طباعة هذه الصفحة

“الشعب” تسلّط الضوء على الزاوية الخفية من أسرار وطقوس أغنية القناوي

أغان من التراث الافريقي متجذرة في التقاليد الشعبية المحلية

معسكر: أم الخير.س

معرفة الجميع بالطابع الموسيقي “القناوي” بسيطة وقد لا تتعدى عند البعض معرفة أنه طابع غنائي من التراث الشعبي، أدخلت عليه في بعض الحالات الرائجة عند الفرق الموسيقة الحديثة النشأة آلات موسيقية عصرية، الأمر الذي يجعل القناوي يفقد خصوصياته، لكن ما تحرت “الشعب” عنه من خلال استطلاعها يعكس مدى اهتمام فرقة “الراشدية لرجال قناوة” بمعسكر، بالمحافظة على هذا الإرث الثقافي المليء بأسرار خفية لا يعلمها الجمهور الواسع، حتى أنه قد لا توجد لدى ممارسي هذا الطابع الفني نفسهم دراية كافية بطقوسه وأصوله.
وقد عادت “الشعب” لتسلط الضوء على تراث “القناوي” بحديث موسع مع القائم على شؤون فرقة الراشدية لرجال قناوة: المقدم علي محمد حصاب.
الفصل بين القناوي الأصلي والقناوي العصري للحفاظ على التراث الأفريقي.

