طباعة هذه الصفحة

تعديل الدستور لتأسيس نظام حكم راشد، د. أمقران لـ الشعب»:

مقاربـة تشاوريـــة توافقيـــة معمقـــة تضم كل الكفـاءات

حاورته: سهام بوعموشة

 المجتمع المدني  شريك  في بناء الديمقراطية التشاركية

إعتبر الدكتور أمقران عبدلي مسودة مشروع تعديل الدستور خارطة طريق لتأسيس نظام حكم راشد، مشددا على أن يكون هذا الأخير في إطار مقاربة تشاورية معمقة توافقية مع كل الأطراف والكفاءات الفاعلة ، مشيرا إلى أن المجتمع المدني شريك أساسي في ترشيد العلاقات بين المواطن والسلطة وتعزيز الديمقراطية التشاركية، داعيا لإعادة النظر في مكانة المجتمع المدني، بالمقابل يرى الدكتور ضرورة إشراك الجامعة في التفكير والتشاور وتعزيز دور الطالب، الأستاذ والباحث وجعلها حاضنة للمبادرات.

- الشعب: بداية من هو الدكتور أمقران عبدلي، وما هو مجال تخصصك؟
 أمقران عبدلي: محمد امقران عبدلي جامعي و مكون جمعوي، و رئيس مشروع انساني في مخيمات اللاجئين الصحراويين بتندوف .بعد دراسات في العلوم السياسية في جامعه الجزائر ودراسات في حوكمة الجماعات المحلية و التنمية  و القانون المقارن في فرنسا و تكوينات في الصحة البيئية، تسيير الكوارث، تنشيط الأقاليم في جامعات سنغور بالإسكندرية و الجامعة الأورومتوسطية بسلوفينيا سمح لي هذا التنوع في التكوين و تجربتي التطوعية في الجمعيات المتوسطية، باكتساب قدرات و مهارات لابد منها في التكوين الجمعوي وتسيير المشاريع و التشبيك الجمعوي و المؤسساتي.
احضر حاليا لنشر كتابين حول دراسة السياق في المشاريع التنموية و الإنسانية و كتاب دليل للمكونين الجمعويين .
-  ما هي قراءتك الأولى لمسودة تعديل الدستور خاصة فيما يتعلق بإقرار مبدأ التصريح لإنشاء الجمعيات و مبدأ حلها إلا بقرار قضائي؟
 سؤالك مهم و ذو شقين أود التذكير بأن مشروع تعديل الدستور يكون في إطار تشاوري توافقي         و بإجماع على المبادئ الأساسية و الإجرائية، و في إطار منظومة إعلامية تحضر الرأي العام المواطن ليكون على علم بسيرورة هذا المشروع منذ البداية .
اذكر بضرورة العمل على إعطاء مفهوم واضح للمجتمع المدني بكل مكوناته، لما نتكلم على المجتمع المدني في الجزائر يكثر الحديث عن الجمعيات و نتناسى دور المكونات الأخرى كالمجموعات التطوعية، لجان الأحياء التي لها دور مهم في تعزيز الديمقراطية التشاورية الجوارية التي تمهد لممارسة الديمقراطية و الحوكمة على نطاق أوسع.
فيما يخص مبدأ التصريح لإنشاء الجمعيات فهو موجود أصلا، لكن وجب عقلنة الإجراء لأن الملاحظ حسب الدراسات المسحية التي نقوم بها أن الجمعيات تشتكي من ثقل الإجراء الإداري المرافق للتصريح بتأسيس جمعية، لهذا وجب الأخذ بعين الاعتبار بضرورة الإصلاح الإداري أولا .
بالنسبة لحل الجمعية بقرار قضائي ، وجب الإشارة إلى أن العمل الجمعوي أي عمل جمعية أيا كانت يتحكم فيه عاملان العامل القانوني الإجرائي، التصريح، الجانب الإداري و المالي، المعاملات والشراكات ، العامل الميداني التقني  أي سيرورة النشاطات، المشاريع، و البرامج على أرض الواقع.
يجب أن نعرف أن الجمعيات تعيش وضعية تراكمية حرجة، من حيث الوجود و الأداء ، هناك العديد من الجمعيات  موجودة على الورق فقط و أخرى بدون أهداف محددة تشتغل عليها،  مما يجعل أداءها باهتا و غير منتظم و هناك نقص فادح في التكوين الجمعوي الجواري الذي يسمح للأطر الجمعوية بتسيير المبادرات و المشاريع وفق السياق .
أظن انه إذا كان التوجه نحو إمكانية حل الجمعيات إلا بقرار قضائي  ففي هذه الحالة وجب على القاضي، أن يكون ملما بكل الإشكالات المذكورة أنفا و التي تخص حالة الجمعيات في الجزائر .
