طباعة هذه الصفحة

د - سعدان شبايكي رئيس جمعية الاقتصاديّين الجزائريّين لـ «الشعب الاقتصادي»

الثلاثية إطـــار للتّشاور بين الشّركـــــاء وليــست فضاء لاتّخاذ القرارات

اجرى الحوار:سعيد بن عياد

يشخّص الدكتور شبايكي سعدان رئيس الجمعية الوطنية للاقتصاديين الجزائريين أبرز معالم الوضعية الراهنة المتّسمة بالصعوبة عشية انعقاد الثلاثية المقررة بعنابة غدا، ويقف في قراءة معمّقة عند بعض الملفات الشائكة التي تلقي بظلالها على موعد 6 مارس مثل قانون التقاعد المثير للجدل، والمؤشرات المالية التي تطلق إشارة حمراء، ومسألة الدعم المالي الموجه للتحويلات الاجتماعية وكذا عنصر يشكل خطورة يتمثل في التضخم وارتفاع الأسعار وتحدي تحجيم الاستيراد، إلى جانب إدراج العمل بنظام الفوترة في النشاط الفلاحي. كما يحدّد الأهداف المتوخّاة من النموذج الاقتصادي للنمو المعلن في ثلاثية بسكرة، مؤكدا أهمية تعزيز الثقة بين الشركاء لتجاوز المرحلة فيدعو إلى تنمية تحسين مؤشرات مناخ الاستثمار للرفع من درجة الجاذبية الاستثمارية، معرجا على المنظومة المصرفية التي لا تزال دون المطلوب بالنظر للدور المنتظر منها. وفيما يلي الحوار كاملا.


 الشعب الاقتصادي: تنعقد الثلاثية في ظل وضعية صعبة اقتصاديا وماليا، ما هي أبرز معالمها؟  
 الدكتور شبايكي سعدان: بالرغم من أن جدول أعمال الثلاثية لا يعلن عادة لأنها فضاء تشاور واقتراحات وليس فضاء قرارات، فإن الثلاثية عادة ما تتناول قضايا الساعة الملحة، وستتناول ثلاثية 6 مارس 2017 بمدينة عنابة هذه المرة في رأينا القضايا التالية التي لابد من حلحلة التفكير فيها وحولها إلى توضيح الرؤى أكثر أمام السلطة التنفيذية لعلها تستطيع توليد أفكار وإجراءات جديدة.
أولا: قانون التقاعد، الذي ولد ولادة قيصرية بحيث تمت المصادقة عليه دون أن يأخذ الحظ الوافر من النقاش على كافة المستويات وبرر تمريره ساعتها:
بالعجز المزمن لصندوق التقاعد الذي إن استمر فإنه قد يؤدي إلى التوقف عن دفع رواتب المتقاعدين الظروف الذي فرضت صيغته القديمة في بداية التسعينيات -  تحت ضغط صندوق النقد الدولي - لم تعد قائمة الآن وبالتالي فإن التضامن بين الأجيال يفرض العودة إلى الصيغة القديمة التي كانت موضوعة وفق معايير عالمية واقتصادية، ويسمح للصندوق بالتباعد بين طالبي التقاعد و العودة تدريجيا إلى حالة التوازن. وأعتقد أن قضايا التململ الذي لا يزال حاصلا بسببه بالإضافة إلى مطالب الإبقاء على التقاعد المسبق والمهن الشاقة ستجد لها حيزا في النقاشات من طرف النقابات والحكومة.
ثانيا: الصّعوبات المالية: بالرغم من النجاح الذي حققته الجزائر عبر وزير وخبرائها في شؤون الطاقة ودبلوماسييها في كثير من عواصم القرار في العالم، فإن البترول لم يستجب بالقدر المأمول لتخفيض الإنتاج، وبقي السعر دون الـ 60 دولار للبرميل، ولذلك سينصب النقاش في هذا الصدد على ثلاثة محاور:
محور الاقتراض العام، أي اللجوء إلى المواطنين من أجل تجميع أموال تساعد أو تخفّف من الحاجة الحادة للتمويل عبر قرض سند جديد أو الاتفاق على صيغة جديدة لدخول الاستدانة الخارجية وفق معايير تستند إلى إعمال الخطر الاقتصادي.
