طباعة هذه الصفحة

حظيت دائما باهتمام متزايد على الصّعيد الوطني

الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان..الطّبيعة والمضمون

بقلم: الدكتور حساني خالد أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان عضو مخبر القانون الدستوري والحكم الرّاشد

مسألة جوهرية في الحضارة البشرية والتّراث المشترك للإنسانية عبر تطوّره التّاريخي الطّويل
ازدواجية المعايير وإشكالية تنفيذ المبدأ المقدّس في ظل المتغيّرات الدولية المعاصرة
لقد اهتمت المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها الطويل بموضوع حقوق الإنسان، فقد كان كل مجتمع يختص على نحو منفرد بتحديد حقوق وواجبات كل فرد في المجتمع، وقد حظيت حقوق الإنسان دائما باهتمام متزايد على الصعيد الوطني من خلال وضع القواعد الداخلية التي تنظم هذه المسألة.
غير أنّه إذا كانت حقوق الإنسان قد تطورت في إطار المجتمعات الوطنية بظهور إعلانات الحقوق والدساتير وتأكيد سيادة القانون في أوربا خصوصا، فإنّ تطور العلاقات الدولية أثبت أنّ احترام حقوق الإنسان أمر أساسي وضروري لتنمية وأمن المجتمع الدولي، لاسيما أنّ الدول المختلفة قد أعربت عن رغبتها في إقامة علاقاتها الدولية على أسس أخلاقية تستطيع حفظ السلام الدولي، وتحقيق التعاون المشترك لحل مشكلاتها الدولية، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا ذا شاع بينها مبدأ الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان.
اتّخذ اهتمام القانون الدولي بقضايا حقوق الإنسان طابع التدرج، حيث اهتم في البداية ببعض الفئات كالعمال والأقليات فقط، ولم يهتم بحقوق الإنسان ككل لأنه اعتبرها من الاختصاصات الداخلية للدول عملا بمبدأ السيادة الوطنية للدول.
لذلك فإنّ التطور الحقيقي لحقوق الإنسان على المستوى الدولي بدأ بظهور الأمم المتحدة، نتيجة أهوال الحربين العالميتين، حيث أسفرت تجربة هذه الحروب عن اعتقاد واسع النطاق بأن الحماية الدولية الفعَّالة لحقوق الإنسان شرط أساسي لتحقيق السلم والأمن الدوليين، وجاء ميثاق الأمم المتحدة مؤكّدا في مبادئه وأهدافه أن حقوق الإنسان واحترامها يأتي في مقدمة أولويات الأمم المتحدة، وأن معاملة الدول للشعوب والأفراد أصبحت محلا لاهتمام القانون الدولي، وبذلك يكون الميثاق قد أرسى أسس التطور الذي شهده القانون الدولي في مجال حقوق الإنسان.
ممّا لاشك فيه أنّ الاهتمام العالمي بحقوق الإنسان حاليا بات يمثل قيمة مستهدفة من النظام القانوني الدولي، حيث أصبح من الأمور الشائعة تقييم سلوك الحكومات بمدى احترامها لحقوق الإنسان على المستويين الداخلي والدولي، بل أصبح تقييم النظم الاجتماعية والاقتصادية ذاتها يخضع لما تحققه تلك النظم لمواطنيها من حقوق وحريات.
كما أصبحت المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان مسألة عالمية مشتركة تتقاسمها الإنسانية جمعاء، ولم يعد بالإمكان التحجج بالسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو بالخصوصيات الثقافية حين يتعلق الأمر بانتهاك حقوق الإنسان، لذلك أصبح احترام حقوق الإنسان سلوكا يوميا ومنظما، ترتّب عن ذلك بروز الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان الذي يشكّل أحد الالتزامات الرئيسية التي يفرضها القانون الدولي على جميع الدول دون استثناء.
