طباعة هذه الصفحة

الأستاذة هدى باغلي لـ «الشعب»:

التعليم عن بُعد يمنحُ الاستقلالية للجامعة

حوار: نضيرة نسيب

  الأسواق المعرفية فرصة للطلبة والباحثين 

قرّرت الجامعة على المستوى الوطني فتح باب منصّاتها الرقمية على مصراعيها أمام الطلبة الجامعيين لمتابعة مقرراتهم الدراسية، تزامنا وانتشار جائحة كورونا (كوفيد-19)، بغية الاستفادة من فترة الحجر الصحي التي لاتزال متواصلة بالنسبة للجامعة التي ستفتح أبوابها قريبا. في هذا السياق، تتحدث الأستاذة الجامعية، هدى باغلي، من جامعة بومرداس، والمختصة في ريادة الأعمال والمقاولاتية في حوار مع «الشعب»، عن مجريات التعليم عن بُعد بالمنصات الرقمية الجامعية، مبرزة نظرتها الاستشرافية المليئة بالتفاؤل حول إمكانية تحقيق وثبة اقتصادية مستدامة، يكون فيها التعليم الجامعي عن بعد محرّكها الأساسي.

 - «الشعب»: اللّجوء إلى الدراسة عن بُعد حل بديل للوضعية الحالية الناتجة عن انتشار كورونا، ما رأيك؟
  الأستاذة هدى باغلي: يتمثل دور الجامعة الأوّلي بالدرجة الأولى في تقديم المضامين وتمكين الطلبة من الحصول على شهادات دراسية عليا، في سبيل اكتسابهم المحتويات العلمية ومختلف المفاهيم النظرية والتطبيقية لاستكمال مستوياتهم الدراسية الجامعية التي تمكنهم من دخول سوق العمل أو ميدان ريادة الأعمال والمقاولاتية.
 وبما أن الهدف السامي للجامعة تحقيق استمرارية الدراسة، كان التفكير في المنصات الرقمية في وقت وجيز بسبب الحجر الذي فرض مكوث الطلبة في البيوت، ما يستلزم إمكانات وطاقات بشرية ووسائل مادية تمت بواسطتها عملية إنزال الدروس الجامعية في هذه المنصات لتكون في متناولهم، لاسيما في شكل ملفات من نوع «بور بونت، وورد، بي.دي.أف» أو باستعمال تقنية الفيديو للاتصال والتحاور وتقديم الاستفسارات المباشرة من طرف هؤلاء الطلبة ليقوم الأساتذة بالإجابة عنها.
 كل هذا تحت إشراف الوزارة والإدارة الجامعية، وبالمقابل قام الأساتذة بتدعيم هذه المنصّات الجامعية بمضامين علمية، بعد مباشرة فتح حسابات مشتركة مع طلبتهم، كما سبق وأن ذكرت، وكذلك كان الشأن لجامعة امحمد بوقرة ببومرداس، حيث تم دعوة الطلبة من قبل أساتذتهم لفتح حسابات على مستوى منصة الجامعة «مودل» ووسائل التواصل الاجتماعي لمتابعة الدراسة عن بعد، خلال الأشهر الماضية.
 وقام كل أستاذ بإرسال المقررات العلمية الخاصة بوحدته التدريسية، وتم ذلك بمرونة في الاتجاهين نحو الأستاذ ونحو الطالب، بغرض منحه عدة خيارات عبر مختلف أنواع الملفات الإلكترونية لاستكمال الموسم الدراسي الجامعي.
ومن المهم، ذكر ما لاحظناه عبر الأنترنت، في الفترة ذاتها، حيث فتحت كُبريات الجامعات أيضا في عديد بلدان العالم منصّاتها الرقمية للتعليم عن بعد مجانا للطلبة المتواجدين في كل أنحاء المعمورة، ما كان فرصة سانحة لاسيما للأساتذة أو الطلبة للحصول على مجموعة من الشهادات الجامعية، خلال فترة الحجر الصحي.
-  استخدام المنصّات الجامعية المعتمدة في التعليم عن بُعد حاليا يفرض نفسه، كيف ترين التجربة في بدايتها، أم أن هناك محاولات سبقتها؟
