طباعة هذه الصفحة

«الشعب» تستطلع جولات الطّبعة ٣ لرالي تحدّي صحاري الجزائر الدّولي

عشّاق الإثارة والسّرعة الميكانيكية يرسمون أحلامهم على رمال السّاورة

محمد فوزي بقاص

3500 كلم رحلة تحدّي ومسـافة لاكتشاف جمـال الجزائر

 جنسيات ضفّتي المتوسّط تٌبهَر بمناظرنا والتّنافس غاية الممكـن

 نقائص ومفارقات..الحميمية بين المتسابقين تخــفي مواطن الخلل

 تيوت، تاغيت، بني عباس..لوحات طبيعيّة سبحان الخالق صنعهـــا

بات رالي تحدّي صحاري الجزائر الدولي منافسة رياضية ينتظرها عشّاق الرّياضات الميكانيكية في الجزائر، وعشّاق السّرعة والمغامرة في أعماق الصّحراء الجزائرية الشّاسعة. تظاهرة تكبر من طبعة لأخرى وتشهد تحسّنا ولو طفيفا في التّنظيم من النّاحية التّقنية، وذلك راجع إلى الخبرة التي يكتسبها المنظّمون كل سنة، وعلى رأسهم رئيس الاتحادية الجزائرية للرياضات الميكانيكية شهاب بهلول، الذي يهدف إلى تنظيم رالي يستقطب فيه خيرة المتسابقين في العالم من كل الاختصاصات قبل نهاية عهدته الأولمبية الجارية من أجل بناء أسس متينة لهذه الرياضة التي عانى عشّاقها الويلات منذ توقّف عبور رالي باريس - داكار على الجزائر.
أسدل السّتار عن رالي تحدي صحاري الجزائر الدولي في طبعته الثالثة بعدما عاش 450 شخصا مغامرة إنسانية ورياضية فريدة من نوعها شارك خلالها 99 متسابقا بينهم 54 جزائريا والبقية من جنسيات إيطالية، فرنسية، برتغالية وإسبانية في التحدي الذي تنقل على مدار 11 يوما عبر 4 ولايات مرورا بالشريط الحدودي مع المغرب على بعد ٥ . ٣ كلم بمنطقة بني ونيف بولاية بشار، حيث قطعت القافلة حوالي 3500 كلم مليئة بالإثارة والتحدي والمغامرة، التحدي كان أيضا فرصة لتبادل المعارف والخبرات بين المتسابقين الجزائريين والأجانب كل ليلة بمركز التجمع المتواجد على الهواء الطلق.
ثمانية أيام من المغامرة والتّنافس عبر ثمانية مراحل أعدّها الفرنسي المخضرم «ميشال بيزو» كانت كفيلة بمواصلة العهد الذي قطعه مسؤولو الاتحادية ببعث الروح من جديد للرياضات الميكانيكية التي كانت في خبر كان قبل سنة 2014 التي عادت فيها فكرة تنظيم منافسة دولية في الصحراء الجزائرية التي تملك كل المقوّمات لتحتضن البطولة العالمية للرياضة.
منافسة هذا الموسم تركت انطباعا حسنا على العموم رغم غياب شريك الاتحادية الجزائرية، والرفيق التقني في الطّبعة الماضية «أراك سبور» الشركة (الجزائرية - الإيطالية) التي ساهمت بشكل كبير في إعطاء دفعة قوية للتحدي، وبعدا جديدا بعدما شارك السنة الماضية 150 متسابقا من مختلف الجنسيات، وساهموا في اكتشاف الإمكانيات الكبيرة التي تزخر بها الجزائر التي تتميّز بتنوّع تضاريسها وشساعة مساحة صحرائها.