وقد ترتّب على هذا الالتزام الدولي اعتبار القواعد الخاصة بحقوق الإنسان ذات طابع شامل وعالمي، وتندرج ضمن القواعد الآمرة (Jus Cogens) التي تتجاوز الاختصاص الوطني، بحيث يجوز لجميع الدول أن تعتبر بأن لها مصلحة قانونية في حماية هذه الحقوق، وبالتّالي فهي التزام في مواجهة الكافة (Obligation Erga Omnes)؛ لذلك فإنّنا سنحاول دراسة طبيعة الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان، ثم نبرز صعوبات تنفيذه على المستويين الوطني والدولي.
أولا: طبيعة الالتزام الدولي
 بحماية حقوق الإنسان
ترتّب عن الاهتمام الدولي المتزايد بحقوق الإنسان صدور عدة إعلانات ومواثيق دولية تلزم الدول باحترام وحماية حقوق الإنسان لكل الأشخاص المتواجدين على إقليمها والخاضعين لولايتها، إضافة إلى ضرورة قيام الدول جميعا باتخاذ جميع الإجراءات والتدابير اللازمة لتنفيذ التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، لذلك سنبين مضمون الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان في نقطة أولى، حتى تتبين لنا قوته القانونية وذلك في نقطة ثانية.
1 / مضمون الالتزام الدولي
 بحماية حقوق الإنسان
لقد نصّت مختلف الاتفاقيات الدولية - العالمية منها والإقليمية - المتعلقة بحقوق الإنسان على التزام الدول الأطراف باحترام وكفالة حقوق الإنسان، إضافة إلى ضمان تمتع كل الأشخاص المتواجدين على إقليمها والخاضعين لولايتها بالحقوق والحريات الواردة في مثل هذه الوثائق، زيادة على تحملها المسؤولية عن أي خرق أو انتهاك لهذه القواعد والالتزامات.
هذا ونشير إلى أن الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان هو التزام متعدد الأبعاد، حيث لا يتوقف عند إلزام الدولة بضمان تمتع كل إنسان بحقوقه وحرياته التي كفلتها له القوانين الوطنية والدولية، وعقاب مرتكبي أية انتهاكات لهذه الحقوق والحريات، وإنما يمتد ليشمل حماية ضحايا هذه الانتهاكات وإصلاح الأضرار التي قد تلحق بهم نتيجة لأفعال الدولة المسؤولة عن هذه الانتهاكات.
كما أنّ التزامات الدول الأطراف بحماية المعايير الدولية لحقوق الإنسان تختلف إلى نوعين:
- النّوع الأول: التزامات السلوك
تتجلّى هذه الالتزامات في تعهد الدول الأطراف بالامتثال والانضباط الفوري والسريع لمجموعة من المعايير الدولية التي تحكم سلوكها في مجال حقوق الإنسان، وذلك في قيام الدولة باتخاذ مجموعة من الإجراءات القانونية والتدابير التشريعية المناسبة، لضمان حماية حقوق بعض الفئات المحددة من الأفراد كالأطفال والنساء، واللاجئين وغيرهم، وفي مجالات حقوقية معينة كمناهضة جميع أشكال التمييز لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية أو لغوية...، إضافة إلى وجوب ملائمة الدولة لقانونها الداخلي مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان في هذه المجالات الحقوقية، وأيضا توفير وسائل التظلم القضائي والإنصاف، لتمكين كل فرد من المطالبة بتوقيع الجزاء على من يعتدي على حقوقه المختلفة أمام المحاكم الوطنية.
- النّوع الثاني: التزامات التّنفيذ التّدريجي
يعني الالتزام بالتنفيذ التدريجي لحقوق الإنسان عدم تحقيق التمتع الفوري بطائفة من الحقوق في فترة زمنية محدّدة، لاستحالة ضمانها للأفراد بشكل سريع ولارتباطها بالتدابير المتخذة من طرف الدولة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، ممّا يجعل الاستفادة منها يطبعه التدرج كالحق في التنمية المستدامة والسكن اللائق والتغطية الصحية، وتعميم التربية والتعليم تماشيا مع أقصى ما تسمح به الموارد المتاحة للدولة.