دعم أكثر أو وضع ميكانيزمات جديدة لامتصاص الكتلة النقدية المتوفرة في السوق خارج الدائرة الرسمية لدى الرافضين للتعامل مع المؤسسات المالية القائمة على اعتبار شبهة الربا، وستكون الحكومة هنا مدعومة إلى أن تكون براغماتية في التفكير ودقيقة في تأطير العملية قانونيا حتى تمنع أية انحرافات.
ثالثا: الدّعم والتّحويلات الاجتماعية: سيعاد طرح فكرة مفادها أن أموالا كبيرة تخصص للدعم الاجتماعي ولكنها  لا تصل مباشرة إلى المعنيين بل يستفاد منها الجميع،  وإنه لابد من إيجاد ميكانيزمات جديدة لإيصال الدعم إلى من يستحقه فقط، وسترفض الحكومة أي نقاش في هذه القضية باعتبارها مكسبا اجتماعيا لا تراجع عنه على الأقل في المديين القصير والمتوسط، وإن كنا نرى بأنه يمكن الاسترشاد بتجارب دول كثيرة ذات نماذج استهلاكية رائدة توفر للدولة أموالا وذات كذلك سياسات اجتماعية تستهدف الطبقات المعوزة، بحيث وفرت الكثير في المال وحقّقت نتائج إيجابية في قضايا الدعم والتحويلات الاجتماعية، كما أتوقّع أنّ الحكومة ورغم الصعوبات المالية ستؤكّد مرة أخرى على مواصلة سياسات الدعم الأخرى في ميادين السكن والصحة والتعليم.
رابعا: التضخم وارتفاع الأسعار: لقد بلغ التضخم معدلات متسارعة وأصبح يقارب الـ 7 بالمائة بسب ارتفاع الأسعار الذي كان نتيجة اقتصادية و نفسية لما يلي: قانون مالية 2017 الذي صاحبته تصريحات من وهناك شوشت كثيرا ولم تكن وزارة المالية في مستوى الحدث، بحيث لم تسلك سياسات إعلامية هادفة لا تترك مجالا للاستفراد بالمواطن الذي كان ضحية جو نفسي استغله التجار، بحيث ارتفعت أسعار قبل صدور القانون كما أنّ غياب ضبط الأسواق ساهم بشكل كبير في فوضى الأسواق الحاصلة الآن.
رابعا: تحجيم الإستيراد: الذي هو ذو أهداف نبيلة منها دعم الإنتاج الوطني وإنقاص فاتورة الاستيراد عبر سياسات الإحلال من خلال عودة نظام التراخيص التي ساهم التعامل الإداري البطيء معها في توسيع الأثر غير الإيجابي، وأدت إلى نتائج عكسية مثل الندرة وارتفاع الأسعار، وأكيد سيأخذ موضوع تحجيم الاستيراد مرة أخرى حيزا من ابداء الآراء كمن أجل الوصول بفكرته إلى بر الأمان دون التراجع عنها عبر تنفيس بشكل أو بآخر.
خامسا: إعمال نظام الفوترة في القطاع الفلاحي: وهي فكرة جيدة إذ لأول مرة منذ استعادة السيادة الوطنية يتم إقرار إدخال القطاع الفلاحي إلى دائرة التعامل النقدي الرسمي على اعتبار أن 50 بالمائة  تقريبا من القطاع غير الرسمي في الجزائر تخص القطاع الفلاحي، فالكل ينتج والكل يبيع دون أن نعرف التكاليف والأسعار والضرائب المستحقة في الوقت الذي يستفيد القطاع من تسهيلات مالية و طاقوية كثيرة، غير أن الرافضين بدأوا ممارسة كل أشكال الاحتكار والامتناع، فارتفعت الأسعار أكثر وستقوم الحكومة حسب ما أتصوّر بمزيد من الإجراءات من أجل تنفيذ هذه الفكرة لأنها تصب في خانات عديدة منها تحجيم القطاع غير الرسمي الذي أخذ أبعادا واضحة.
وأخيرا وليس آخرا انتخابات تشريعيات 2017: إذ لا يمكن أن تمر الثلاثية دون تأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بالانتخابات القادمة، بحيث أتكهّن أن كثيرا من الأفكار التي ستصدر ستكون ذات غاية انتخابية ليس لصالح حزب معين ولكن لصالح رفع نسبة المشاركة، وتمرير رسائل لنوايا الحكومة مستقبلا في ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما ستكون فرصة لأصحاب القرار للتأكيد على ضرورة المزيد من الإجراءات لإنقاص تأثير المال - و خاصة القذر منه - على السياسة.
