طباعة هذه الصفحة

في كـتابه «النـشـيـد المغتال»

الـــصـحـفي عــمار بلــخوجــة يــسـتــعرض مـــسيرة رائـد الأغـنــيـة الـــوطـــنيـة

س. بوعموشة

علي معاشي غنى للجزائر وخلّد اسمه في سجّل العظماء

 

ما زاد عظمة ثورتنا المجيدة هو أن كل فئات المجتمع الجزائري شاركت في الثورة، من فلاحين، تجار،عمال، طلبة، ممرضين وفنانين جلهم سقطوا شهداء من أجل إسترجاع السيادة الوطنية وعلى رأسهم الشهيد علي معاشي الذي يعدّ من المطربين الجزائريين الوطنيين الذي استشهد من أجل حرية وطنه.

في هذا الصدد، استعرض الباحث والصحفي عمار بلخوجة في كتابه «النشيد المغتال» الصادر عن دار ألفا للنشر المسيرة الفنية والنضالية للشهيد علي معاشي الذي غنى للجزائر وخلد اسمه في سجل العظماء، ومولده يوم 27 أوت 1927 بتيارت وتحديدا في حي بناصر في منزل والده قدور، فلاح يملك أكثر من 500 هكتار في منطقة عين بوشقيف على بعد 20 كلم شرق مدينة تيارت، والده كان من أعيان المدينة يدغدغ السياسة وكان مترشحا في السلك الثاني، وصار مستشارا بلديا ما بين 1929 و1932، إلى جانب عدة شخصيات معروفة بتأثيرها في أوساط السكان الجزائريين المحليين مثل الطيب التيجاني، فضيل عدة كمرشحين أحرار.
كان علي معاشي رائد الأغنية الوطنية وصوت الثورة التحريرية، يتمتّع بصفات عديدة، الموهبة، الأناقة، اللياقة، الثقافة، البعد الإنساني والعطاء كان مغنيا لطيفا، كان مثابرا وصارما في التمرينات الموسيقية، منضبطا، عندما يغيب يخلقه مكي بن عودة في الإدارة بكفاءته الكبيرة في التسيير الموسيقي وتكوين الموسيقيين خاصة.
وبحسب ما ورد في كتاب الباحث عمار بلخوجة، فإن علي معاشي كان من بين القلة القليلة من الجزائريين الذين كان لهم الحظ في الذهاب إلى المدرسة في فترة لم يكن فيها إلا مدرسة واحدة تسمى مدرسة الأهالي، وكانت تحمل اسم مجرم حرب الجنرال « بوجو»، ومع ذلك فإن التيارتيين يفضلون تسميتها عين الكرمة، في دورة جوان 1941 تحصّل على شهادة الدراسات الإبتدائية.

كان علي مثابرا وقويا، فسمحت له هذه الإستعدادات بتسيير فعّال للمصالح العائلية بعد وفاة أبيه ورغم ذلك فإن معاشي ليست له الروح الفلاحية وهو شاب يميل إلى المغامرة والتعطّش إلى الإكتشاف، جلبه البحر أكثر من الأرض ولكي يكتشفه أحسن جعل نفسه بحارا وهو صغير جدا إستبق الإستدعاء إلى الخدمة العسكرية، بعد أن خرج من التجنيد رجع إلى مسقط رأسه، وذلك بعد أن بقي مدة طويلة في مدينة الجزائر، الأسفار والمحطات في الموانئ قد أعطته إثراءات متنوعة.
فكر والده بتزويجه ليحطّ الرحال بصفة نهائية في مرساه الأول، وهو تيارت إختار له بنتا من أحد أقربائه  الطاهر، تزوج في سنّ 25 سنة، تنقل  المغني الشهير أحمد خليفة من مدينة الجزائر لإحياء العرس وتكريم علي معاشي مولاي السلطان هكذا يسمون العرسان الجدد، تشاجرا أبناء العمومة وأثر على الزوجين اللذين إنفصلا وأخرج معاشي كل هذا في الغناء وهو فن سيطر عليه حبان، حب زوجته وحب الجزائر، لم يتحمل إلا بصعوبة هذه المأساة لأنه محب لزوجته، حاول الإتصال بها سريا ليقنعها بالعودة إلى المنزل، إلا أنها رفضت بسبب أبيها فوصف ذلك بقصيدة :

 لغدوجاتني بريا   
وقالت الحب ما بقاش
أنا ليك يا عزيز عليا  
حبك في قلبي ما فناش
أنا من جهتي ماذابيا  
بالصح بويا ما بغاش
 
علي معاشي لم يكن له الحظ في ترك وريث بعده، الولد الوحيد الناتج عن زواجه مع فاطمة مات شهرين بعد ولادته لأن العائلتان كانتا متشاجرتين عندما ولد الرضيع، عندما سمع معاشي بموت ولده إجتاحته موجة من حزن العالم، حمل الجسم الصغير ليدفنه وهو ثمرة حب كبير، ألم لا يحتمل لدى هذا الرجل الذي يبكي الحب الذي لم يستطع إهداءه كليا إلى زوجته، والعاطفة التي لم يستطع تقديمها لرضيعه، فيذكره في إحدى أحسن مرثياته:

تفكرت ثاني اللي منها ليا  
لوكان بقا لينا وعاش
اتحن الكبدة وتزول السية
 نفرحو أونذبحو لكباش
لكن الموت ما دير أمزيا  
كفنو عزي في القماش