لذلك نجد أنّ الاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان تنقسم من حيث آلية تنفيذها، إلى اتفاقيات قابلة للنفاذ التلقائي تلتزم الدول بتطبيقها ذاتيا ومباشرة دون اتخاذ أية إجراءات تشريعية أو إدارية، وهي الاتفاقيات التي لا تحتاج إلى تدخل تشريعي أو إداري من الدولة لتنفيذ أحكامها، وسبب ذلك أن الحقوق المنصوص عليها تتجذّر في الحضارة البشرية باعتبارها جزءا من التراث المشترك للإنسانية عبر تطوره التاريخي الطويل، وهي ثمّة فهي حقوق طبيعية أقرها اللّـه عز وجل للإنسان منذ ولادته.
وغالبا ما تكون أحكام هذه الاتفاقيات متطابقة مع التشريعات الوطنية، ومثال ذلك ما نصّ عليه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 في مادته السابعة الذي قرّر حق الإنسان في الكرامة بعدم جواز تعريضه لكل ما يمسه بالتعذيب أو الاسترقاق، وفي مادته التاسعة بضمان حقه في الحياة والسلامة ضد أي اعتداء، وفي مادته الثانية عشر بتأكيد حقه بالاعتراف له كشخص أمام القانون.
إنّ هذه الحقوق ذاتية النفاذ ولا تحتاج اتخاذ إجراءات تشريعية وإدارية من طرف الدولة لتطبيقها، ولذلك ذهب البعض إلى أنه يمكن للقضاء إصدار أحكامه القضائية استنادا لها مباشرة، وكذلك الأمر بالنسبة للإدارة حيث تستطيع الاستناد عليها مباشرة في ممارسة أعمالها الإدارية.
أما الاتفاقيات غير قابلة للنفاذ التلقائي فإنها مجموعة من الاتفاقيات التي تحتاج إلى تدخل تشريعي من طرف الدولة لتنفيذ أحكامها، وتأكيدا لهذا المعنى نصت المادة 14 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 «تتعهّد كل دولة طرف في هذا العهد، لم تكن بعد وهي تصبح طرفا فيه قد تمكنت من كفالة إلزامية ومجانية التعليم الابتدائي في بلدها ذاته أو أقاليم أخرى تحت ولاياتها، بالقيام في غضون سنتين، بوضع واعتماد خطة عمل مفصلة للتنفيذ الفعلي والتدريجي لمبدأ إلزامية التعليم ومجانيته للجميع، خلال عدد معقول من السنين يحدد في الخطة».
وبذلك لا يمكن تطبيق مضمون المادة 14 من الاتفاقية المذكورة المتعلق بالتزام الدولة الطرف بجعل التعليم الابتدائي إلزاميا ومجانيا، إضافة إلى جعل جميع مراحل التعليم الثانوي بمختلف أنواعه مجانيا والأخذ تدريجيا بمجانية التعليم العالي...إلخ، إلا إذا اتخذت الدولة إجراءات تستطيع من خلالها تطبيقها، وذلك للحاجة إلى وضع خطط تعليمية وتربوية ورصد أموال وإمكانات مادية وبشرية من بناء المدارس، المؤسسات، الجامعات وتكوين الأساتذة والمؤطّرين.
2 / طبيعة الالتزام الدولي
 بحماية حقوق الإنسان
يتميّز الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان بخصوصية معينة، فهو من جهة يحتوي على التزامات قانونية عامة وملزمة لجميع الدول يمكن إدراجها ضمن النظام العام الدولي، من جهة أخرى فإنه يمثل نظام قانوني موضوعي في مواجهة الكافة.
