طباعة هذه الصفحة

«الشعب» تستطلع الإقبال الكبير عليها

المكمّلات الغذائية.. استثمار مربح عنوانه «العلاج السّحري لفيروس كورونا»

فتيحة كلواز

 التطبيب الذاتي زاد من الإقبال على الوصفات التقليدية 

«أحميني» أرضية رقمية لنشر المعلومات الطبية الصحيحة

 نمط حياة صحي...أهم خطوة لتقوية المناعة

 تلقى المكملات الغذائية في الآونة الأخيرة رواجا كبيرا وسط المواطنين الباحثين عن تقوية وتحصين مناعتهم ضد جائحة كوفيد-19، فبالرغم من كل الآثار الجانبية التي يسببها الافراط في تناولها بقيت تحظى باهتمام كبير، على ضوء تنامي ظاهرة التطبيب الذاتي والتعاطي العشوائي للأدوية، وانتشار كبير لإشاعات كاذبة تستغل هاجس الخوف من العدوى لتستثمر في جيوب اللاهثين وراء وهم يروّج له في قنوات تلفزيونية على أنّه «علاج سحري لفيروس كورونا».

استطلعت «الشعب» آراء المواطنين والمختصين حول الإقبال الكبير على المكملات الغذائية والوصفات التقليدية لعلاج أعراض كوفيد-19، فبالرغم من تحذير الأطباء من التطبيب الذاتي خاصة في ظل غياب لقاح معترف به من المنظمة العالمية للصحة، يبقى المواطن ضحية تلاعبات تجارة مربحة اسمها المكملات الغذائية.

المكمّلات الغذائية...أسهل الحلول

سألت «الشعب» الزبون جمال بن محمد الذي التقته بإحدى الصيدليات، عن سبب إقبال المواطنين على تناول المكملات الغذائية فأجاب: «يقبل الكثير من المواطنين على تناول المكملات الغذائية خاصة بعد نشر بعض الدراسات التي تؤكد فعاليتها في وقاية الانسان من وباء كورونا، لعل أهم ما يتناوله المواطنون من مكملات هي فيتامين «د» و»س» والمغنيزيوم، لكن أثبتت التجارب الطبية ان الافراط في تناولها يتسبب في آثار جانبية وخيمة على الجسم».
أضاف بن محمد قائلا: «منذ ظهور وباء كورونا حرصت على تناولها لكن مع مرور الوقت أصبحت أعاني من آثارها الجانبية، خاصة الاسهال والقيء ما أدخلني في دوامة لم تنتهي الا بزيارتي للطبيب، الذي نصحني بالتوقف عن تناولها وعوض ذلك نصحني بتناول الخضراوات والفواكه التي تلعب دورا مهما في تقوية مناعة الجسم».
ولاحظت سعاد أشيش، صيدلانية تزايد إقبال المواطنين على المكملات الغذائية منذ اعلان انتشار وباء فيروس كورونا في الجزائر، حيث قالت لـ «الشعب»: «صار الاقبال على المكملات الغذائية كبيرا جدا خاصة في الأشهر الأخيرة بعد انتشار معلومات صحية (خاطئة) صوّرت المكملات الغذائية على انها العلاج الواقي من فيروس كورونا بسبب الدور الذي تلعبه في تقوية وتحصين المناعة، لكن يتناسى اغلب هؤلاء الذي يقبلون على شرائها استشارة الطبيب ما يدخلهم في دوامة التطبيب الذاتي، ما أعتبره كارثة حقيقية لابد من وضع حد لها لأنها تتسبب في مضاعفات صحية خطيرة».
واستطردت أشيش قائلة: «تعرف بعض المكملات الغذائية اقبالا كبيرا بسبب اتباع أصحابها سياسة الترويج عبر القنوات التلفزيونية وغيرها من الفضاءات الالكترونية، الامر الذي جعل المواطن امام حتمية شرائها والاقبال عليها، فلا يمكن في خضم الازمة الصحية التي تعيشها شعوب العالم قاطبة مقاومة كل تلك الومضات الاشهارية للعلاج السحري لكورونا، خاصة في ظل غياب ثقافة صحية تمكنهم من رؤية ومعرفة الدجل الممارس عليهم، فالعملية كلها تدخل في اطار التكسّب من غياب لقاح لعلاج فيروس كورونا من خلال زرع أوهام الشفاء والعلاج في ذهن المتلقي».  
وفي هذا السياق، قال فاروق بن جيلاني، موظف: «يتم الترويج لها على انها الحبوب السحرية التي تعطي مقتنيها العلاج الناجع لفيروس كورونا، رغم أن نظام المناعة في لجسم الانسان لا يحتاج أكثر من اتباع نظام غذائي صحي يعتمد الخضراوات والفاكهة في الوجبات الاساسية تعطي من يتناولها قوة كبيرة ونظام مناعي يقاوم جميع الامراض بالإضافة الى النوم الجيد والرياضة، لكن لا يعني ذلك التخلي عن المكملات الغذائية لأن تناولها غير صحي فقط ان كان دون استشارة طبيب، لأنها إن أخذت بكميات غير محددة ستكون اثارها الصحية خطيرة على الجسم».
 
