طباعة هذه الصفحة

الغضب جمرة مـن الشيطـــان فمنـــه المحمـــود ومنــــه المذمـوم

 

 

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصيني قال : «لا تغضب» فردد مرارا قال : «لا تغضب»
هذا الحديث عظيم وهو من جوامع الكلم، ويجمع بين خيري الدنيا والآخرة، الخير الذي يعقد على ضبط النفس والتحكم في نزواتها بالابتعاد عن الشر والغضب وأسبابه.
والغضب هو نقيض الرضا، وهو غليان دم القلب وفوارانه الذي يؤدي بصاحبه إلى القتل، والضرب وكل أنواع الاثم والعدوان، كما يترتب عنه الأقوال المحرمة من الفحش والبذاء والقذف، والسبّ الشتم واختلاف الأكاذيب من أجل تشويه صورة المغضوب عليه حتى وإن كان يحمل صورة جميلة في جميع نواحي حياته لأن عين السخط لا تبدي لصحابها إلا مساوئ الخصوم فقط بما قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تبدي المساوئ
فالغضب جمرة من الشيطان وهو محمود ومذموم.
أمّا الغضب المذموم فهو الذي يغضب فيه الإنسان لأتفه الأسباب ويتعلق بأمور الدنيا والحسابات الشخصية الضيقة والذي ينتج عنه الانتقام وأخذ الثأر بطريقة جاهلية غير محدودة العواقب ومثل هذا هو الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه سلم واعتبر أن ردة الفعل المنجرة عنه ليست قوة في الرجل الغاضب، بل هي ضعف فيه إذ لم يستطع التحكم في نفسه وكظم غيظه، بل عضّ أصابع الندم بعد أن أفاق من غضبه ورجع إليه عقله، يقول عليه الصلاة والسلام «ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
إن الغضب المذموم يقوم على دعوى الجاهلية وحميتها وهو الذي يحيي الثغرات القديمة، ويؤدي إلى القطيعة بين أبناء العمومة والأخوان وحتى الأخوة والأخوات وأقرب المقربين، وهو الذي يعمي عن الحقيقة فيرى الباطل حقا والحق باطلا، ولا ينصاع إلى الحق وأهله بل يبغض من ينصحه ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويستوي عنده الصالح مع الطالح فلا يرى إلاّ نفسه التي يعتبرها مظلومة ولها الحق في فعل ما تريد حتى تسترد حقها المزعوم ولهذا فهو مذموم.
أمّا الغضب المحمود وهو ما كان فيه الغضب لله وللحق إذا انتهكت حرمات الله، وتعدي على حدود الله، وغمط فيه الحق، وأكلت فيه الحقوق، وظلم فيه الناس فهنا يغضب الانسان لاحقاق الحق وابطال الباطل ولا تأخذه في الحق ونصرتها لومة لائم، لأن هذا يعد جهادا في سبيل الله وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، والسلطان هنا يشمل النفس ويشمل جميع الخلق كما يشمل الحاكم، فالذي يقف على نفسه فيلزمها حدودها ويعترف بحقوق الناس ويردها ويعتذر لمن هو أقل منه وأضعف منه، هذا يعد رجلا مجاهدا حق الجهاد فلم يخفه سلطان نفسه ان يقول لها أنت مخطئة وظالمة.
وهذا النوع من الغضب المحمود هو الذي كان يميز خير الخلق محمد بن عبد الله عليه أزكى الصلاة والسلام، فعن جابر «رضي الله عنه» قال: « كان صلى الله عليه وسلم إذا غضب أحمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش»، وهذا الغضب ليس لنفسه صلى الله عليه وسلم وانما دفاعا عن حرمة الأشخاص وصونا للاسلام وحفظه من الضياع بسبب التصرفات الطائشة والعادات الممقوتة التي عوض المسلم فيها بماهو خير.
والغضب المذموم الذي يحاربه الاسلام له أسباب وهي مذمومة ايضا يمكننا أن نذكر بعضها في النقاط التالية:
١ : العجب: فحينما يعجب المرء برأيه والمكانة التي هو فيها ونسبه الذي ينتمي اليه وماله الذي يملكه يؤدي ذلك الى العداوة والبغضاء، والغضب الشديد وكذلك حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:» المهلكات ثلاث: إعجاب المرء بنفسه وشح مطاع وهوى متبع».
٢ : المراء: وهو آفة خطيرة تدفع الى الغضب نتيجة للتعصب الأعمى وحب الظهور في صورة الرجل الذي لا يهزم فإذا خالفه حليفه غضب منه وانتقم لنفسه بطريق او بآخر لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدال العقيم الذي لا خير فيه فقال:  أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك الجدال وان كان محقا».
٣ : المزاح: وهو الذي أوله حلاوة وآخره عداوة خاصة إذا تعدى فيه صاحبه الحدود إما بالكلام أو بالفعل فيترتب على ذلك الغضب القاتل الممزق لأواصر الأخوة والمحبة بين الناس ولذلك نهى الاسلام عن أسباب الغضب التي يسببها هذا المزاح فقال صلى الله عليه وسلم: « لايأخذن أحدكم متاع صاحبه جادا ولا لاعبا».
وللغضب علاج من أخذ به فقد أخذ بحظ وافر ومنه:
١ - ملازمة الذكر بالاستغفار والتسبيح والحوقلة وقراءة القرآن.
٢ - كظم الغيظ فإنه من كظم غيظه رفعه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة يخيره من الحور العين يزوجه منها ما يشاء ولقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما من جرعة أحب الى الله من جرعة غيظ ما كظمها عبد الله إلا ملأ الله بها جوفه ايمانا».
٣ - ومن علاج الغضب تغير الوضع الذي يكون عليه الغاضب فيجلس اذا كان واقفا ويقف اذا كان جالسا أويضجع وهكذا فعن أبي ذر «رضي الله عنه» ان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضجع».
فعلينا أن نتجنب الغضب ودواعيه ولنصبر ولنحتسب ونجعل من أعراضنا صدقة بالتنازل عن حقوقنا ولنبعد الشيطان من طريقنا، ولنعلم ان الكبير هو الذي لا يغضب بل يتجاوز على أخطاء من أغضبه كما يقول الشاعر:
لايحمل الحقد من تعلو إليه الرتب ولا تنال الرضا من طبعُه الغضب