أكد “المقدم” علي حصاب أنه من الضروري الفصل بين الطابع الموسيقي لأغنية القناوي المؤداة بآلات موسيقية عصرية، والقناوي “الأصلي” الذي يعتمد على آلة القمبري والطبل والقرقابو، موضحا أن هذه الأخيرة كفيلة بزرع روحانية الموسيقى والتأثير بجمهورها الذي يتراقص مع موسيقى القناوي الأصلي المؤدى بآلات تقليدية لدرجة فقدان الوعي والإغماء، عكس ما يفعله القناوي المؤدى بطريقة عصرية تدرج فيها الغيتارة الالكترونية والذي يمتّع الجمهور نسبيا دون تأثير يراد به الغوص في مفاهيم الطابع الموسيقي والانسجام معه.
طقوس وتقاليد في موسيقى القناوي
 ذات روحانية ومناهضة للاستعباد
وتحدث رئيس فرقة الراشدية للفن الفلكلوري “القناوي”، عن الطقوس الممارسة في هذا الفن الذي تستعمل فيه البخور وملابس تقليدية ترمز للقبائل الإفريقية التي عانت ويلات الاستعباد من طرف الاستعمار البريطاني، وكذا “الأبراج” التي تحكي قصص وروايات حدثت لتلك القبائل في الأزمنة الغابرة..
ويقصد بالأبراج في طابع القناوي الأغاني التراثية المتداولة بين الأجيال الممارسة للطابع الموسيقي منذ قرون قديمة، حيث تروي قصصا حدثت للمستعبدين الذين كانوا يهجرون في البواخر الشراعية للمستعمر البريطاني في فترة من الزمن، وكان هؤلاء العبيد يستغلون في تجديف هذه البواخر الشراعية للوصول إلى الضفة الأخرى من حوض المتوسط، ومن هذه القصة ــ يوضح علي حصاب ــ جاء شكل آلة القمبري المصنوعة من جلد الجمال والتي ترمز إلى الباخرة الشراعية وتشبهها في الشكل والتصميم كذلك، ويرمز أوتارها الثلاثة “اليوماني، كويو والدهواني”، حسب مسمياتها القديمة إلى الحرية والتحرر من العبودية، كما يرمز “القرقابو” إلى السلاسل والأغلال والخلاخل التي كانت تقيد بها أقدام الأفارقة السود، فتصدر منها إيقاعات موسيقية بعد أن يضرب السود بأرجلهم على سطح الباخرة الشراعية وهم يجدفون ويؤدون ترانيم غنائية شبيهة بالنحيب على ما آلت إليه أوضاعهم الإنسانية المزرية، والذي هو في الأساس أصل كلمات الأبراج والأغاني بمفهومها الواسع، التي تروي حكايات سكان القبائل الأصلية لدولة غينيا في أفريقيا على غرار قبائل أولاد حوصة، اولاد بمبرا واولاد الفلالين، اولاد بوزو واولاد غنغا، المنحدرة من غينيا الأفريقية، وينحدر منها فرع من المهجرين إلى أوروبا بغرض الاستعباد، فالجد الأكبر لأعضاء الفرقة وهو “الحاج قنقا” المولود بسنوات 1900 عاد ليستقر بالجزائر، وبالتحديد بمنطقة معسكر حسب الروايات التاريخية فارا من العبودية، يضيف رئيس جمعية الراشدية لرجال قناوة.
كما ترمز الأزياء التقليدية والألوان في القناوي إلى تلك القبائل السالفة الذكر وراياتها، فضلا أنها توحي في الأداء الفلكلوري إلى طابع البرج الذي يتأثر به الراقص من الجمهور، فيقوم بعفوية لتأدية الرقصة بحركات غير متوازنة ترفع فيها الأيدي ويهز الرأس يمينا وشمالا ومن الأعلى للأسفل، وفي الأصل تركز حركات رقصة القناوي على هز الرأس وتحريكه، ويواصل فعل ذلك حتى يسقط من التعب أو الإغماء وهذه الحالة تفسر على أن الراقص المتأثر بالبرج المؤدى كان تغمره مشاعر الحزن المكبوتة وفي حالة نفسية سيئة مشابهة لتلك التي ترويها الأغنية، ويدعى الراقص في هذه الحالة من جهة أخرى بـ«صاحب البرج”، ثم يأتي “الشاوش” ليغطى الراقص بإزار أسود أو أحمر أو أخضر حسب زي القبيلة صاحبة البرج، “أي أن الأغنية صدرت من طرف قناوة القبيلة الفلانية”، مع الإشارة أن هناك من الأبراج المؤداة في موسيقى القناوي، ما يأتي بلهجة أفريقية محلية يصعب فهمها بالرغم من قوة تأثيرها.
وذكر علي محمد حصاب أنه تم إضافة أغاني محلية لهذا النوع دون تغيير النمط الموسيقي على غرار برج “جنغر ماما”، وهي رواية قديمة تحكي قصة فتاة توفيت والدتها على صدرها حين كانتا في بادية خالية بمنطقة سعيدة، فبدأت بالنحيب مرددة “إيه ماما.. جنغر ماما” وبرج “غورما” الموروث عن رجال قناوة بمنطقة كريشتل بوهران، والتي تروي قصة أم فقدت ابنها الشاب الذي سلب منها من طرف المستعمرين في وقت قديم فأخذت الأم بالنحيب منادية الولي الصالح سيدي موسى المنصوب ضريحه على ساحل مدينة كريشتل بوهران، عسى أن تحظى بمساعدته ويأخذ بثأره من المستعمرين فأخذت تقول “غورما.. آ سيدي موسى..” إلى آخر الأغنية، حيث بقيت هذه الأبراج من فن القناوي التراثي محافظة على طابعها القناوي وتوارثتها أجيال كثيرة دون أن يطرأ عليها أي تغيير على الطابع والأداء وحتى بنفس التأثير الروحي على المتلقي من الجمهور، بحكم الظروف الزمنية المتغيرة.
تأطير محكم وقوانين
 داخلية لرجال قناوة
ويؤطر رجال قناوة نظام داخلي محكم التنظيم، كما تؤطر جلساتهم الفلكلورية قواعد لا سبيل لمخالفتها، حيث يأتي المقدم على رأس هرم سلطة الديوان، وهو الرجل صاحب المكانة والأمر، ثم المعلم وهو العازف على آلة القمبري، والـ«كيو بانغو” مؤدي الأغنية و«القناديز” (جمع قندوز) الذين يصاحبون العزف على الطبل والقرقابو، كما يشارك أداء الفرقة رجل يتوسط الجلسة واقفا أو منحنيا في رقصات فلكلورية موحية ويدعى هذا العصر الهام في الفرقة بـ«الشاوش”، وتقتصر مهامه على الرقص المعبر بحركات منسجمة وخاصة، بكل برج كما تقتضي مهامه في الفرقة تلبيس الراقصين وتغطيتهم بالرداء الملون حسب كل برج باعتبار أن الالتزام بلون الرداء أمر ضروري لدى رجال قناوة لصلته بأصل الأغنية الموصول للقبيلة الأفريقية، كما لنساء قناوة دورهن في ديوان رجال قناوة، حيث توزع المهام عليهن بين المكلفة بتلبيس النسوة الرداء الملون وبين معدة لطبق “الروينة” الذي له مفعول سحري خاص حسب معتقدات رجال القناوة، وهي بدورها أكلة شعبية محلية تصنع من دقيق القمح الرطب وتخلط بالماء والسكر أو العسل وتقدم خلال احتفلات القناوي للجمهور، كما يعتقد أن “أكلة الروينة” تعالج من أثار السحر والمس ولها أسرار أخرى يعتقد بها هؤلاء وفضلوا عدم الخوض فيها.
أضحية “الثور السنوية” للتقرب من الله وتعميم الصدقة
كما تتصل طقوس رجال قناوة إلى حد ما بالمبادئ الشرعية والعقائدية، فهم يقيمون احتفالا سنويا يراد به طلب العطف والرحمة والاستسقاء في أغلب الحالات التي يضرب فيها الجفاف منطقة معسكر، ويستمر احتفال رجال قناوة طيلة سبعة أيام وسبع ليالي تؤدى فيها 999 أغنية / برج تحضيرا لمأدبة ختام هذه الاحتفال السنوي، فتحرق البخور وأعواد الطيب ويرتدي أعضاء الفرقة وجمهورها المحلي من الجنسين ملابس الريش الأفريقية، ويتراقصون على أنغام القمبري، ثم تأتي مراسيم ذبح الثور الأسود، حيث يعمد هؤلاء إلى المشي في أرجاء المدينة والتجول بأنغامهم القناوية ويحملون طبقا تجمع فيه القطع النقدية بما تجود به أيدي المحسنين كصدقة، كل هذا لإقامة الحفل السنوي الغرض منه إطعام الجميع طبق تقليدي من “دقيق القمح ولحم الثور الأسود” تقربا لله.
أسرار يكشف عنها للمرة
الأولى وبشكل حصري
وأوضح رئيس الجمعية “رجال قناوة الراشدية”، أن الأسرار التي كشفنا عنها في استطلاعنا لم يكشف عنها من قبل، غير أنه واصل الحديث بالقول، إن هناك أسرار ليست في متناول الجميع حتى لا تستعمل لأغراض أخرى لا تنطبق على عادات وتقاليد مجتمع رجال قناوة، على غرار سر استعمال الخناجر في تقطيع جسد العضو دون أن يمسه أي سوء وهي أساليب خطيرة على عامة الناس دون غيرهم من رجال قناوة وتمثل رواية “جنغر ماما” التي ظلت تنعي موت والدتها حتى سالت الدماء من جسمها، ويبقى استعمال الخنجر الذي يخرق أجزاء الجسد سرا لا يكشف عنه إلا للذين يتمكن “المقدمون” من منحهم حكمته، ويمنح هذا السر من أكبر عضو معمر في الفرقة بدرجة مقدم للمقدم بقصد “تسريحه” ويعنى بـ«التسريح” نيل رضا “المقاديم”، وهو أيضا بمثابة نيل شهادة النجاح في اختبار الثقة في الامتحانات التي يخضع لها أي ملتحق بفرقة رجال قناوة.
وأضاف محمد علي حصاب أن هذا السر يمنح أيضا لأشبال الفرقة الذين تربوا على الطريقة القناوية الصحيحة وغير المخالفة للنظم الداخلية والقواعد والتقاليد، حيث عمد رئيس فرقة رجال قناوة إلى تعليم النشء الجديد من الأطفال هذا الفن بأصوله وتقاليده في مشروع يسمى بالمدرسة للمحافظة على التراث القناوي، والتي تشمل بتعليم الجيل القادم على مستوى 3 فرق يعتمد فيها على سن الملتحق من 6 سنوات إلى 92 سنة، بدون أي شروط أخرى.