رؤية زوجته مرة أخرى أصبحت بالنسبة له هاجسا، لذلك حاول المستحيل إختار أن يتنكر في لباس سائل ودق باب منزل صهره وهو يشبه سائلا تائها يبحث عن لقمة أو صدقة، في ذلك اليوم كان صهره غائبا فاطمة هي التي جاءت لفتح الباب لتجيب على تساؤلات السائل، معاشي ابتسم لها فعرفته الفرحة وصلت إلى أوجها وبكت الحب الضائع وزوجين تم تفريقهما خارج إرادتهما إنتهت بالطلاق يوم 27 جويلية 1954، هذا الحب المستحيل حكاه لنا علي معاشي بقصيدة:
حتمو عليها تسمح فيا  
بصح قلبها ما خلاهاش
عليها نظمت ذي لقصيا  
في القبر ما ننساهاش

بعد الفراق بدأ يكتب ويلحن ويغني إقترح عليه أبوه أن يعيد تزويجه فرفض، فصار يتنقل بين مدينة الجزائر وتيارت، مات والده وعاش مآسي متتالية، حياة الخفاء، كان عنصرا من مجموعة «سفير الطرب» إلتحقت بخلية إن الوحدة الفنية لمعاشي قد تحسنت بوجود حماني جازري لاعب الدربوكة في المجموعة وهو صديق مخلص لكاتب أنغام الجزائر.
في هذا السياق، أوضح بلخوجة أن إنشاء جوق الطرب كان سنة 1953، كان أحمد قائدي كثير النشاط ابتداء من 1951، يحرّض شباب القسمة المحلية على الإنخراط في دروس الموسيقى في المدرسة التيارتية التي يديرها الأستاذ Tony Di Rosa، إن العضو المستقبلي في أركان جيش التحرير لم يسمح في تلك الفترة أن تعطى دروس الموسيقى فقط لأبناء المعمرين، بينما ميزانية البلدية تغذيها في الغالب المجموعة الجزائرية، الأستاذ توني قد شكل جوقا حصريا من أبناء المعمرين الذي كان ينشط كل سنة حفلات 14 جويلية .

خدم الثورة من خلال جوقه «سفير الطرب»

المجموعة الفنية كانت تتضمّن خلال تلك الفترة مختار عكاشة، مصطفى بلعربي، عبد القادر تركي، محمد مغراوي، خالد عربان وغيرهم الذين تخلوا عن ذلك زمنا قصيرا من بعد يوم 14 جويلية 1952 التلاميذ الجزائريون الذين قاموا بتقديم تجاربهم تمّ قبولهم داخل غرفة الموسيقى، لإثبات أن الجزائريين هم أيضا قادرون على ممارسة الموسيقى والأدوات العصرية.
في 1953 عندما عاد معاشي إلى تيارت تطورت الأمور كثيرا في المجال الفني، مكي بن عودة ورفاقه بالأندلسية صاروا مشهورين في المدينة وفي كل الناحية مختار عكاشة المثقف النشط والمسالم ولسان حال المدرسة الحرة، يزرع الفن والمعرفة والمشاعر الوطنية، الكشافة الجزائرية مع مغراوي والعربي جبتري يكونان الشباب من الذكور والإناث من الذين يحبون الفن والتسلية مع تظاهراتهم وأغانيهم الوطنية، فإن الكشافة الجزائرية تعطي مشاعر الفخر والرفاهية للعائلات التيارتية.
هؤلاء الشباب سيلعبون دورا مشهودا في ترقية الأغنية، الإتصالات الأولى مع موسيقى تيارت كانت مع مكي بن عودة، أخذ الشباب الموسيقيون أدواتهم ولعبوا بعض المقاطع كبرهان أمام معاشي الذي فرح وإقترح فكرة تأسيس جوقه واستخرج من الكشافة عناصر شابة مثل خالد عربان، زمري مولاي، عكاشة مختار ولد المسلمي، لاعب المزمار في جوقه «سفير الطرب» ومناضل نشيط في المدرسة الحرة في تيارت استشهد سنة 1958.
اختار معاشي الألوان الوطنية لجوقه، واسم سفير الطرب رئيس الجمعية الجديدة أحمد بن تواتي مدير الأكاديمية المستقبلي للجزائر المستقلة من 1953 إلى 1955، قام سفير الطرب بإنجاز مآثر كثيرة، كما تصاحب الراقصات المجموعة الموسيقية كلثوم، علي معاشي وأصدقائه كانوا يقومون بالتمثيل في المسرح والغناء كأدوات لتحرير الشباب المحلي، وذلك بأن يسمح له في نفس الوقت لتقوية مشاعره الوطنية.
تخلى موسيقيو سفير الطرب عن أدواتهم التي كانوا يستعملونها في الكفاح الثقافي، وجاء النداء بأسلحة جديدة مختار عكاشة، والغربي الهاشمي ولد الغرد إلتحقا بالجبل ماتا محاربين الأول سنة 1958 والثاني في 1959، واختفى علي معاشي في ظروف أكثر مأساوية، عندما تمّ اغتياله علق في شجرة في ساحة عمومية بتيارت يوم الأحد 8 جوان 1958 أحاط به العساكر الفرنسيين راضون عن جريمتهم.

أعماله: أعتبني الصيف، يا بابور، الولف صعيب، يا سلام على بنات البنات، وعبقريته على توقيع ابتكار موسيقي في نغمة شرقية، «أنغام الجزائر»، تكريم قدّمه معاشي للتنوع الثقافي وقراء التراث وجمال الجزائر، يضيف بلخوجة.