 «بونيل» و»صايب» سيطرا على التّحدّي

وعرفت هذه الطّبعة تألّق متسابقيْـنِ فوق العادة الأول فرنسي في اختصاص السيارات، ويتعلق الأمر بـ «تيري بونيل» وزوجته «صوفي» والثاني «محمد صايب» الجزائري من نادي تيم راسينغ الأغواط في اختصاص الدراجات النارية الرباعية الدفع «كواد».
الفرنسيان أنهيا التحدي في المركز الأول في الترتيب العام لكل الاختصاصات بفضل غياب المنافسين مع سيارتهم القوية الملقّبة بآكلة الرّمال، وهو ما أكّده «بونيل» لـ «الشعب»: «أنا وزوجتي نملك آلة حربية رائعة قضينا سنوات عدّة في تجهيزها وتهيئتها لتصبح بهذه القوة والصّلابة، قدمنا إلى الجزائر بدعوة من صديقنا فضيل علاهم، الذي كان الأول في المراحل الثلاثة الأولى وخرج من المنافسة في المرحلة الرابعة بعد انقلاب سيارته، ما تأكّدت منه في هذا الرالي هو أنّ الجزائر تملك سائقين مميّزين وبإمكانيات هائلة لكن أكثرهم لم يفهم بأن التحدي هو مغامرة طويلة تدوم أيام عدة، ويجب عليهم تسيير المراحل والحفاظ على مركباتهم ودراجاتهم، وأنّ الهدف الأساسي من دخول أي مرحلة هو الخروج منها سالما، ولهذا الأمر بالذات غاب المنافسون عنا وتمكنا من الفوز دون عناء بعدما سيّرنا المراحل الأولى بسلام». وتابع: «ما شاهدته في المرحلة الرابعة من كثبان رملية غير منتهية أمر عجيب لم أره أبدا خلال كل الراليات التي شاركت فيها والتي نظّمتها، وأرضية التنافس عندكم في الجزائر أفضل من تلك المتواجدة في المغرب، ويجب على الجزائر الاستثمار في السياحة الصّحراوية لأنها ستصبح أحد أكبر المحطّات للسواح الأجانب».
«محمد صايب» هو الآخر سيطر على كل المراحل منذ بداية الرالي، وترك كل منافسيه بمن فيهم الأجانب خلفه، وأنهى المنافسة في المركز الأول في اختصاصه وخامسا في الترتيب العام، حيث أكّد أنّ «الرالي كان فيه تحدّ كبير مع الجزائريين والأجانب، وأحمد الله على هذه النّتيجة التي جاءت بفضل الله وبفضل تركيزي منذ بداية المنافسة، وكذلك بفضل رئيس نادي راسينغ تيم الأغواط الذي ساعدنا كثيرا طوال الموسم للتحضير لهذا الموعد خلال التدريبات والمنافسة بدليل أننا تمكننا من تحقيق نتائج مشرفة جماعيا وفرديا، أنا توّجت بالطبعة الماضية في صنف «الكواد» وهذه الطبعة كانت للتأكيد، والحمد لله وفّقت في مأموريتي بالبقاء على عرش الريادة والأصعب هو الحفاظ عليها». وتابع حديثه: «أنهيت المنافسة في المركز الأول في صنف «الكواد»، وفي المركز الخامس للترتيب العام بتوقيت 9 ساعات 44 دقيقة وخمس ثواني، وأتمنى أن نكون في الطّبعة المقبلة أفضل لنؤكّد نتائجنا بحضور عدد كبير من الأجانب، الذين يزدادون من طبعة لأخرى والذين سيساهمون في رفع مستوانا».

 رالي تحدّي صحاري الجزائر الدّولي محطّة لتحضير بداية الموسم

أما البطل الإيطالي للدراجات النّارية «باولو تشيتشي»، ورغم فوزه بأربعة مراحل إلا أنه لقي منافسة شديدة من قبل الدراجين الجزائريين يتقدّمهم صاحب العشرين ربيعا «محمد سراي»، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الإطاحة بالإيطالي، مؤكّدا أن قدومه للجزائر كان من أجل التحضير لرالي موريتانيا «أفريكا رايس» الذي يطمح للفوز به، وقال: «أنا سعيد بالفوز بالطّبعة الثّالثة لتحدّي الجزائر، وسعادتي أكبر بالتواجد في هذا الرالي، الذي عرفت فيه منافسة شديدة خصوصا من قبل الجزائريين، وسمح لي بالتّحضير جيدا للراليات المقبلة التي قرّرت الانخراط فيها يتقدّمهم رالي موريتانيا «أفريكا رايس» الذي أطمح للتّتويج به. لديكم شعب رائع ومضياف وبلد جميل للغاية، هناك الكثير من الأمور الايجابية التي عشناها في هذا التحدي، ولن أتوانى ولو لحظة في العودة إلى الجزائر بعد ما شاهدته من رمال في الجزائر التي أعشقها كثيرا، وكنّا نبحث عنها منذ سنوات خصوصا بعد اضطراب الأوضاع في ليبيا التي تزخر هي الأخرى بأرضية رائعة للتنافس في هذه الرياضة». وواصل حديثه: «أخيرا نملك مكانا آخر للتنافس في المستوى العالي بعدما باتت المغرب غير مقنعة بالنسبة لي حين شاركت في الطّبعة الثّالثة لرالي تحدّي صحاري الجزائر الدولي».