الطبيب أمحمد كواش:لها آثار جانبية خطيرة

اعتبر الطبيب امحمد كواش في اتصال مع «الشعب» الأفكار الشائعة حول اهمية المكملات الغذائية في تقوية المناعة خاصة للوقاية من فيروس كورونا خاطئة، لأنها مضرة بالصحة العمومية، ولاحظ أنه تم استغلال الوضع الوبائي للترويج للمكملات الغذائية بحجة دعوة الاطباء الى تقوية المناعة ومقاومة الإصابة بكوفيد 19.
وأكّد كواش أن هذا الوضع شجّع الكثير من المخابر والشركات المنتجة للترويج لمكملاتها على حساب صحة المواطن وجيبه في ظل التخوف الكبير للبشر من الإصابة بسبب هستيريا الوباء والوسواس القهري، بالإضافة إلى صفحات التواصل الاجتماعي التي ساهمت بشكل كبير في الاستعمال العشوائى للأدوية والمكملات الغذائية على حساب الصحة العمومية، كاشفا ان اغلب هذه المواد او المكملات الغذائية مجهولة المصدر، تركيبتها الطبية غير معروفة، بل ولا تخضع لمقاييس الاستهلاك البشري.
وفي ذات السياق، قال الطبيب إن الاصل في استعمال المكملات الغذائية، هو أخذ رأي الطبيب بعد التأكد من الحاجة الصحية لتناولها، مع العلم ان تقوية المناعة تحتاج الى نظام غذائي صحي ومتوازن، النوم الصحي والمعنويات المرتفعة، فقد أثبتت التجارب ان مستعملي هذه المكملات المجهولة المصدر أو تلك التي يتم تناولها دون استشارة طبية وبمقادير فوضوية يتعرضون لتأثيرات صحية خطيرة على الجهاز الهضميو الكلى وحتى الجهاز العصبي، بل بعضها تسبب في الإصابة بالضغط الدموي والسكري والحساسية.

الطبيب تامر آيت حمودة: التطبيب الذاتي...زاد المشكلة تفاقما

 أكّد المكلف بالإعلام للأرضية الرقمية «احميني» الطبيب تامر آيت حمودة أن تناول المكملات الغذائية لتقوية المناعة أو الدواء دون استشارة الطبيب أو الصيدلي مرفوض تماما لما تسبّبه من آثار جانبية خطيرة على صحة الانسان، خاصة في حالة الافراط في استهلاكها دون احترام الكمية المحددة اوالموصي بها.
ولاحظ في ذات السياق انه بالإضافة الى ذلك يتناول البعض المضادات الحيوية أيضا دون استشارة الطبيب، وهوما اعتبره تطبيبا ذاتيا غير مبرر، لأن المناعة يمكن تقويتها من خلال اتباع نمط حياة صحي يعتمد على ثلاثية الغذاء الصحي، النوم الجيد، وممارسة الرياضة بصفة مستمرة.
وأرجع الطبيب آيت حمودة سبب انتشار التطبيب الذاتي الى غياب ثقافة صحية لدى المواطن الجزائري، وهو سبب ظاهرة الاكتظاظ في المستشفيات، فعوض ان يتوجه الشخص الذي يشك في اصابته بأعراض كوفيد-19 الى المصالح الاستشفائية الجوارية، يتوجه مباشرة الى المستشفيات لإجراء اختبار فيروس كورونا أو تحليل الدم.
وفي الاطار نفسه، قال الطبيب إنه على  كل شخص يشك في اصابته بالكوفيد-19 يتوجه أولا الى مصالح الاستشفاء الجوارية، حيث يفحصه الطبيب ليحدد ضرورة اجراء الاختبار من عدمه، فان رأى انه مصاب بالعدوى يوجهه الى اقرب مستشفى لإجراء التحاليل اللازمة للتأكد من اصابته ليتم اتخاذ كل الإجراءات اللازمة.
واعتبر في هذا الصدد ضرورة نشر ثقافة صحية لدى المواطنين لتلافي الكثير من الظواهر السلبية التي تفاقمت بسبب الوباء العالمي، فبدون تضافر الجهود وإعطاء المعلومة الصحيحة للمواطن من خلال التنسيق بين مختلف الجهات المعنية لا يمكننا تحقيق نتائج إيجابية في الواقع، وهو السبب وراء وضع أرضية رقمية «أحميني» تُعنى بنشر المعلومات العلمية الصحيحة للمواطن من اجل مجابهة الاشاعات التي ارتبطت بهذا الوباء.