تعتبر القواعد الدولية الخاصة بحقوق الإنسان قواعد قانونية ملزمة، ترتب التزامات قانونية واضحة على عاتق الدول في مجال حماية حقوق الإنسان وحرياته، هذا الأمر أكدته محكمة العدل الدولية، حين أقرت في حكمها الصادر في قضية برشلونة تراكشن Barcelona Traction الصادر بتاريخ 5 فبراير 1970 بأن المبادئ والقواعد المتعلقة بالحقوق الأساسية للإنسان تنشئ على عاتق كل دولة واجبا نحو المجتمع الدولي بأسره، أي نحو كل الدول الأخرى، وعليه لكل دولة المصلحة في حماية حقوق الإنسان العالمية.
يعني ذلك أنّ المحكمة اعترفت بأن القواعد المتعلق بحماية حقوق الإنسان، تعد من قبيل القواعد الآمرة التي تعتبر حجة في مواجهة الكافة؛ حيث ميّزت المحكمة بين التزامات الدول تجاه المجتمع الدولي بأكمله وما ينشأ من التزامات تجاه دولة أخرى في إطار الحماية الدبلوماسية للوطنيين، فالالتزامات الأولى تخص بحكم طبيعتها كل الدول، وكنماذج للقانون الدولي المعاصر، أوضحت المحكمة الالتزامات الناتجة عن تحريم أعمال العدوان والإبادة، كما ذكرت المحكمة مبادئ وقواعد تتعلق بالحقوق الأساسية للإنسان. ونظرا لأهمية الحقوق المطروحة، يمكن اعتبار كل الدول لها مصلحة قانونية في حمايتها، لأن الالتزامات المنبثقة عنها ملزمة للجميع.
كما اعتبرت المحكمة في حكمها السالف الذكر في قضية برشلونة تراكشون (حكم بالمناسبة Obiter Dictum) أن القواعد الخاصة بحقوق الإنسان ذات طابع شامل وعالمي، وتندرج ضمن القواعد الآمرة (Jus Cogens) التي تتجاوز الاختصاص الوطني، بحيث يجوز لجميع الدول أن تعتبر بأن لها مصلحة قانونية في حماية هذه الحقوق وبالتالي فهي التزام في مواجهة الكافة (Obligation Erga Omnes).
هذا ونشير إلى أنّ محكمة العدل الدولية أكدت المفهوم المتقدم في القضية الخاصة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والعقاب عليها بين البوسنة والهرسك من جهة ويوغسلافيا من جهة أخرى (مرحلة الدفوع الأولية)، حيث أشارت إلى ضرورة النظر إلى هذه الاتفاقية من حيث موضوعها والغرض منها باعتبارها من الأسس الجوهرية للنظام القانوني الدولي المعاصر، إذ أنّها اتفاقية يجب أن تبقى محفورة في الضمير الإنساني العالمي مما يستوجب تطبيقها بصورة موضوعية، ففي الحكم الصادر بتاريخ 11 تموز / يوليو 1996 ذكرت المحكمة أن الحقوق والواجبات الواردة في الاتفاقية هي حقوق للجميع والتزامات على الجميع وبالتالي، فإنّ التزام كل دولة بمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ليس محدودا إقليميا بالاتفاقية.
كما أنّ الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان هي التزامات موضوعية، لا تخضع لمبدأ المعاملة بالمثل Principe de Réciprocité المستقر في القانون الدولي التقليدي، حيث لا يمكن لدولة ما أن تربط احترامها للحقوق والحريات التي تكفلها قواعد القانون الدولي للأفراد باحترام الدول الأخرى لهذه الحقوق، حيث أن هذه الأخيرة - كما يبين Jean Dupuy - ليست بضاعة تخضع لقاعدة الإيجاب والقبول ولا لقاعدة تبادل نقل الملكية، إنما هي نظام قانوني موضوعي ordre juridique objective يخص الجميع ولذلك تم استبعاد قاعدة المعاملة بالمثل. الأمر الذي يعني غياب الالتزامات الشخصية المتبادلة من قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
إضافة إلى ذلك أكّدت لجنة حقوق الإنسان سابقا في تعليقها العام رقم 31 على المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بقولها «أنّ لكل دولة من الدول الأطراف مصلحة قانونية في أداء كل دولة طرف أخرى لالتزاماتها، وهذا ناشئ من  كون القواعد المتعلقة بالحقوق الأساسية للإنسان تمثل التزامات تجاه الكافة،...».