 غياب المموّلين هاجس المتسابقين الجزائريّين

ورغم قلة الإمكانيات ونقص العتاد المتوفر لدى الأندية الجزائرية والمتسابقين إلاّ أنّ الجزائريين تمكّنوا من فرض أنفسهم في الطبعة الثالثة لرالي تحدي صحاري الجزائر الدولي، بدليل أنّ نادي راسينغ تيم الأغواط سيطر على العديد من الاختصاصات في هذا التحدي.
وناشد عدد كبير من المتسابقين في مقدّمتهم «محمد صايب» بطل الطبعتين الماضيتين في اختصاص الدراجات النارية الرباعية الدفع «كواد»، المؤسسات الجزائرية الكبرى العمومية منها والخاصة لتمولين المتسابقين الجزائريين قصد مساعدتهم على تطوير مركباتهم ودراجاتهم، ودعمها بأفضل العتاد وقطع الغيار المخصصة لهذا النوع من الرياضة، لكسب المزيد من النتائج الايجابية مستقبلا والمجابهة على الألقاب مع الأجانب دون عناء. وقال بهذا الخصوص: «رغم قلة إمكانياتنا إلاّ أنّنا تمكنا من الوقوف الند للند مع الأجانب، الفرق بيننا وبينهم هو أن دراجاتنا ومركابتنا ليست مجهّزة بأحدث العتاد وقطع الغيار المخصصة للمشاركة في الرالي، وإن تعطّلت نتوقّف عن المنافسة، وهذا ما جعل الكثير من الجزائريين ينسحبون مع مرور المراحل في تحدي هذه الطبعة وفي التحديات الماضية». وتابع حديثه: «نملك مستوى عاليا في الملاحة والسياقة في الأراضي الترابية والحصوية وعلى الكثبان الرملية، الصحراء صحراؤنا ونعرفها جيدا لكن الفرق ليس في المستوى بل في الإمكانيات، لذا نناشد كل المؤسسات الوطنية العمومية منها والخاصة لتمويل المتسابقين والفرق الجزائرية حتى نرفع من مستوانا، ونتمكّن لاحقا من المشاركة في كبرى الراليات الدولية».
من جانبهم السّائق «يوسف موابادي» ومساعده «أكاشوش» من نادي بوزريعة أكّدا بأنّ حب الرياضات الميكانيكية جعلهم يخصّصون في كل نهاية شهر جزء من راتبهم لتهيئة سيارتهم لتكون جاهزة في مثل هذه المناسبات، «نشارك للمرّة الثّالثة على التوالي في التحدي، ونعاني دائما من تقلّص الطّاقم المساعد والعامل معنا، تعرّضنا لحادث بفعل صعوبة المرحلة الخامسة ونحن نحاول تصليح علبة السرعة التي تهشّمت، ولو كنّا نملك مموّلنا الشّخصي نحن الآن في خيمتنا نستريح ونسترجع في إمكانياتنا لدخول مرحلة الغد بكامل قوانا وبقية الطاقم يقوم بعمله، لكننا الآن نعمل على تصليح السيارة وكل هذا العتاد اقتنيناه من أموالنا التي ندخرها كل شهر لكي نكون هنا في كل طبعة»، وذهب إلى أبعد من ذلك حين قال: «المموّلون في كل بلدان العالم هم أساس هذه الرياضة، لكن نحن في الجزائر التمويل يبدو أنه مخصّص لكرة القدم وحدها، وأعتقد بأنه حان الوقت للالتفات لهذه الرياضة التي تجمع بين الإثارة والمتعة والمغامرة، وتعرّف بجمال بلادنا السّاحر، ما سيمكّننا من جلب السواح مستقبلا لأن ما نعيشه كل يوم خلال التحدي هو مادة دسمة ستباع في كل بلدان العالم».

 طاقم طبي جزائري مائة بالمائة سابقة...