 المعروف عن الجامعة أن التدريس يكون حضوريا في القاعات في شكل أفواج أو داخل المدرّجات العلمية في إطار الممارسات التعليمية التقليدية، والأستاذ يمثل محور العملية التدريسية. لكن الظروف الصّحية الحالية تطلبت إعادة النظر في طرق التدريس من أجل التكيف مع هذه الوضعية، ومع التغير المفاجئ والاضطراري الذي فرضته الوضعية الوبائية الحالية، فإن الانفتاح على وسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصال ـ وفي الإطار البيداغوجي ـ يمكن أن يشكل ذلك حلا، أين يوضع الطالب كمحور جديد للتعلم عن بعد.
 وأنتجت الأزمة الصحية فرصة لتغيير الممارسات، وبالفعل هذا ما قامت به الجامعة، ومع توّفر منصة رقمية جامعية مسبقا لـ «E-learning»، تم الشروع في تحيينها مباشرة وبالتالي كان من السهل إثراؤها بمحتويات جديدة مكمّلة، وفي كل التخصّصات والمستويات، حيث قامت الجامعة بالتكفل بمختلف المقررات العلمية ووضعها في متناول الطلبة الذين كان في وسعهم استكمال برنامجهم الدراسي.
 ومن خلال هذه العملية سجلنا إقبالا كبيرا للطلبة وتجاوبا، لاسيما على مستوى جامعة بومرداس، وتمت فعليا متابعة الدراسة أثناء الحجر الصحي، مع تحقيق استمرارية في البيداغوجية من أجل استكمال الموسم الجامعي للسنة الدراسية الحالية.
بالمقابل، لاحظنا اهتماما كبيرا لدى معظم الطلبة وحرصا تاما على متابعة برنامجهم الدراسي، مع انفتاح وقابلية للتعلم عن بعد في مختلف التخصصات العلمية المتوفرة.
- هل تتوّفر حلول رقمية أخرى تستخدم في التعليم عن البعد؟
 تتوفر العديد من الحلول التقنية والرقمية، إضافة لتلك المذكورة آنفا، ما يسمح بالتعلم عن بُعد، والتي تعتمد في عديد العمليات التعليمية، وهي تسمح بالدخول إلى منصّات تُخصص للتواصل مباشرة عبر الصوت والصورة لتبادل الملفات في غرف افتراضية يتم فيها مشاركة الدروس.
ومن بين هذه المنصات، نذكر «غوغل ميت»، والتي تخصص فيها مساحة لمحاضرات عن طريق الفيديو، وهناك منصّات افتراضية أخرى محترفة مثل «سيسكو ويبكس»، ومنصة «مودل» تحتوي على رابط يمكن الدخول عبر أيقونة مخصصة لـ   . E-Learning
ويعرض محتوى المنصة بداخلها عدة اختيارات تسهل على الطلبة المشاركة في محاضرات يعرضها الأساتذة، وفي نفس الوقت يمكنهم التفاعل مباشرة بطرح أسئلتهم والتحاور مع الأستاذ مباشرة، مما يمكن الطلبة من التحصيل العلمي افتراضيا.
- كيف يمكن الاستشراف في هذا الميدان، وما هي مختلف أبعاده؟
إن الظروف التي نعيشها في هذه الأيام ليس على المستوى الوطني فحسب، بل على المستوى العالمي أيضا، تفرض التكيف مع الوضع الحالي عن طريق الانفتاح على تكنولوجيا الاتصال بمختلف استخداماتها والقيام بتوظيفها في التعليم عن بعد الذي أصبح من بين أولوية الأولويات. فالأزمة الصحية في هذه الفترة بالذات خلقت لنا فرصة فريدة من نوعها لتغيير الممارسات التعليمية في الجامعة والتخطيط لحلول بديلة، من أجل تقليل الضغط عن الجامعة بنسبة قد تصل إلى 50٪، من حيث الوسائل وعدد المقاعد مقارنة بتزايد عدد الطلبة سنويا.