«أحمـــيني» أرضية رقمية لمجابهة الإشاعات

قال تامر آيت حمودة إن مبادرة «أحميني» تهدف الى حماية صحة المواطنين بالحد من انتشار عدوى الجائحة العالمية من خلال القيام بالعديد من الحملات التحسيسية ما يسمح بتخفيف الضغط على المستشفيات للتكفل الأمثل بالمرضى الذين يحتاجون الى الاستشفاء، بالإضافة الى وضع حد للإشاعات المرتبطة بكوفيد-19 خاصة فيما يخص طبيعة المرض والادوية المعالجة لها لمنع المتاجرة بصحة المواطنين والتلاعب بها من خلال الترويج لعلاجات «سحرية» لها.
وكشف أنه منذ تصنيف منظمة الصحة العالمية مرض كورونا كجائحة في 11 مارس 2020، ومنذ اجتياحه الجزائر بات ينتشر بين المواطنين بصفة معتبرة، ولذلك وجب تعزيز سبل الوقاية من انتشاره.
وأوضح الطبيب آيت حمودة ان «أحميني» هي مبادرة لمجموعة من مهني الصحة (صيادلة، أطباء، أطباء أسنان، بيوليوجيون...)، حيث قامت الفدرالية الجزائرية للصيدلة بالتعاون مع الأكاديمية الجزائرية لعلوم أمراض الحساسية، الجمعية العلمية لطلبة الصيدلة، الجمعية الجزائرية للتكوين والبحث في طب الأورام، نقابة الصيادلة، الجمعية الجزائرية لطب أمراض القلب، الجمعية الجزائرية للأمراض المعدية، الجمعية الجزائرية لطب السرطان، الجمعية الجزائرية للصيدلة الاستشفائية وطب الأورام، الجمعية الجزائرية للطب الداخلي، الجمعية الجزائرية لمرض ارتفاع الضغط الشرياني والجمعية الجزائرية للطب العام بتوحيد جهودهم على أرضية رقمية، تعمل كفريق على جمع ونشر المعلومات العلمية من مصادر موثوقة لمساعدة متعاملي قطاع الصّحة وكافة المواطنين على الفهم الجيد لما تمر به الجزائر، وكذا تقديم التوصيات اللازمة للممارسين الصحيين والمواطنين للحد من انتشار جائحة كورونا.
وقال آيت حمودة إن مشروع «أحمـيني» يتركز على ثلاث محاور حيث يحرص أولها على إعطاء معلومات عامة عن فيروس كورونا وكيفية انتشاره، والخريطة الوبائية لكل ولايات الوطن وعدد الحالات المسجلة - حسب وزارة الصحة - مع رسم بياني تحليلي حول كيفية تطور الحالة الوبائية في الجزائر، إعطاء معلومات عن المراكز المخصصة للتكفل بمرضى كوفيد 19، معلومات علمية عامة ومبّسطة حول كل ما يتعلّق بالفيروس، وإعطاء توصيات لممارسي الصحة يقوم بإعدادها خبراء جزائريين وأجانب مع اعداد توصيات للمجتمع والمواطنين.
أما المحور الثاني فيهتم بالتوعية والتحسيس من خلال القيام بحملات تحسيسية للممارسين الصحيين والمواطنين، وكذا نشر فيديوهات بمفاهيم مبسطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع تأكيد ضرورة احترام سبل الوقاية خاصة التباعد الجسدي وارتداء القناع الواقي، التعقيم وتجنب التجمعات مهما كانت.
وضع التوصيات للصيادلة الاستشفائيين، الصيادلة في المدن والصيدليات الخاصة، الأطباء الخواص، ومراكز التكفل بمرضى كوفيد 19...إلخ، كما يتم نشر مجلات علمية طبية كالمجلة الصادرة عن الاكاديمية الجزائرية لعلوم امراض الحساسية او تلك الصادرة عن الفدرالية الجزائرية للصيدلة يستطيع المواطن تحميلها من الموقع، الى جانب ملتقيات عبر الانترنت (webinaire) ، تقديم نصائح وتوصيات للمواطنين من طرف اخصائيين جزائريين وأجانب، ووضع توصيات حول التكفل الأمثل بالمرضى.
أما المحور الثالث والأخير فيتعلق بفتح قناة طبية موجهة للمواطنين وممارسي الصحة تقدم معلومات صحية عن كوفيد-19، بالتنسيق مع وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات، وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، الجمعيات الطبية الجزائرية والهلال الأحمر الجزائري، ومن خلال جمع مختلف الفاعلين في المجال الصحي الجزائري لإنشاء أرضية تواصل فعالة ومؤكدة لإعطاء توصيات أعدها علماء مختصين في الطب، ما يسمح بمحاربة انتشار جائحة كورونا عبر الموقع الالكتروني «a7mini.org «، وتقديم كل ما هو جديد عن الوباء بالإضافة الى تواجد الأرضية الرقمية في كل من انستغرام، تويتر وفايسبوك، ويذكر انها  باللغتين العربية والفرنسية.