أكّد كذلك معهد القانون الدولي على هذه الخاصية في قراره الصادر بتاريخ 13 سبتمبر 1989 بخصوص «حماية حقوق الإنسان ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول»، حيث تضمّنت المادة الأولى من هذا القرار فقرة جاء فيها أنّ «الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان - كما أعلنت محكمة العدل الدولية من قبل - هو التزام في مواجهة الكافة، وهو يقع على عاتق كل دولة في علاقاتها بالمجتمع الدولي ككل، وأن كل دولة تكون صاحبة مصلحة قانونية في حماية حقوق الإنسان. وأنّ هذا الالتزام يتضمن واجب التكاثف بين كل الدول لكي تضمن - بكل سرعة ممكنة - حماية فعالة لحقوق الإنسان في كل مكان في العالم».
واستنادا إلى التحليل الذي أجرته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 1951 الخاص بتفسير اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، فإنّ المعاهدات المتعلقة بحماية حقوق الإنسان لا ترمي إلى المصالح المتبادلة للدول، وإنما هي معاهدات شارعة تنشئ قواعد دولية موضوعية لا يتوقف الالتزام بتنفيذها من قبل دولة طرف على احترام الدولة الطرف الأخرى لها.
وقد أكّدت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان مبدأ عدم خضوع الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان لمبدأ المعاملة بالمثل وذلك في حكمها الصادر في 18 يناير 1978، والذي قرّرت فيه أنّ الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان تختلف عن المعاهدات الدولية التقليدية، بوصفها تنشئ التزامات موضوعية تتجاوز مبدأ المعاملة بالمثل بين أطرافها.
كما ساهم القضاء الجنائي الدولي في ترسيخ الطبيعة الآمرة لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وذلك من خلال المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة التي اعتبرت القاعدة التي تحرم التعذيب من القواعد الآمرة، وهو الموقف ذاته الذي تبناه مجلس اللوردات البريطاني في قضية بينوشي في حكمه الصادر بتاريخ 24 مارس 1999، وكذلك تأكيد الحكم الصادر عن الغرفة الكبرى للمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان بتاريخ 21 / 11 / 2001 في قضية العدساني ضد المملكة المتحدة، أن تحريم التعذيب هو من قبيل القواعد الآمرة في القانون الدولي.
ثانيا: صعوبات تنفيذ الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان
على الرغم من أنّ كل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان تلزم الدول باحترام وحماية حقوق الإنسان لكل الأشخاص المتواجدين على إقليمها والخاضعين لولايتها، إضافة إلى ضرورة قيامها باتخاذ جميع الإجراءات والتدابير اللازمة لتنفيذ التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، إلاّ أنّ الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان قد يصطدم بخصوصيات الدولة مثلما يظهر في النقطة الأولى، أو بسبب مشكلة المجال المحفوظ للدولة مثلما يتضح في النقطة الثانية.
1 / الصّعوبات المرتبطة
بخصوصيات حقوق الإنسان
من بين المسائل التي غالبا قد تؤدي إلى عرقلة تنفيذ الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان من طرف الدول مسألة الخصوصية، علما أن حقوق الإنسان تتميز بأنها ملك للإنسانية كلها ومن حق كل الأشخاص أن يتمتعوا بها على قدم المساواة وباستقلال تام عن انتماءهم إلى جنس، عرق، دين، ثقافة، لغة أو قومية معيّنة، وهي تشكّل أرضية مشتركة تتجاوز كل الحدود الجغرافية والثقافية والزمنية، وكرامة الإنسان لا وطن ولا جنسية لها فهي تراث مشترك لكل الإنسانية، ولهذا فإنّ حقوق الإنسان الأساسية تنطبق على جميع البشر بصرف النظر عن الخصوصيات الدينية، الثقافية، السياسية، الاجتماعية والاقتصادية.