أظن أنه من التوصيات التي يمكن أن أقدمها في هذا الإطار، هو العمل على تحسين الأداء للجمعيات عن طريق تنويع أساليب العمل و الشراكة و إحداث آليات للتضامن الجمعوي تكون كفيلة بتثمين دور الجمعيات في المجتمع، و العمل على تمكين الجمعيات من اكتساب القدرة على المبادرة و التسيير الجيد و آلية حل النزاعات داخليا ، وتبقى الجمعية تشتغل ضمن اطار قانوني سلس و متعارف عليه و مسؤولة أمام القانون و المجتمع بحجم انجازاتها نشاطاتها و تواجدها الفعلي داخل المجتمع.
- ما هي أهم النقاط التي ترونها ذات أولوية فيما يخص مشروع تعديل الدستور؟
 يمكن اعتبار الدستور في الوضع الراهن كخارطة طريق نحو التأسيس لنظام حكم راشد آخذا في عين الاعتبار المتغيرات الاجتماعية و السياسية الراهنة و المطالب الشعبية.هنا أود سرد بعض النقاط التي أراها ضرورية في هذا التوجه نحو تعديل الدستور ، هذا الأخير يجب أن يكون في إطار مقاربة تشاورية معمقة مع كل الأطراف و الكفاءات الفاعلة و ضمن إطار توافقي .
في هذا المسعى أرى أن نقاطا مثل الفصل بين السلطات التنفيذية، التشريعية و القضائية و إصلاحها ،  تعزيز دور الإعلام، المجتمع المدني، نظام التمثيل و الانتخاب،  الهوية الوطنية، الذاكرة،  المواطنة هي من النقاط التي من المفروض أن تكون حاضرة في مشروع تعديل الدستور بما يتناسب مع إفرازات المرحلة الراهنة و المطالب الاجتماعية .
@  حتى يمكن جعل المجتمع المدني  يتحمل مسؤوليته كسلطة مضادة، هل لديكم تصورات أو رؤية جديدة بهذا الخصوص؟.
@@  الأكيد أن للمجتمع المدني في أي مجتمع  دور يجب أن يضطلع به، و هناك تجارب  عديدة لدور المجتمعات المدنية في التأسيس للمواطنة و الحوكمة الفعالة و أخص بالذكر المجتمع المدني في تونس وفرنسا على سبيل المثال لا الحصر، المجتمع المدني في الجزائر له أهمية فلا غنى عنه كشريك أساسي في ممارسة التفاعل الإجتماعي و ترشيد العلاقات بين المواطن و السلطة ، المجتمع المدني عندنا مر بفترات لم تسمح بإبراز دوره الريادي في المجتمع. اعتقد انه لابد من إصلاحات عميقة و إعادة النظر في مكانة المجتمع المدني ، فالتغيرات الحالية التي يشهدها المجتمع الجزائري تجعل من الضرورة بمكان إعادة صياغة مفهوم للمجتمع المدني يأخذ في عين الاعتبار القدرات التنظيمية و التعبوية، وأثبتت لنا الهبة الشعبية التي نعيشها أن هناك إمكانيات و قدرات شبابية ومجتمعية هائلة وجب الأخذ بها لإعطاء مفهوم جديد للمجتمع المدني .
بخصوص تصورات أو رؤية جديدة، أنا أؤمن بما أسميه ثالوث التفاعل الإيجابي  بين المجتمع المدني و مؤسسات البحث العلمي (الجامعة)، و الإصلاح المؤسساتي  بمعنى أن أي دور فعال للمجتمع المدني سوف يمر بمنظومة إصلاحات كلية الغاية منها إحداث التفاعل الإيجابي المنشود .
- كيف يمكن وضع آليات لتعزيز الديمقراطية التشاركية، بحيث يكون فيها المواطن طرفا فاعلا؟
 المجتمع المدني له دور في تعزيز الديمقراطية التشاركية  لمواجهة الملل الاجتماعي، الإحباط وضيق الأفق خاصة لدى فئة الشباب ، المطالب الاجتماعية تعبر عن احتياج اجتماعي، فهي مشروعة وجب عقلنتها وترشيدها وهذا هو دور المجتمع المدني عن طريق آليات الديمقراطية التشاركية الجوارية، تكريس مبدأ الحوار واللاعنف، التعبير الحر المسؤول، مبدأ التشاورية، التواصل الإجتماعي، الإتصال،  توفر المعلومات كما و نوعا، الإصلاح الإداري والتوجه نحو تعزيز دور الجماعات المحلية، كل هذا يمر حتما عن طريق التحسيس والتكوين بوتيرة منتظمة و بطرق سلسة تأخذ بعين الاعتبار الهشاشة التي تميز العلاقات الاجتماعية و الملل الذي يصيب الشباب خاصة.