 الدكتور محمد الطاهر عيساني:  الوجه الثاني للمعلومات المغلوطة

قال الطبيب المختص في تشخيص الامراض وعضو المجلس الوطني لأخلاقيات الطب محمد الطاهر عيساني في اتصال مع «الشعب»، إن ما هو تقليدي يأخذ شكلا متداولا بين الأجيال على شكل خلطات متباينة وذات فعالية نسبية، وهو ما يسمى بالطب التقليدي، وهو توجه غير منظم وثابت لا قانون يحكمه ولا قواعد، تشوبه الفوضى كونه مجالا خصبا لولوج الدجالين، المدّعين والمشعوذين، بل ومجال مفتوح أكثر ما يخضع له القلقلة والاخبار المتلقفة حول تجربة فلان وشفاء علان.
ولاحظ أنه على ضوء جائحة كوفيد-19 تفرّدت مخابر واجتهد باحثون في الميدان الطبي الاكلينيكي في اقتراح بروتوكولات للتداوي كلها تصب في منطق تسيير المرض وتقليص تعقيداته الجانبية، خاصة ما هو مرتبط بالالتهاب غير مسبوق على مستوى النسيج الرئوي وتبعاته من قصور تنفسي خانق وحاد يؤدي في غالب الاحيان الى الوفاة.
وأكد عيساني أن ما يتداول هنا وهناك من خلطات تقليدية وتداوي بنباتات معينة هي مجرد ملاحظات عامة لم تخضع للتمحيص التطبيقي المؤطر، فالإصابة بكوفيد-19 لا تعني أن كل المرضى بهذه الجائحة سيكونون في وضعية صعبة، فمعظم حالات الاصابة هي حالات خفيفة او منعدمة الاعراض، حيث أن 10 % فقط منهم يعانون من اعراض قوية قد تكون فيها المضاعفات خطيرة تستوجب الاستشفاء، لذلك يعتبر التكفل بمريض كوفيد-19 او غيره هي اولا وقبل كل شيء مسؤولية مهنية وأخلاقية، وهي عقد ضمني في علاقة الطبيب مع المريض تتطلب اولا القبول.
ولاحظ المتحدث أنه ذات القبول التي تحظى به العلاقة مع إلزام الطبيب المداوي التواصل مع مريضه باعتماده لغة تنويرية بسيطة ومباشرة مع اعتماد كل المعارف الطبية وجميع التقنيات المحيّنة في حدود المعرفة المثبتة، والتي يمكن التأكد منها والرجوع اليها وتقييمها ومراقبتها.
وفي ذات السياق، أكد أن التطبيب التقليدي يبقى مجرد سلوك لا يحظى باهتمام كبير من السلطات الصحية الوطنية، تسوده الفوضى والسلوكيات غير المفيدة للصحة في معظم الأحيان.