إيجاد بدائل مالية
وتوجيه البنوك إلى دخول الاستثمار
❊ لمواجهة الظّرف تمّ اعتماد خيار النموذج الاقتصادي الجديد للنمو القائم على الرفع من وتيرة الإنتاج خارج المحروقات
❊❊ إنّ نموذج النمو الاقتصادي الجديد هو الذي خرجت به ثلاثية بسكرة، والذي فرضته الأزمة المالية التي سببها انخفاض أسعار البترول ويهدف إلى: العمل بكل السبل على إيجاد بدائل مالية في المديين القصير والمتوسط، تشجيع تنويع الاقتصاد، ضرورة دخول البنوك مجال الاستثمار، فرض مبادئ الاعتماد على النفس على المؤسسات الوطنية، إعمال قواعد التسيير الحديث لرفع الإنتاج والإنتاجية من أجل تنافسية تسمح بالولوج إلى الأسواق الخارجية.
وستكون فرصة أمام كل الأطراف لتقييم ما تم إنجازه من هذا النّموذج، وسيأخذ حسب تصوّري قسطا كبيرا من النقاش لأنه يفرض صرامة كبيرة قد يكون قد تحرج منها أرباب العمل بحيث تتعارض الأهداف بسبب تعارض التضحيات المطلوبة لتجاوز الأزمة المالية.
تنويع الاقتصاد وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي
❊ كيف يمكن التّوازن بين الحد من الاستيراد والرفع من الإنتاج، أقصد بناء الثّقة بين الشّركاء؟
❊❊ تحجيم الاستيراد قرار نحييه وقد فرضه انخفاض أسعار البترول، ونتمنّى عدم التراجع عنه والبديل حسب ثلاثية بسكرة هو تنويع الاقتصاد وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي بشروط، ولكن ذلك لن يكون سهلا بسبب مقاومة الجشعين الذي تعوّدوا على تحويل القيم من القطاع الحكومي عبر الاستيراد، ولذلك فإنّ الوصول إلى عتبة التوازن التي تحدّثتم عنها لن تكون غدا بل ستحصل بعد سنوات من الإصرار والإجراءات التي تجسد في الميدان بشكل مستمر.
لا تزال البيروقراطية
تطبع الأداء المناجريالي
مناخ الاستثمار يبدو ملائما لبعث نشاط المؤسسة الإنتاجية، لماذا لا تسجّل الوتيرة المنتظرة. هل تعاني المؤسّسة مصدر الثروة من أزمة تحديد الخيارات، علما أنّه سجّلت مبادرة استرجاع العقار الصناعي غير المستغل وإطلاق بناء مناطق صناعية جديدة؟
❊❊ لا يزال مناخ الاستثمار في بلادنا بعيدا عن المستوى الأمثل، إذ لا تزال البيروقراطية تطبع الأداء المناجريالي في كثير من المستويات، ناهيك عن ضعف قدرة الدولة على الضبط الاقتصادي واضحة جدا، كما أن مستوى تدخل مؤسساتنا المالية  في الاستثمار لا تزال محتشمة. أما قضية العقار فهي قضية حق أريد بها باطل فمن يعتقد بأنه على الدولة توفير العقار للمستثمرين مخطئ، ولابد على المستثمرين والدولة أيضا الاحتكام إلى السوق لتوفير ظروف و عوامل الإنتاج كلها، وهنا لابد من تشجيع استعادة العقار غير المستعمل في غاياته الأصلية واستعماله في النفع العام. إنّ المؤسّسة الوطنية مدعوة معالجة نقائصها المناجريالية أولا التي تنصرف إلى تحسين الأداء ورفع الإنتاجية والتحكم في تقنيات التسويق من أجل تنافسية أحسن.
البنوك الحلقة الأضعف
بالرّغم من نوايا الدولة
❊ في كل هذا للبنوك دور محوري هل تفي المنظومة المصرفية بالغرض، وما هي شروط تحسين أدائها؟  
❊❊ بنوكنا هي الحلقة الأضعف في اقتصادنا، فبرغم نوايا الدولة في ضرورة أن تلعب البنوك دور المستثمر والمعبأ للادخار والمقرض الذي يستجيب بسرعة لانشغالات المستثمرين، إلاّ أنّ شيئا من هذا لم يحدث تقريبا أو يحدث ببطء شديد وقد يعود هذا إلى الجو الاقتصادي العام و قلة التجربة، ولكن الشيء الذي لا خلاف حوله هو ضرورة إيجاد سبل لدفع كل المؤسسات المالية إلى معترك الاستثمار أمر ملح.
