي تعتبر تجمعات منظمة للأنصار لتشجيع الفرق وتحمل الظاهرة إيجابيات عديدة لكرة القدم الجزائرية أبرزها الحد من ظاهرة العنف وتنمية فكرة تشجيع الفريق حتى في أحلك الظروف أثناء الهزيمة وحين الفوز وهو ما غير الفكر الهمجي للكثير من أنصار الفرق الجزائرية المتعصبة التي تحولت مدرجات ملعبها إلى مجموعات أنصار منظمة يصنعون الفرجة ولوحات رائعة في المدرجات جعلت منهم الرجل الثاني عشر بحق.
 
..من الملاعب الى الحراك

يختلف كثيرون في تحديد أصل منشأ الظاهرة «الإلتراس» فهناك من يرجع أصلها إلى جماهير أمريكا اللاتينية وتحديدا بالبرازيل سنة 1940 أين عرفت باسم «تورسيدا» ثم انتقلت إلى جماهير أوروبا الشرقية التي كانت تعرف بحماسها الكبير في التشجيع في بدايات القرن الماضي وتحديدا بيوغوسلافيا سابقا ثم كرواتيا عند جمهور «هاجوك سبيليت» وهناك من يقول بأن إيطاليا هي أول من شهدت ظهور مجموعات الإلتراس.
ان الهدف الرئيسي من الإلتراس هو التشجيع على الروح الرياضية وتنظيم الأنصار أثناء تشجيعهم لفرقهم ومن بين قوانين «الإلتراس» أن يكونوا مستقلين كليا عن إدارة فريقهم ولا يقبلون أي دعم مادي أو إملاءات عليهم حيث أن تصرفهم يكون نابعا عن إرادتهم واعتقاداتهم كما أن القانون يلزم هذه المجموعات على ضرورة التواجد دائما في مباريات الفريق داخل وخارج الديار لمساندتهم ودعمهم وتعليق الراية التي ترمز لاسمهم .
 يكون على رأس المجموعة شخص يقودها ويطلق عليه اسم (كابو) وتعني بالإيطالية القائد حيث يتواجد هذا الأخير دائما في وضعية مقابلة للأنصار موجها ظهره للميدان لتوجيه المجموعة مستعملا في الغالب مكبرا للصوت كما أنه من بين أبرز القوانين عدم الإشهار للمجموعة في وسائل الإعلام لأن الهدف رقم واحد يبقى تشجيع الفريق دون تقاضي المقابل ودون كسب الشهرة، كما تميل هذه المجموعات إلى استخدام الألعاب النارية تسمى بـ «الكراكاج» والغناء وترديد الهتافات الحماسية لدعم فرقهم. يقومون بتوجيه الرسائل إلى اللاعبين والإدارة وأنصار الفرق الأخرى عن طريق لوحات خاصة في المباريات المهمة تسمى بـ»التيفو» وكل ذلك يضفي بهجة وحماسا على المباريات وحاليا تتواجد هذه الظاهرة بشكل أكبر بين محبي الساحرة المستديرة في أوروبا وأمريكا الجنوبية وبدرجة أقل في قارة آسيا وإفريقيا .
تعتبر الألتراس ظاهرة هدفها الأساسي تقوية الحب والوفاء من الأنصار تجاه فرقهم ولإلتراس أربعة مبادئ أولها عدم التوقف عن التشجيع خلال المباراة مهما كانت النتيجة وثانيها عدم الجلوس أثناء المباراة وثالثها حضور أكبر عدد ممكن من المباريات ورابعها الوفاء للمجموعة بعدم الانتقال لأي رابطة أخرى.تعود نشأة روابط «الإلتراس» في الجزائر إلى سنة 2007 بفضل مجموعة «فيردي ليون» ما يعني «الأسد الأخضر» التابعة لمولودية الجزائر التي تحمل لواء أول إلتراس في الجزائر وتلتها مباشرة «غرين بويز» التابعة لفريق مولودية سعيدة ولاحظنا أن المجموعتين قامتا بعمل جبار ولوحات رائعة، كما ان التراس «فيردي ليوني» اتصلوا بنظرائهم من الافريقي التونسي والرجاء البيضاوي المغربي من أجل تبادل المعارف وهو ما نسج روابط متينة بين أنصار الفرق الثلاثة ولاحظنا ذلك في مواجهة العميد للوداد البيضاوي في آخر مواجهة لهم بالدار البيضاء برسم رابطة الأبطال الإفريقية لكرة القدم أين ساند أنصار الرجاء العميد وقتها.تملك غالبية أندية المحترف الأول والثاني حاليا مجموعات إلتراس، كما تعرف أندية مثل مولودية الجزائر، اتحاد الحراش، شباب قسنطينة، وفاق سطيف، مولودية وهران ما لا يقل عن ثلاثة تجمعات للإلتراس وظهرت هذه «مودا» بالجزائر في أواخر التسعينيات مع «الفاردي الذي انتظر ما لا يقل عن 8 سنوات ليصبح مجموعة منظمة.
 «الفريدي» و»الغرين» كانا مهدا لهذه الظاهرة التي انتشرت بسرعة البرق في مختلف النوادي الجزائرية مع «فاناتيك رادس»، «ديابلو»، «بولينا»، «داي بويز»، «توالفث بلاير»، «كرايزي كابيتال»، «غرين كورسير»، «لوكا راقازي»، «كابيلي بويز»، «آنديان» وغيرها كثير حتى أن هناك من بات يضم ثلاث إلى أربع مجموعات للنادي الواحد ومنذ ظهورها ساهمت في تقليل ظاهرة العنف في الملاعب الجزائرية مقارنة بما كان عليه الأمر في سنوات التسعينيات وبداية الألفية الجديدة لكن بالمقابل سجل تجاوز واحد منذ نشأتها في الجزائر ويعود ذلك إلى ما تجسد في الرايات المسيئة والمشينة التي رفعت في مختلف المباريات المحلية، كما كان الحال مع مباراة اتحاد العاصمة وشباب بلوزداد بملعب 5 جويلية قبل ثلاثة مواسم أو ما حدث الموسم الماضي من تراشق بالألعاب النارية بين العميد والشباب .
تلجأ هذه المجموعات لاستغلال وسائل التواصل الاجتماعي وصفحات خاصة بها على الفايسبوك لترفع قدرتها أكثر على التنظيم، كما تقوم بعض الروابط بتأليف أغاني كثيرا ما تباع عبر أقراص مضغوطة تكون مصدرا لجمع الأموال لتحضير «التيفو» لصنع الفرجة فوق المدرجات.



رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18104

العدد18104

الأربعاء 20 نوفمبر 2019
العدد18103

العدد18103

الثلاثاء 19 نوفمبر 2019
العدد18102

العدد18102

الإثنين 18 نوفمبر 2019
العدد18101

العدد18101

الأحد 17 نوفمبر 2019