في سابقة هي الأولى من نوعها اعتمدت الاتحادية الجزائرية للرياضات الميكانيكية على أطباء جزائريين مائة بالمائة خلال فعاليات الرالي، بعدما اكتسبوا الخبرة في التدخل داخل الميدان من خلال احتكاكهم مع الأجانب في الطبعات الماضية، وبهذا الخصوص يقول الطبيب «إسماعيل بن منور»، رئيس الطاقم الطبي بتحدي صحاري الجزائر الدولي: «كل تدخّل ميداني طبي في منافسة مماثلة يلزمه تحضير جيد وخاصة الكثير من الخبرة، العامل الأخير كان ينقصنا لماذا؟ لأنه لأول مرة في الجزائر فريق طبي جزائري يشرف مائة بالمائة على التغطية الطبية للرالي». وعن المشاكل التي واجهت الفريق الطبي تحدث «بن منور» قائلا: «الأمر الذي سبّب لنا الكثير من المتاعب هو سرعة التدخل نظرا لصعوبة الميدان الذي يتنافس عليه المتسابقون، ولحسن الحظ الدولة الجزائرية وفّرت لنا امكانيات هامة على رأسها وزارتي الدفاع الوطني والصحة والسكان وإصلاح المستشفيات رفقة المديرية العامة للحماية المدنية، أين كان تحت تصرّفنا مروحيات وسيارات إسعاف رباعية الدفع».
وعن حصيلة الإصابات التي تعرّض لها المتسابقون ونوعيتها خلال التحدي قال: «الحصيلة الإجمالية للمصابين خلال الرالي هي 7 مصابين، اثنان منهم للأسف الشديد خطيرة جدا والخمسة البقية تعرّضوا إلى كسور في الأرجل والأيدي وخلع للكتف، المتسابقون الذين تعرّضوا للإصابات من فئة الدراجات النارية عددهم 5 وفي صنف الكواد لدينا متسابقيْـن اثنين، ومن بين هؤلاء المصابين دراجيْـن إيطاليين، الأول تعرض لخلع في الكتف أين تلقى الإسعافات الأولية في المسلك من قبل الأطباء المنتشرين بسيارات الإسعاف، ثم نقل على جناح السرعة إلى مستشفى بشار أين تابع العلاج وخرج بعدها سالما. وبالمناسبة أشكر كل أطباء المستشفى الذين سهروا على سلامة المتسابق، أما المتسابق الثاني تعرض لإصابة خطيرة ونقل على جناح السرعة إلى المستشفى العسكري ببشار، وتمّ التكفل به بطريقة سريعة وفعّالة لينقل بعدها عبرة مروحية طبية إلى مدينة وهران ثم من هناك أرسل إلى بلده، وقبل نهاية الرالي اتّصل بنا وشكرنا على كل الجهود المبذولة، وهو الآن في صحة جيدة وبإمكانه الملاحة فوق دراجته». وختم قائلا: «بالنظر إلى صعوبة المراحل الثمانية والسرعة الفائقة التي كان يسير بها المتسابقون داخل المسالك الصعبة والوعرة، نحن سعداء لكون العدد الإجمالي للمصابين لم يكن متضاعفا، ونعتبر أنفسنا محظوظين لأنّنا لم تكن لدينا حالات معقّدة كثيرة».

 دقّة نظام تحديد الموقع الجغرافي «أوواكا»

مقارنة بالطّبعتين الماضيتين عرف تحدّي صحاري الجزائر الدولي تنظيما تقنيا ومراقبة دقيقة لكل المتسابقين عن طريق نظام تحديد الموقع الجغرافي «أوواكا»، المعمول به دوليا في كل الراليات الذي يسمح للجنة المراقبة ومدير السباق من مراقبة كل التحركات التي تحدث داخل ميدان التنافس، ومراقبة المتسابقين من خلال اتباع آثارهم في كل مرحلة من التحدي بواسطة جهاز الحاسوب المربوط بالساتل الذي يبرز بالتدقيق نقطة كل متسابق، جهاز «أوواكا» يجبر المتسابق على حمله على مركبته أو دراجته كي يساهم في تسهيل مهمة المنظمّين في الوقوف على كل كبيرة وصغيرة.
جهاز «أوواكا» سهّل على مدير سباق رالي تحدي صحاري الجزائر الدولي الفرنسي «ميشال بيزو» حماية متسابقيه، ومراقبة الغشّاشين الذين عادة ما يختصرون الطريق لمحاولة ربح الوقت واعتلاء سلم الترتيب في نهاية كل مرحلة، كما يساهم في التدخل السّريع لإنقاذ حياة المتسابقين الذين يتعرضون إلى حوادث خلال المراحل عن طريق إرسال إنذارات إغاثة للجنة المراقبة، التي ترسل نقطة تواجد المتسابق للمروحيات وسيارات الإسعاف المتواجدة داخل المسلك عن طريق جهاز تحديد المواقع (جي - بي - أس)، وهو ما يساهم في سرعة التدخل.
هذا ويمكن لأي متسابق إعلان عطب ميكانيكي وتوقّفه عن التنافس داخل المسلك، وبإمكانه تحديد هل يمكنه الدخول إلى نقطة الوصول أم على المنظّمين إرسال الشّاحنة الكانسة التي تمر كل نهاية مرحلة لاسترجاع مركبات ودراجات المنسحبين رفقة سياراتهم ودراجاتهم.  
 

