طباعة هذه الصفحة

بعد مطالب لعمامرة بإعفائه كمبعوث أممي:

الحلـول مؤجلة إلى إشعـار آخر في ليبيــا

جمال أوكيلي

الأزمة  الليبية  في مفترق الطرق هذا ما نوصف به السقف الذي وصلت اليه الأوضاع على أرض عمر المختار سياسيا وعسكريا كل من يصد هجوم الآخر يهلل بالانتصار والحقيقة  مغيب في هذا الشأن لاتخرج عن نطاق العمل الدعائي الدقيق والصور التي تبث من حين لاخر مصدرها الأرشيف في كل مر تكرر حتى يعتقد البعض  بأن هناك غلاب ومغلوب والواقع غير ذلك كون المقارب المتبع حاليا من الأطراف المتدخل خاطئ من الأساس عندما اعتقدوا بأن الحسم يكون في استمرار القتال.
كنا على وشك التوصل إلى حل دائم لو احتكم البعض إلى رحاجة العقل والإبتعاد عن الحسابات الضيقة، والتحلي بروح المسؤولية عندما اقترح الدبلوماسي الجزائري البارز رمطان لعمامرة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة لتولي منصب المبعوث الأممي لمتابعة الملف الليبي، نظرا لحنكته في إدارة مثل هذه الأزمات الحادة والمؤثرة في استقرار البلدان.
غير أن اعتبارات خارجة عن ذلك الإطار السلس، والمسعى الجامع الذي يحز في نفسية كل غيور عن تسوية حقيقية، نسف هذا التوجه الجاد والإختيار الصائب، ليدخلنا في متاهات أخرى نحن في غنى عنها، بوادرها ظاهرة للعنان اليوم أمام تزايد التطاحن والتدمير الذاتي الملاحظ منذ إعلان غسان سلامة إنسحابه رسميا من حلبة الوساطة بعدما لاحظ بأن لا أحد يستمع إليه، سواء في طرابلس أو بنغازي، الكل منهمك في إزاحة الآخر من الساحة وهذا أمر مستحيل، قد يخطئ من يعتقد ذلك أمام الدعم الذي يتلقاه كل طرف من أجل تمتين وتحصين مواقعه.
وهكذا، فإن الذين اعترضوا على لعمامرة إنما نقول لهم بأنهم ضيعوا فرصة تاريخية لا تعوض من أجل وضع اللبنات الأولى والأساسات الصلبة للشروع في التقريب بين كل الأشقاء الليبيين قصد التوصل إلى حل يرضي الجميع إذا ما استندنا إلى الإجماع الذي يحظى به هذا الرجل في الأوساط الدبلوماسية الدولية وخاصة بين الليبيين، الذين رأوا في قدوم لعمامرة بارقة أمل لإخراحهم من هذه الضائقة عقب سقوط القذافي.
زيادة على ارتفاع أصوات من داخل ليبيا من ساسة وشخصيات ذات وزن، مطالبة بأن يكون المبعوث القادم من المنطقة. وضمنيا، فإن رسالة هؤلاء واضحة لا غبار عليها، وقد فهم غوتيرس ذلك فهما مباشرا ولم يتوان بأن يعين شخصية جزائرية بهذا المنصب، إيمانا منه بالكفاءات العالية للعمامرة في تقديم الإضافة المرجوة التي لا تتوفر عند كل من عمل في هذا الشأن.
ونعتقد جازمين بأن خيار «مبعوث من المنطقة» في محله والأكثر من هذا منطقي، ينم عن نظرة واقعية في البحث عن تسوية دائمة للأزمة الليبية التي طال أمدها وهذا من جميع النواحي، خاصة ما تعلق بالقابلية وإسقاط الحواجز النفسية في الواصل مع الآخر، دون أن تتغاضى عن التمتع بالقدرة العالية في إدارة الملف وفق الرصيد الثري الذي ميز الشخصية المختارة وكل هذه المواصفات المهنية نجدها لدى الدبلوماسي الجزائري.
