طباعة هذه الصفحة

مساهمات

التبــاين في مـوازين القــوى واقـع العلاقـات الدوليـة: روسيا بديـل أمثــــل

أ.د.إسماعيل دبش أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية جامعة الجزائر 3

وصل التنافس والصراع بين القوى الكبرى إلى حروب محلية وعالمية مدمرة وفي مقدمتها الحربين العالميتين الأولى والثانية. السبب الأساسي لذلك هو انفراد قوى كبرى بدور مطلق في العلاقات الدولية وإبعاد قوى كبرى أخرى. حدث ذلك بانفراد الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا بنتائج الحرب العالمية الأولى على حساب القوى الكبرى الأخرى (ألمانيا وإيطاليا واليابان). نفس الوضع تكرر بعد الحرب العالمية الثانية ولكن هذه المرة ظهرت قوة أخرى موازية وهي الاتحاد السوفياتي بإستراتيجية متباينة قيدت الدور المطلق في العلاقات الدولية الذي كانت تريده الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.
بتفكك الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي ككل في بداية التسعينيات من القرن الماضي انفردت الولايات المتحدة بالدور الأحادي إقليميا ودوليا. وبدأت المبادرات والمشاريع لتجسيد الإرادة الأمريكية في إدارة الأوضاع والأزمات الإقليمية. شكل العالم العربي محطة ومنطلق للإستراتيجية الغربية الكبرى المتمثلة في مشروع الشرق أوسطية.
وبعودة روسيا إلى الساحة الدولية كقوة كبرى بما فيها استرجاع شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وفرض إستراتيجية الأمن القومي الروسي في المنطقة، وجد الغرب مرة أخرى قوة مقيدة لإنفراده بتسيير العلاقات الدولية وإدارة الأزمات الإقليمية.
دعوة سوريا لروسيا للتدخل أظهر مدى قدرة وإرادة روسيا في فرض الإرادات والسياسات الإقليمية للدول المعنية بالأزمات وفي مقدمتها مشروع الشرق أوسطية المتمثل في :
1. تقسيم العالم العربي وإدارة المحيط الجيو سياسي المحيط به بهدف إضعاف أو وقف أي تحدي للكيان الإسرائيلي.
2. إضعاف أو تدمير الدولة الوطنية كخلفية وبعد لحدود آمنة للكيان الإسرائيلي. وحدث ذلك بتدمير العراق وسوريا وليبيا وإضعاف مصر وتقسيم منظمة التحرير الفلسطينية وضرب اليمن وتقسيم السودان.
3. جعل العالم العربي مرة أخرى ميدانا لما يسمى بالفوضى الخلاقة القائمة على إستراتيجية إذكاء الصراع والتوتر العرقي والمذهبي.
4. روسيا في حد ذاتها مستهدفة بالإستراتيجية الغربية في أوروبا الشرقية وتركيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط. فقد كانت روسيا هي الأولى المعنية بالتقسيم بعد تفكك الإتحاد السوفيتي من خلال محاولة دعهم الشيشان لتكوين كيان سياسي منفصل عن روسيا والتحديات الناتجة عن تحالف دول الغرب مع أوروبا الشرقية. هذه الأخيرة التي أصبحت محطة ومنطلق للمواجهة مع روسا، مثل أوكرانيا وبولونيا....
5. مصالح روسيا الإستراتيجية حاليا وربما لعشرات السنين لاحقا هي مع الدول العربية، خاصة المتوسطية منها وبالأخص سوريا. الدول التي كانت تشكل موقع استراتيجي بديل للاتحاد السوفيتي سابقا أي دول أوروبا الشرقية هي الآن في الصف الآخر وتشكل تحدي للأمن القومي الروسي.
6. مصالح روسيا الإقتصادية هي في تزايد خاصة الدول المنتجة والمصدرة للبترول والغاز. روسيا بحاجة لتكتل اقتصادي في مواجهة الحصار الاقتصادي الغربي.
7. خطر استعمال التطرف الإسلامي من طرف الغرب لدرجة الإرهاب هو وارد ولهذا كان من مصلحة روسيا السياسية والإستراتيجية والأمنية وقف التطرف والإرهاب الإسلامي من مصادره وانطلاقاته حتى لا يمتد لمناطق في روسيا وخاصة في الشيشان.
8. الرئيس الروسي بوتين له إدراك بمرجعية تاريخية وبعد استراتيجي عميق للمنظور الغربي الذي يعتمد على تحقيق أكبر قدر من المكاسب على حساب الآخرين دولا أو شعوبا. يمكن تحقيق ذلك بأولوية إضعاف الأطراف الأخرى التي قد تغيق هذه الإستراتيجية الغربية. من هذا المنطلق والبعد ليس لروسيا أي اختيار إلا بناء علاقات تكامل وتعاون استراتيجي مع قوى وأطراف أخرى بديلة للغرب مثل الصين وبريكس (BRICS : Brazil, Russia, India, China, South Africa ) بصفة عامة.
9. أكبر دليل أن روسيا بديل استراتيجي للعرب في إطار موازين القوى الكبرى هو الحملة الغربية الجد مكثفة ضد روسيا في المنطقة. يعمل الغرب على إجهاض أي مبادرة قد ترجح تعاون عربي - روسي. يكفي التذكير بما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية بدير الزور (9 سبتمبر 2016) لإجهاض تجسيد الهدنة في سوريا عندما قامت بقتل ما يقرب المائة جندي نظامي سوري بهدف إعاقة تجسيد الهدنة التي مخرجاتها قد ترجح الثقل الروسي في المنطقة.