مشكل دليل الطّريق

امتعض عدد كبير من المتسابقين ومرافقيهم خصوصا الأجانب منهم من عدم دقّة دليل الطّريق، الذين اعتبروه النقطة السوداء في هذا الرالي، حيث تحدّثت «صوفي بونيل» قائلة: «كل الأمور كانت إيجابية في التنظيم وخلال المراحل، النقطة السوداء الوحيدة التي يجب العمل عليها هي دليل الطريق الذي لم يحدد فيه الكثير من الأمور الهامة، ويمكن توجيه المتسابقين بذكر بعض التفاصيل التي تساعدنا على بلوغ نقاط العبور الإجبارية، وذكر الأخطار التي قد تعترضنا خلال المسلك».
الدرّاج الإيطالي «باولو تشيتشي» شدّد على نفس الأمر قائلا: «دليل الطريق ليس جيدا وفيه الكثير من النقائص، ولو كانت كل المخاطر محددة والطريق نحو نقاط العبور الإجبارية مبرزة بشكل دقيق لكنت حقّقت وقتا أقل». وأضاف: «دليل الطّريق يجب أن يكون متقونا بطريقة جيدة لأنّنا نتسابق في أعماق الصحراء والتيهان، هنا يجعلنا نفقد الوقت والبنزين، وهو ما سيجعلنا نبقى لساعات ننتظر النجدة، ومن الضروري أن يتم إعادة النظر في هذه النقطة حتى يصبح تحدي الجزائر الأفضل في العالم».
 

«أوريلي ريموند» بائعة الزّهور تشارك تكريما لروح أبيها...

وعرفت الطّبعة الثالثة من رالي تحدي صحاري الجزائر الدولي مشاركة من نوع خاص، من «أوريلي ريموند» آنسة (فرانكو - إيطالية) تبلغ من العمر 34 سنة، وتعمل كبائعة للزهور في مدينة «إيفلين» بمنطقة «إيل دوفرانس» بفرنسا، وشاركت في صنف الشاحنات بعدما نالت رخصة السياقة للفئة الثقيلة منذ شهرين فقط، لتواجه تحديين مواجهة صعوبات الملاحة في أعماق الصحراء واكتشافها، كل هذا دون خبرة تذكر في المجال، لسبب واحد ووحيد لتكريم روح أبيها الراحل الذي قضى أكثر من نصف حياته في المشاركة في كبرى راليات العالم. 
«أوريلي» شاركت في هذه النسخة بشاحنة أبيها «مان» البيضاء، وأكّدت في تصريح لـ «الشعب» أنّ الجزائر كانت أول محطّة لأبيها في هذا العالم، والصّدفة شاءت أن تكرّمه من حيث بدأ، «والدي قضى أكثر من نصف حياته في المشاركة وتنظيم الراليات، للأسف توفي السنة الماضية وقرّرت أن أشارك في هذا الرالي مع مساعداي الجزائريان، وتشاء الصدف أن والدي بدأت قصته مع الراليات من الجزائر حين كان يمر رالي باريس - داكار على الجزائر، وجئت أنا في هذه الطبعة لأحيي روحه في أول تجربة لي في عالم الرياضات الميكانيكية». وتابعت حديثها: «لست سائقة محترفة، لكنّي في قمة السّعادة لأني تمكّنت من إكمال كل المراحل وبلوغ هدفي رفقة مساعداي الجزائريان الإخوة بن بختي، كما أنّي سعيدة للغاية بالتواجد هنا بالجزائر، وسعادتي أكبر لأنّي تمكّنت من اكتشاف سحر الصّحراء الجزائرية التي حدّثني أبي عنها كثيرا، كما أشكر كل الجزائريين على حفاوة الاستقبال التي خصوني بها، وإن وجدت مموّلين سأعود للمشاركة في الطّبعة المقبلة».