أكّد إعلان وبرنامج فيينا الذي تمخّض عن أشغال المؤتمر العالمي الثاني لحقوق الإنسان المنعقد في فينا في 14 حزيران / جوان 1993 على عالمية حقوق الإنسان، حيث جاء في الفقرة الأولى من الإعلان أنه «..يؤكّد المؤتمر العالمي الثاني حول حقوق الإنسان على الالتزام العلني والعملي على ترقية الاحترام وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية للمجتمع تماشيا مع ميثاق الأمم المتحدة والصكوك الدولية الأخرى الخاصة بحقوق الإنسانّ.
كما تتميز حقوق الإنسان بأنها حقوق لا يمكن المساس بها أو انتهاكها ولا يمكن لأحد إلغاءها، كما لا يمكن لأحد أن يفقدها أو يتنازل عنها حتى ولو بإرادته. إضافة إلى ذلك فإن حقوق الإنسان لا يمكن الانتقاص منها، حيث لا يملك أحد الحق في حرمان شخص آخر منها مهما كانت الأسباب إلا وفقا لما يقرّره القانون، وحتى ولو كانت القوانين في بلد ما لا تعترف بذلك أو أن بلدا ما يقوم بانتهاكها، وعليه فإن انتهاك هذه الحقوق لا يعني عدم وجودها، علاوة على أن حقوق الإنسان في حالة تطور مستمر، وذات طبيعة حركية ومتجددة دوما، كما أنها مرتبطة بالإنسان بصفته إنسان.
إن حقوق الإنسان لا تقبل التجزئة على مستويين، فهي من جهة لا يجوز وضع هرمية وأفضلية بين الحقوق، فجميع الحقوق سواء السياسية، المدنية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية كلها ضرورية للعيش في كرامة، ومن جهة أخرى لا يحق لأحد أن يلغي أو ينتهك بعض الحقوق قصد تعزيز حقوق أخرى، هكذا فلا يجوز مثلا خرق الحقوق المدنية والسياسية بحجة تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
عبّر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن التكامل بين حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة، بصورة ضمنية في عدة مواده، ومن بينها المادة 30 التي أشارت إلى ضرورة تفسير الحقوق المعلنة بموجبه بصورة لا تفضي إلى هدم أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه، ممّا يعني عدم استبعاد أي منها، ويفترض أن حقوق الإنسان بناء متكامل يسند بعضه بعضا وأنها كل متكامل، وقد عبّر المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا عام 1993 في الفقرة الخامسة من الإعلان الصادر عنه عن حقيقة عالمية حقوق الإنسان وأنها مترابطة وغير قابلة للتجزئة.
غير أنّه سبق للعهدين الدوليين لحقوق الإنسان لعام 1966 أنّ سبقا في التأكيد على هذه الفكرة، حيث نصّت الفقرة الثالثة المشتركة من ديباجتهما على أن «...السبيل الوحيد لتحقيق المثل الأعلى المتمثل وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في أن يكون البشر أحرارا متحررين من الخوف والفاقة، هو سبيل تهيئة الظروف الضرورية لتمكين كل إنسان من التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك بحقوقه المدنية والسياسية».
إضافة إلى ذلك نجد الصعوبات المرتبطة بمشكلة التحفظ على اتفاقيات حقوق الإنسان، حيث يعد التحفظ إجراء قانوني تلجأ إليه الدول بهدف استبعاد الأثر القانوني أو تعديله لعدد من الأحكام الواردة في المعاهدة الدولية في مواجهتها، وذلك عند توقيعها، أو تصديقها، وانضمامها أو قبولها لهذه المعاهدة، لذلك من شأن أي تحفظ تقوم به دولة على أحكام معاهدة خاصة بحقوق الإنسان أن يؤدي إلى عرقلة تنفيذ الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان.