مدرسة لتعليم فن القناوي
ومشاريع فنية في الأفق

كما طرح رئيس جمعية “الراشدية لرجال قناوة “المعتمدة منذ سنة 1985، جملة المشاكل التي تعترض مسيرة الجمعية التي فرضت تموقعها بفضل وجودها المستمر في الساحة الثقافية والفنية، فضلا إلى مشاركتها في عدة مهرجانات وطنية ومحلية، وأسابيع التراث في مناطق مختلفة من الوطن، وهي جميعها مشاكل ترتبط بعدم توفر مقر اجتماعي وغياب الدعم المادي الكافي لإحياء الحفلات والتظاهرات الثقافية، حيث تقتصر إمدادات الجمعية في سبيل التحرك والنشاط الثقافي على تضافر جهود أعضائها وفضل المحسنين في احتفالها السنوي الذي تشارك فيه 10 فرق من ربوع الوطن، هذا الاحتفال الذي يعتبر بحد ذاته تحديا بالنسبة للفرقة الواثقة من تغلغل إرثها الثقافي في المجتمع دون مخافة التعثر لأسباب مادية.

التحضير للمهرجان الوطني لفن القناوي في طبعته الثانية بمعسكر

توسعت نشاطات فرقة الراشدية لرجال القناوة من إحياء الحفلات والأعراس التي تطلب الفرقة بإلحاح، فمحليا لا يمكن لأي حفل زفاف ان يمر دون جلب فرقة لـ«القرقابو” ورقص فلكلوري، وتعدى ذلك لدرجة أن الفرقة ذاع صيتها على المستوى الوطني، وها هي تحضر لإحياء المهرجان الوطني لفن القناوي في طبعته الثانية والذي ستحتضنه ولاية معسكر في نوفمبر المقبل تحت رعاية مصالح الشبيبة والرياضة وبمشاركة أكثر من 30 فرقة من ربوع الوطن، بعد تصفيات ستقام في الشهر المقبل، ويهدف بإقامة هذه التصفيات إلى الفصل بين الفرق التي تحافظ على الطبع الأصلي لموسيقى القناوي وأنغام “الكويو” التي تعتمد على الطبل والقرقابو وآلة القمبري دون غيرها من الفرق التي أدخلت آلات موسيقية عصرية على هذا الطابع التراثي، كل ذلك بهدف الحفاظ على القيمة التاريخية والفنية للطابع الموسيقي.