 «إبراهيم بكوش»..عنوان التّحدّي

تحدّى الإعاقة التي شلّت رجليه منذ سنة 2000 جراء حادث المرور الذي لقيه، وقرّر المشاركة للمرة الثانية على التوالي في تحدي صحاري الجزائر الدولي، ما جعله يستحق جائزة الشجاعة بامتياز، كونها المرة الأولى في الجزائر التي يحاول فيها سائق من ذوي الاحتياجات الخاصة تجريب حظه في هذا النوع من الرياضات. إنّه الجزائري المقيم بالمهجر وتحديدا بمدينة سانت إتيان بفرنسا «إبراهيم بكوش»، الذي شارك بألوان نادي عقارب سعيدة، وأعرب عن سعادته لأنه في طبعة 2017 شارك تقريبا في كامل المراحل.
منذ نعومة أظافره كان «إبراهيم بكوش» متحمّسا لرياضة السيارات الميكانيكية، ولكن كل شيء تغير في سن 19 عاما عندما تعرّض  لحادث مرور، شلّ «إبراهيم» على إثره من ساقيه، «كنت أحلم دائما كي أكون سائقا محترفا، وتحقّق حلمي بعد 16 سنة من تعرضي لحادث مرور جعلني حبيس هذا الكرسي، لكن إرادتي وثقتي بنفسي وإيماني بقضاء الله وقدره جعلني أتخطّى حاجز الإعاقة وأبلغ هدفي الذي انتظرته لسنين، والفكرة جاءت بعد سماعي للإعلان الذي مر عبر قنوات التلفزيون الجزائري حين كنت في مدينة وهران».
سيارته هي «بوغي» من نوع «كانام مافريك»، آلة حوّلت وتم تعديلها تماما وتكييفها خصيصا لـ «بكوش» لكي يتمكن من القيادة بواسطة يديه، وعانى الويلات جراء الأعطاب الميكانيكية التي لاحقته على مرحلتين في أعماق الصحراء، لكن بفضل شجاعته الفولاذية نال في الأخير مبتغاه، «بلغت هدفي بالمشاركة للمرة الثانية في هذا التحدي في بلدي الجزائر، الأمر ليس بالسهل لأن حتى الأصحاء يعانون كثيرا لإنهاء كل المراحل في ظل الظروف الصعبة التي تواجهنا، هذه السنة أعتبرها الأفضل لأنّي في الطبعة الماضية انسحبت بعد المرحلة الأولى بعد تحطّم مثلث العجلة، وهذه السنة حتى مع غياب الممولين وقف الجميع إلى جانبي من مسؤولي الاتحادية والمتسابقين الجزائريين والفرنسيين، الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة هذا ما يبحثون عنه للخروج من قوقعتهم، لأنّنا نريد أن نكون مثل الجميع وأن ينظر إلينا بنظرة فخر ليس بنظرة استحقار».

العلامة الكاملة لقوّات الأمن

نجاح أي تظاهرة رياضية مرهون بتوفر الحماية والأمن، وهي النقطة الايجابية التي لفتت أنظار الجزائريين والأجانب بتواجدهم داخل أعماق الصحراء حماية لكل المتسابقين من أخطار التيهان والإصابة، ومن أخطار الإرهاب الذي يضرب دول الساحل، والذي تحاربه الجزائر ببسالة كبيرة.
قوات الأمن طوّقت المحيط جيدا وأمّنت كل المناطق التي يمر من أمامها الرالي، وذلك عن طريق تشكيل خطة أمنية محكمة طوال المراحل الثمانية للرالي، بتسخير أعداد هائلة من الجنود والدركيّين في أعماق الصحراء ومناطق مبيت القافلة، وكذا أعوان الأمن الوطني داخل المدن، مرفوقين بمروحيات أينما حلّ الرالي وارتحل وسيارات رباعية الدفع وغيرها من المعدات الأمنية الحديثة، لتستحق القوات المشتركة العلامة الكاملة في هذه الطبعة.
 