وهكذا، فإن الإعتراف الصادر عن دولة تتمتع بحق النقض (الفيتو) غير مؤسس بتاتا ولم يبن على رؤية سليمة وطرح صحيح، بل كان ضحية تلاعبات، مناورات، ضغوطات وإبتزازات دنيئة غير أخلاقية وادعاءات باطلة وحتى وشايات، للأسف الشديد. هذا ما وقع. إذ كيف يفسر منح ضمانات صريحة من لدن كافة أعضاء الأمن ما عدا الطرف المعني؟
لا نجد تفسيرا معقولا لما حدث، غير أن المتواطئين ساروا على درب شعار «لا أخلاق في السياسة» هذا من جهة، ومن جهة ثانية توقعوا بأنه الأزمة ستحل آجلا أم عاجلا في حالة إسنادها إلى الجزائريين والتاريخ يشهد على ذلك، وخير أمثلة التفاهمات بين العراق وإيران، قضية الرهائن الأمريكيين، أثيوبيا، إيريتيريا... سجل دبلوماسي زاخر بالنجاحات لا يتوفر عند الآخرين.
وعليه، فإن الملف يتطلب العودة فورا إلى الإشراف الأممي حتى لا يبقى تحت طائلة أطراف تصب الزيت على النار، معتقدة بأن «الحل عسكري» هذا قِصَرُ نظر وحتى مغامرة لا تحمد عقباها تدخل المنطقة في مواجهات لا بداية ولا نهاية لها، ملامحها تطفو إلى السطح حاليا من خلال ضراوة المعارك وشدة القتال، بالرغم من أن المحاولات الأخيرة أوصت بتوقيف حملات توريد الأسلحة للأطراف المتحاربة، غير أن هذه التوصية ضرب بها عرض الحائط وسقطت في الماء ولم يلتزم بها أحد، إذ ما تزال مطارات وموانئ ليبيا تستقبل شحنات كبيرة من الأسلحة المتطورة، فكيف يضع السلام في مثل هذه الحالة المتأزمة؟
فرص التسوية ماتزال قائمة وكل الأطراف تأمل أن يعين المبعوث الأممي في أقرب وقت، لكن من هو المقترح هذه المرة، بعد إعلان لعمامرة تخليه عن المنصب؟ سؤال جدير بالطرح ومن حق الجزائر معرفة ذلك، لأن الأمر يهمها مباشرة، كونها أقرب المقربين من الليبيين ولها دراية واسعة بالملف بحكم عدة عوامل تاريخية وسياسية، زيادة على حرصها الشديد على الإستقرار في المنطقة حتى لا تكون إنزلاقات غير محسوبة، أو العودة ثانية للوقوع في نفس الأخطاء السابقة والرهان على الوقت الذي لم يخدم المسألة بتاتا.
لذلك، فإن الجزائر تنطلق من مسافة واحدة مع كل الليبيين، سواء المتواجدين في بنغازي أو طرابلس، وليس لديها أي نوايا تجاه ما يجري في هذا البلد، بدليل أن زيارة وزير الشؤون الخارجية صري بوقدوم كانت لحفتر والسراج أملا في إيجاد أرضية مشتركة لاستئناف الحوار الليبي ـ الليبي وهذا الخيار السياسي حتمية لا مفر منها.
والإسراع اليوم في احتلال الأرض أملاه الفراغ الناجم عن ذهاب سلامة، استغله المتحاربون وحاملو السلاح إلى أقصى درجة لتصبح ورقة في أيدي كل واحد، يتفاوض بها في حالة مجيئ مبعوث جديد ليفرض شروطه أمام تدفق غير مسبوق لكميات هائلة من السلاح القادم من كل حدب وصوب لتأجيج الوضع أكثر فأكثر، وهذا ما يسجل خلال هذه الأيام.
ومهما تكون التبريرات المقدمة بشأن أولوية العمل العسكري على السياسي، فإنه في نهاية المطاف يسقط الجميع في اللاحل وهذا مضر بآفاق المسألة والإستناد إلى خطاب محاربة الإرهاب كحجة في استمرار الإقتتال يضيق مجال المساعي الحميدة ويجعلها أحيانا مستحيلة ومرفوضة بإسم حماية الأمن القومي. كل هذا جعل الأزمة الليبية في مفترق الطرق. كل واحد يرى الحل الذي يريده ونسوا ما يريده الليبيون.