تتجلّى إشكالية التحفظ على اتفاقيات حقوق الإنسان في كثرة هذه التحفظات التي تقوم بها الدول واتساعها، لاسيما تلك المتعلقة بالاتفاقيات ذات الطابع العام مما يؤدي إلى عرقلة الهدف المراد من إبرام هذه المعاهدة، حيث نجد مثلا أن أكثر من 40 دولة من بين الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، قد قامت بإجراء أكثر من 150 تحفّظا وإعلانا تفسيريا على أحكامه، وهو الأمر ذاته بالنسبة للعديد من الاتفاقيات الأخرى.
2 / الصّعوبات المرتبطة
 بالمجال المحفوظ للدولة
إنَّ ميثاق هيئة الأمـم المتحدة لم يضع معيارا فاصلا للمسائل التي تعد من قبيل المـجـال المحفوظ للدولة، بالرغم من أن فرنسا كانت قد تقدمت بمذكرة إلى لجنة صياغة الميثاق في 21 مارس 1945 أكّدت فيها أن التحفظ أو التذرع بالسلطان الداخلي للدولة يجب ألاّ يطبق حين وقوع انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والتي تشكّل بحد ذاتها تهديدا للسلام، كما أشار وفد أستراليا إلى أنه إذا كان أعضاء الأمم المتحدة عازمين على اعتماد وسائل لحماية الأقليات، فيجب أن نقر بأن حماية الأقليات تعتبر من قضايا النظام الدولي، أي إخـراج حماية الأقليات من المجال المحفوظ للدول.
غير أنّ تغيّر طبيعة النزاعات الدولية وانتقالها من نزاعات محتدمة بين الدول إلى نزاعات تنشب داخل حدود الدول ذاتها، جعلت موضوع حقوق الإنسان، الديمقراطية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني لم تعد من صميم السلطان الداخلي للدولة، وإنما باتت من المسائل التي تلغي حدود السيادة الوطنية أمام تدخل الأمم المتحدة لاسيما مجلس الأمن عندما تتعرض هذه الحقوق للانتهاك من قبل أنظمة استبدادية تتستر وراء السيادة الوطنية.
هـذا التوجه الجديد عبَّـر عنه الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالي في تقريره المقدم بعد اجتماع قمة مجلس الأمن المنعقدة في 31 جانفي 1992 بقوله «أنّ احترام صميم سيادة الدول وسلامتها هو أمر حاسم لتحقيق أي تقدم دولي مشترك، بيد أن زمن السيادة المطلقة قد مضى. فالنظرية هنا لم تعد تنطبق على الواقع. ومهمة قادة الدول اليوم هي تفهم هذا الأمر وإيجاد توازن بين حاجات الحكم الداخلي، ومتطلبات عالم يزداد ترابطا يوما بعد يوم، فالتجارة والاتصالات، والأمور البيئية تتعدى الحدود الإدارية...ويكمن أحد متطلبات حلول هذه المشاكل في الالتزام بحقوق الإنسان...»، وهو ما دفع بالرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في نهاية القمة إلى الدعوة لضرورة تعديل ميثاق الأمم المتحدة وجعل حقوق الإنسان من اختصاصاتها بدلا من إبقائها شأنا داخليا.
وهكذا لم يعد مفهوم السيادة المطلقة الذي وضع في معاهدة وستفاليا وكرس في المادة 2 / 2 من الميثاق قادرا على تحقيق هدفه في حفظ السلـم والأمـن الدوليين في ضوء المتغيرات الدولية المعاصرة، الأمر الذي استوجب تطوير مفهوم السيادة باعتباره مفهوما نسبيا ينطلق من فكرة المسؤولية ولاسيما بعد أن أصبحت حقوق الإنسان جزءا من المسؤولية الدولية، ممّا يعطي الحق للأمم المتحدة في التدخل لحماية هذه الحقوق المنتهكة أثناء النزاعات الداخلية وما يرافقها من أعمال تطهير وتشريد للاجئين.