تيوت، تاغيت وبني عباس..محطّات سياحية بامتياز

رالي صحاري الجزائر الدولي هو مناسبة كذلك للسياحة والتقاط الصور التذكارية والتعرف على تاريخ الجزائر، وهو ما تجسّد منذ المرحلة الأولى للتحدي (وهران – تيوت) بعين الصفراء بولاية النعامة، المنطقة الغنية بمتحجرات عظام الديناصورات التي تم العثور عليها في أكتوبر من سنة 2000 بمنطقة «رويس الجير» بمنطقة عين الصفراء، حيث تمّ اكتشاف أول بقايا عظام ديناصور من نوع «صافرويود» من سلالة آكلات الأعشاب يتراوح طوله ما بين 10 إلى 12 مترا وعمره ما بين 160 إلى 175 سنة، كما كانت مناطق «تيوت» و»تاغيت» فرصة من أجل اكتشاف الرسومات والنقوش الصخرية التي يزخر بها الأطلس الصحراوي أحد أكبر المتاحف المفتوحة على الهواء في العالم، والتي تعتبر شهادات حية للشعوب القديمة التي عاشت بالجزائر في العصور الماضية، ناهيك عن تعرف أعضاء قافلة الرالي على تاريخ أحد أكبر المقاومات الشعبية التحررية في الجزائر التي قادها الشيخ «بوعمامة» بعين الصفراء، والتي استمرت مدة 23 سنة من 1881 إلى غاية 1904.
واستمتع المتسابقون بالملاحة في الرمال الذهبية لولاية بشار وتحديدا بمنطقة تاغيت وبني عباس، كما كانت فرصة لكل من كان في القافلة لاكتشاف هذه المنطقة الساحرة بثقافتها عاداتها وتقاليدها وحتى تاريخها الثوري.

 نقص الفنادق ومرافق الاستقبال النّقطة السّوداء

عند زيارتك لمدينة عين الصفراء التاريخية أو تاغيت التي يقصدها آلاف السياح كل سنة، تتأكّد من غياب الخدمات الفندقية، حيث يتواجد في مدينة عين الصفراء فندق «المكثر» الوحيد في المنطقة، والذي يقع في موقع جغرافي رائع يجمع بين الغابة والكثبان الرملية لكن حاله في تدهور وتراجع مستمر من سنة لأخرى جراء غياب الصيانة وقلة السياح في المنطقة رغم ما تزخر به عين الصفراء من مقومات سياحية هائلة تجعل منها محطة سياحية بامتياز، وهو ما جعل معظم أعضاء القافلة يبيتون في مركز التجمع بـ «تيوت» داخل الخيام في منطقة تحمل تسمية الثلاجة نظرا للبرد الشديد الذي تعرفه المنطقة في فصل الشتاء، خصوصا أن درجة البرودة بلغت بعد نهاية المرحلة الأولى والسابعة أقل من ست درجات. «تاغيت» السّاحرة كما سمّاها كل الشّعراء الذين مرّوا بها، كل ما فيها جميل لكن نقص مرافق الاستقبال الفندقية التي تقتصر على فندق الساورة الذي يطل على الواحة الرائعة للمدينة، وعلى بعض المنازل المهيئة بالمدينة وداخل القصر العتيق، تجعل تنظيم تظاهرات دولية مثل رالي التحدي أمرا شبه مستحيل نظرا للعدد الهائل من الأفراد الذيين يتنقلون مع القافلة، ويستدعي التفكير في تشييد فنادق جديدة خصوصا أن «تاغيت» تعتبر من الوجهات المقصودة للسياح الجزائريين والأجانب الذين يفضلون السياحة الصحراوية في فصلي الخريف والشتاء.

الرالي أنعش التّجارة وحرّك1الاقتصاد في الجنوب الجزائري

الملاحظ هو أنّ رالي تحدّي صحاري الجزائر الدولي بعث حركية غير معتادة في التجارة الموسمية والدائمة لكل التجار، بعد وصول قافلة الرالي خصوصا بمدينة «تاغيت» التي قبعت فيها لمدة أربعة أيام كاملة، حيث انتعشت التجارة في المقاهي والمطاعم بالعدد الهائل من المتسابقين وأعضاء القافلة، الذين كانوا يتداولون عليها باستمرار قصد نسيان طعم الأكلات الباردة التي كان يتناولها الجميع خلال موعد الإفطار بأعماق الصحراء، وهو ما استوجب بعضهم إلى جلب عمال إضافيين لتلبية حاجة الزبائن، في حين تفطّن أصحاب المقاهي إلى ضرورة فتح الأبواب بداية من الساعة الخامسة صباحا للعمل مع المتسابقين وبعدها مع أعضاء القافلة.
كما نفذ مخزون الحرفيّين الذين كانوا يحضّرون في الهدايا التي يصطحبها السياح الجزائريين والأجانب المنتظرين في أعياد نهاية السنة الجارية، وهو ما جعل الشباب الحرفي يعمل من جديد على صنع قطع جديدة تحضيرا لتاريخ الـ 31 ديسمبر المقبل.