- بشأن الجامعة في ضوء التحديات الجديدة، كيف يمكن تحسين أداء نظام التعليم العالي وتشجيع انفتاحه على البيئة الوطنية والدولية من خلال البحث؟
  الجامعة هي مؤسسة بحثية مثلها مثل المجتمع المدني لم يثمن دورها الريادي في المجتمع، يجب أن تكون حاضرة في كل خطوة نحو الإصلاح ، وأثبتت الأزمة الوبائية الراهنة  الدور الريادي الذي يجب أن تضطلع به الجامعة، فرغم قلة الوسائل و محدوديتها  رأينا مبادرات رائدة من جامعات في إنتاج وسائل الوقاية و توزيعها على المصالح المختصة  وأذكر على سبيل المثال مبادرة الطلبة المتطوعين في جامعتي باتنة و ورقلة،  هذا دليل واضح على أهمية الجامعة ودورها المجتمعي ، تحسين الأداء يمر بإشراك الأسرة الجامعية في التفكير و التشاور و بدون إقصاء  .
ويكمن أيضا في تعزيز دور الطالب ، الأستاذ و الباحث و تمكين مخابر البحث من الوسائل التي تسمح بإنتاج المعرفة و ضرورة التشبيك الجامعي، يجب أن تنخرط الجامعة الجزائرية و بوتيرة مكثفه بالجامعات المتوسطية الإفريقية و العالمية، إن العمل الشبكي الجامعي سوف يسمح بتحسين الأداء وضمان نوعية تكوين جيدة و خلق فرص حقيقية في تمويل البحوث الجادة، و خلق ما أسميه شبكات تضامنية للكفاءات الجامعية الجزائرية عبر العالم ، وكل هذا يمر عبر إصلاحات جادة.
-   تم إنشاء المجلس الوطني للبحث العلمي والتكنولوجيا، هل سيعطي دفعا للإنتاج الفكري والإبداعي ويساهم في ترقية البحث العلمي؟
 اعتقد أنه لا مناص من وجود مؤسسة تعنى بتطوير البحث العلمي، لكن يجب أن يتوفر على آليات تسمح له بترقية البحث وإنتاج المعرفة، هذا لن يتأتى إلا بإحداث القطيعة مع الممارسات البيروقراطية، والتأسيس لنوع من الانفتاح على مصادر المعرفة بكل أشكالها وشراكات متعددة مع الجامعات والمؤسسات الاقتصادية، ليكون المنتج في الأخير بحوث عملية تطبيقية لها أثر ملموس على المجتمع و الاقتصاد.
-  كيف يمكن استغلال ما يعرف بالدبلوماسية الاقتصادية لخدمة التنمية الوطنية؟.
 أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية فرعا معرفيا قائما بذاته تفرد له تكوينات و دراسات معمقة ومتخصصة ، في الجزائر وجب العمل أولا على تنويع و تعزيز موارد الثروة من زراعة، صناعة، سياحة و خدمات للتوجه نحو نسج علاقات تجارية و إيجاد أسواق جديدة أو الترويج للجزائر كوجهة للاستثمار ، كل هذا يعتمد على تعزيز المنتوج الوطني و حمايته وجعله تنافسيا ، إحداث إصلاحات اقتصادية و تجارية و مصرفية تؤسس للدبلوماسية الاقتصادية .و الأكيد أن مثل هذه الخطوات تؤدي إلى تنمية وطنية على جميع الأصعدة.

- ألم يحن الوقت كي تنشئ المؤسسات الإقتصادية مخابر بحث خاصة بها؟    
  المؤسسات الاقتصادية عموما و للأسف هي مؤسسات تركيبية أو تحويلية ضمن نظام جاهز مسبقا، هذا لا يعني أنه لا توجد رغبة لدى مؤسسات للعمل على إنشاء مخابر بحث خاصة بها ، أظن أن هذه الخطوة تمر حتما عبر توفر درجة من الوعي الاقتصادي لدى المتعامل الاقتصادي بأهمية البحث داخل المؤسسة، و بالكفاءات الوطنية الشابة لتحسين المنتوج و دعم الابتكار داخل المؤسسةالاقتصادية  و بالشراكة مع الجامعات، هذه الخطوة و في مرحلتها الأولى يجب أن تكون مدعمة إجرائيا من طرف وزارتي الاقتصاد والتجارة عن طريق نظام ضريبي تحفيزي و إطار ترويجي خاص بالمؤسسات الاقتصادية التي تتوفر أو تسعى لإمتلاك مخابر بحث لها.