كما أنّ مبدأ عدم التدخل المنبثق عن فكرة سيادة الدولة لا يشكل حاجزا أمام تدخل مجلس الأمن تحت لواء التدخل لأغراض إنسانية، كما حدث في الصومال والبوسنة، بشكل يتيح إمكانية تجاوز مبدأ عدم التدخل، كما هو الشأن في حالـة انهيار الدولـة أو أثناء نزاعات داخلية حـادة (حالتا الصومال وروانـدا مثلا)، وقد أكّدت الممارسة الدولية تراجع مبدأ عدم التدخل في الوقت الذي ظهرت فيه الاعتبارات الإنسانية وحقوق الإنسان والديمقراطية، وقد مـرَّ هذا التراجع بمرحلتين، تميزت المرحلة الأولى منهما بارتباط المجال المحفوظ للدولة بتهديد السلم والأمن الدوليين كحالتي العراق والصومال. أما المرحلة الثانية فقد تمّ فيها إسقاط مبدأ المجال المحفوظ للدولة تماما، وهو ما تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قراريها  46 / 7 و 46 / 138 الصادرين في 11 أكتوبر 1991 بشأن هايتي، حيث لم يتم الإشارة فيهما إطلاقا لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

خاتمة

تبين من خلال هذه الدراسة أنّ كل الاتفاقيات الدولية العالمية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان توجب الدول بضرورة الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان، وذلك من خلال اتخاذ كل الإجراءات الضرورية التي تجعل تشريعاتها الوطنية متماشية مع التزاماتها الدولية.
كما أن الهدف من مختلف الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان هو تكوين وإنشاء عدد من القواعد القانونية التي تحمي حقوق الإنسان، والتي ترتب على عاتق الدول مجموعة من الالتزامات الدولية، علاوة على أن الالتزامات المترتبة على عاتق الدول بموجب هذه الاتفاقيات هي التزامات موضوعية des obligations objectives لا تخضع بتاتا لمبدأ المعاملة بالمثل le principe de réciprocité المعروف في القانون التقليدي.
غير أنّ الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان قد يصطدم أحيانا بمسألة الخصوصية التي تمتع بها كل دولة، بالرغم من أن حقوق الإنسان تتميز بأنها ملك للإنسانية كلها ومن حق كل الأشخاص أن يتمتعوا بها على قدم المساواة وباستقلال تام عن انتماءهم إلى جنس، عرق، دين، ثقافة، لغة أو قومية معينة، وهي تشكّل أرضية مشتركة تتجاوز كل الحدود الجغرافية والثقافية والزمنية، وكرامة الإنسان لا وطن ولا جنسية لها، فهي تراث مشترك لكل الإنسانية، ولهذا فان حقوق الإنسان الأساسية تنطبق على جميع البشر بصرف النظر عن الخصوصيات الدينية، الثقافية، السياسية، الاجتماعية والاقتصادية.
إلاّ أنّ الدول قد تلجأ إلى التحفظ على اتفاقيات حقوق الإنسان، لذلك من شأن أي تحفظ تقوم به دولة على أحكام معاهدة خاصة بحقوق الإنسان أن يؤدي إلى عرقلة تنفيذ الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان، وقد يتجلّى ذلك في كثرة هذه التحفظات التي تقوم بها الدول واتساعها، لاسيما تلك المتعلقة بالاتفاقيات ذات الطابع العام مما يؤدي إلى عرقلة الهدف المراد من إبرام هذه المعاهدة، وقصد تفعيل الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان يتعين على الدول القيام باتخاذ جميع الإجراءات المناسبة على الصعيد الوطني لجعل قوانينها تتماشى وتتلاءم مع التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، شريطة الأخذ بعين اعتبارها خصوصياتها الوطنية من جهة، ومراعاة سيادتها من جهة ثانية.