❊ الشّراكة الجزائرية - الجزائرية (قطاع عام وخاص)لا تبدو في مستوى التحدي المصيري للجميع، لماذا وهل تطرح مسألة الثّقة؟  
❊❊ بصراحة الحديث عن هذا النوع من الشراكات حظه في النجاح ضئيل نظرا لاختلاف المنطلقات والمقاصد، فالقطاع العام هو قطاع تغلب عليه الإدارة أكثر من إدارة الأعمال في القطاع الخاص والقطاع العام تقف الدولة وراءه بشكل مباشر أو غير مباشر والقطاع الخاص ليس أمامه أو وراءه سوى إعمال مبدأ الخطر الاقتصادي، وهنا تدخل السياسة للتأثير على الخيارات فننتقل حينئذ إلى تذبذب في الثقة بين الطرفين تقلل من نسب النجاح ونسب تعميم هذه الشراكة، ولكن لا ننكر أنه بالإمكان تحقيق هذه الشراكات على المدى البعيد فعمر البلاد اقتصاديا قصير مقارنة بضرورة تراكم معرفي اقتصادي ينمو فيؤدي إلى خيارات اقتصادية أخرى منها التعاون والشراكة.
الدولة بقطاعها العمومي
هي المستثمر الأول والكبير
❊ ألا ينبغي تأطير هذا المسار بإجراءات قانونية تحمي أصول وحقوق الشركاء خاصة بالنسبة للقطاع العام، الذي لا يزال يلعب دوره في النمو ومواجهة الجبهة الاجتماعية قصد التّقليل من البطالة وتأمين الدخل للأسر؟
❊❊ إنّ الدول المتقدّمة هي تلك التي بدأت فيها الدولة ببناء القاعدة الاقتصادية الصلبة ووضع سياسات الحماية الإجتماعية، وبعد ذلك يكمل القطاع الخاص المسيرة تدريجيا حتى يصبح الممارسة الغالبة في الدولة.
أما في حالة الجزائر فإنّنا لا نزال في مرحلة التحول الاقتصادي أولا من الاقتصاد الإداري إلى اقتصاد حر ناهيك عن أن مرحلة التحول هذه قد تطول أو تقصر بحسب درجة النمو الاقتصادي، وبحسب درجة الأداء الاقتصادي للأعوان الاقتصاديين، وهو شيء غائب ولا يزال التحول مستمرا، ولا نستغرب أن تكون الدولة بقطاعها العمومي هي المستثمر الأول والكبير لأنّ لها غايات اجتماعية واقتصادية ليست في أجندة خواصنا في المرحلة الحالية. وبناء عليه فإنّ مثل ما قلتم لابد من وقت لبناء ظروف يصبح فيها التعاون مع القطاع الخاص ميسرا أكثر عبر استكمال المنظومات القانونية الضرورية.
 ❊ إعادة التّفكير في آليات إيصال الدّعم إلى مستحقّيه فقط تخصّص الدولة موارد كبيرة للتّضامن الوطني، ألم يحن الوقت لإعادة ترتيب آليات هذا القطاع، فيما تعرف الأسواق التهابا في الأسعار رغم الوفرة والتمويل الهائل من الدولة للفلاحة، كيف يمكن كسر شوكة المضاربين خاصة ورمضان على الأبواب؟  
❊❊ أشرت سابقا إلى أنّ ملف الدعم الاجتماعي يطرح كل مرة في العديد من الفضاءات النقاش والغاية هي ترشيد الدعم وليس إلغاؤه، ولكن ما هناك تحرج في تناول هذا الملف، بحيث الدولة تعتبر أن الأمر محسوم ولا تراجع عن خيار الدعم الاجتماعي، ولكني متأكّد من إعادة التفكير في آليات إيصال الدعم إلى مستحقيه فقط ستفرض نفسها قريبا.
وفيما يخص عودة ظاهرة التهاب الأسعار فإنّي أعتقد أنه لا يمكن مكافحة المضاربين إلا بلعب الدولة لدورها في ضبط السوق أي الحضور اليومي والدائم في الأسواق عبر مكاتب وأعوان لضمان احترام الأسعار والمنافسة، وتطبيق القانون بصرامة شديدة وساعتها سيتعوّد التجار على الانضباط ضمن المعايير الاحترافية.