 ولد علي يعطي الضّوء الأخضر لإقامة تحدّي الصّحراء شهر أفريل المقبل

تيقّن وزير الشباب والرياضة الهادي ولد علي الذي كان يتلقى مراسلات يومية وتقارير عن سير المراحل، بأن الاتحادية الجزائرية للرياضات الميكانيكية تسير في الطّريق الصّحيح، وأن الايجابيات في الطبعة الثالثة كانت أكثر من السلبيات، خصوصا بعدما اعتمدت على خبراء وأهل الاختصاص من فرنسيين وإيطاليين الذين يعملون على تطوير الرالي، وستوكل لهم مهمة التشهير للتحدي الجزائري في الأشهر المقبلة عن طريق إقامة ندوات صحفية تشرف عليها الصحفية «باولا» وزوجها «روبيرتو» المختصّان في تغطية الراليات لإقناع أشهر المتسابقين الايطاليين بالمشاركة في الطبعة المقبلة للتحدي الجزائري، وهو نفس الأمر الذي سيعمل عليه الفرنسي «ميشال بيزو» مدير السباق والرفيق التقني للاتحادية بفرنسا.
ولد علي خلال حفل تسليم الجوائز للفائزين أعطى الضوء الأخضر لرئيس الاتحادية الجزائرية للرياضات الميكانيكية «شهاب بهلول» لتنظيم طبعة رابعة شهر أفريل المقبل مع دراسة توقيت برمجتها، وهو ما أكّده «بيزو»: «تحصّلنا على موافقة وزير الشباب والرياضة لتنظيم طبعة رابعة من تحدي الصّحاري شهر أفريل المقبل، الآن سندرس التواريخ جيدا حتى لا تصادف الراليات الكلاسيكية خصوصا بالمغرب، ونتمكّن من استقطاب أكبر عدد من نجوم هذه الرياضة بالجزائر، الآن بعد أسبوعين على الأكثر سنشرع في القيام باجتماعات دورية لنحدّد التاريخ ومكان إقامة المراحل، وهي الطّبعة التي نهدف منها أن تكون أفضل بكثير من الطبعة الحالية».


 2019...بعث نسخة جديدة لرالي «الجزائر – داكار»


لاحظ العام والخاص بأنّ نجاح الطبعة الثالثة من التحدي راجع لصرامة الرفيق التقني ومدير السباق الفرنسي «ميشال بيزو» الآمر النّاهي والعقل المدبّر لكل صغيرة وكبيرة خلال الرالي، بحكم تجربته الكبيرة وصرامته البارزة في تطبيق القوانين وتقديم النصائح لكل المتسابقين، وهو ما يؤكّد بأنّ مستقبل التحدي الجزائري بتواجده سيكون في مأمن خصوصا أنّ مهمّته تنحصر على تطوير الرالي وإعطائه بعدا جديدا بضمان جلب أفضل المتسابقين في العالم، الذين يعرفهم جرّاء خبرته في تنظيم كبرى الراليات في المغرب، كما أكّد لـ «الشعب» بأنّه يستهدف جلب أساطير الرالي ونجومه من الأبطال الذين يشاركون كل سنة في رالي (باريس – داكار)، وذلك خلال رالي 2019 الذي يتم التحضير له من الآن بصرامة، وبهذا الخصوص كشف «بيزو» أنّه «يتم التحضير جيدا لبعث رالي جديد نشرك فيه العديد من الدول الإفريقية في التنظيم، ينطلق من الجزائر باتجاه داكار مرورا على موريتانيا التي تتميز هي الأخرى برمال رائعة، ومن شأن هذا الرالي أن يكون الأفضل في العالم لأنّ الجزائر أرض «راليات ريدس»، يتم التحضير لهذا الموعد بجدية ويلزمنا مساعدة الدولة الموريتانية من أجل تأمين المنطقة خصوصا أنّ دول السّاحل تعاني من تواجد منظّمات إرهابية».