 والاستشراف في هذا المجال له أبعاد مختلفة، أهمها البعد الاقتصادي، فبإدخال التعليم عن بعد في الجامعة يعد بمثابة فرصة لولوجها العالم الاقتصادي وتحقيق استقلاليتها من أجل تخفيف العبء عن ميزانية الدولة وخلق ثروة ودخل خاص بالجامعة يمكنها من الانفتاح على أسواق معرفية تكون مفتوحة على أسواق خارجية أخرى، لاسيما على المستوى المغاربي أو الافريقي ولمَ لا العالمي؟، مما يمكنها القيام بمشاريع خاصة بها، وذلك في شكل استثمارات تتعلق باقتصاد المعرفة وتمكين الطلبة والباحثين من إيصال بحوثهم الى أرض الواقع.
 ويمكن الذهاب بعيدا في استشرافنا ولمَ لا تتحول الجزائر إلى بوابة إفريقيا على المستوى المعرفي وهو ممكن وحل من الحلول لدعم الاقتصاد وتحسين الجودة، ومنه تصدير المحتويات بإنشاء شبكات معرفية عن طريق شراكات بين الجامعات للحصول على تمويلات، ويمكن وضع خارطة طريق من خلال نظرة علمية وعملية في نفس الوقت، يؤسس لها من خلال البعد العلمي الذي يعتمد بالضرورة على الجودة المعرفية والتنوع في المحتويات العلمية، مع تحقيق استمرارية البيداغوجيا الخاصة بالتعليم العالي.
 هنا يبرز دور البعد البيداغوجي لهذا النوع من التعليم، بحيث يكون مفتوحا وذا قابلية لإعادة الاطلاع على الدروس المقدمة بحيث يسمح للطالب من مراجعة معلوماته من أجل توسيع الفهم والتأكد من المرصود العلمي بهدف تثبيته.
ومن حيث البعد الثقافي، فإن دخول الجامعة إلى عالم الرقمنة والمرور إلى التعليم عن بعد يسمحان ببروز الجامعة الجزائرية عبر توافر المعرفة ما يمنحها بصمتها الخاصة من خلال إبراز الثقافة العلمية الجزائرية.
 أما بخصوص البعد الاجتماعي، فالتعليم عن بُعد يسمح لفئات اجتماعية عديدة، لم تسمح لها ظروفها الاجتماعية بمتابعة تعليمها العالي، ويتيح الفرصة لأكبر عدد ممكن من بين هذه الفئات لمتابعة تعليمهم عن بعد، نذكر من بينها فئة ذوي الاحتياجات الخاصة والنساء الماكثات في البيوت، ما يساهم في تحقيق نتائج اجتماعية تساهم في الحد من البطالة وارتفاع الفقر.
- بما أنكِ تطرقتِ لأهمية البعد الاجتماعي، ما الذي تقترحينه بخصوص الطلبة الذين لم يستطيعوا ولوج المنصات الجامعية لسبب أو لآخر؟
بخصوص هؤلاء الطلبة الذين لم يتسن لهم متابعة دراستهم عن بعد بانتظام، لاسيما بالنظر لعدم امتلاكهم الوسائل المادية كأجهزة الكومبيوتر أو التدفق المتواصل للأنترنت، فإنني أقترح أن تخصص لهم مساحات على مستوى المكتبات الجامعية، ويتم تجهيزها بمختلف الوسائل من أجل تمكينهم من متابعة دروسهم بالمنصات وفتح المكتبات الافتراضية في سبيل استدراك ما فاتهم من برامجهم الدراسية، بهدف تحصلهم على شهاداتهم العلمية هم أيضا وبالنتيجة تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلبة.
 من الأحسن أن يكون دعم الدولة لتحسين نوعية التدفق الخاص بالانترنت من أجل تمكين الطلبة من متابعة دروسهم افتراضيا، والذي يسمح عن طريق رقمنة المحتويات مع ملء الفراغات في المضامين وتحقيق احترافية المنصات، لتكون رسمية بفتح اشتراكات للجامعة مع مختلف المنصات وجعل الجامعية منها قابلة للتوسيع تقنيا عبر شبكات الاتصال والتواصل، ما يستلزم خبرات علمية وإمكانات وطاقات بشرية ولوجيستيكية بغرض تحقيق كل الأبعاد التي ذكرتها سابقا والتي تمثل هدف الجامعة الأسمى، وهو تمكين مختلف الأجيال من التحصيل العلمي في كل التخصصات بدون أي استثناء مما يمنح جيل المستقبل القابلية لولوج العالم الاقتصادي بكل انسيابية.